أولاً مقدمة عن الداعي لكتابة هذا الموضوع
أحياناً كثيرة يتناول البعض موضوعات تخص المشاكل الكنسية ويتحدثون عن قوانين الكنيسة بصورة مبتورة مما يُثير الجدل العقيم ما بين مؤيد ومُعارض ، وكلها تنحصر في الآراء الشخصية ، مما يؤدي كل ذلك إلى التشويش والاضطراب بل والتضارب حول الحقائق الكنسية ، وخلط الأمور ببعضها البعض ، وأيضاً جعل البعض أن يبرر الخطأ الظاهر لكي ينقذ الكنيسة – حسب فكره الخاص – من أي شبهه تعرضها للملامة من أحد ، مع الخلط مابين الخطأ الشخصي والخطأ العام وما بين الكاهن الذي يحمل وظيفة وشكل الكهنوت وبين الكهنوت نفسه وبين الكنيسة ، مما يُسبب العثرة الحقيقية ...
والمشكلة الرئيسية تنحصر في أخطاء الشخص ذاته الذي أهان وظيفته الكهنوتية ، لأن من الصعوبة التامة أن نجعل الناس تغفل عن الأخطاء الظاهرة أمامهم وتغيير الحقائق ولويها وتلوينها لتبرير المواقف ، وهذا خطير لأنه يجعل الكل يفقد مصداقيته ويُظهر أن الكنيسة تبرر الأخطاء وتغطيها ، مع أن الحق القانوني الكنسي لا يغطي الأخطاء بل يعترف بها ويُصححها ، وهذا ملهم من الكتاب المقدس ككل ، لأن الله لا يتغاضى عن الخطأ ولا يُبرره مهما كان الشخص قريب منه او عزيزي لديه لأن الخطية خطيرة جداً ، بل يواجهه ويكشفه في النور بوضوح ويعريه تماماً ويحصره في الدينونة المعلنة منه ، معلناً أن أجرة الخطية موت ، ومن يُخطأ لا يتبرر أو ينال غفراناً إلا إذا اعترف بالخطأ دون أن يبرر نفسه أو يلتمس الأعذار ، وبخاصة أن كان هذا الخطأ لا ينحصر في إطار ضيق بل هو موجه ضد الكنيسة والشعب ككل ، وهنا الخطأ تعدى الضعف الشخصي ليطال الجميع ويمس الكهنوت ذاته بالإهانة مما يتسبب في تشويه الصورة أمام الجميع وهنا تكمن العثرة الحقيقية !!!
ومن المفهوم الأصيل للكنيسة في التوبة والغفران هو : [ من يعرف عاره يعرف كيف يطلب مجده ] وهذا هو سر الغفران الرئيسي ، لأن كيف يذهب مريض لطبيب أن لم يدرك أنه مريض يحتاج لطبيب وعلاج لكي يتم شفاؤه !!! لذلك قال الرسول : [ إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين و عادل حتى يغفر لنا خطايانا و يطهرنا من كل إثم ] (1يو 1 : 9)
ولننتبه أيضاً أن يوجد خطايا تحتاج لحكم واضح وصريح لكي لا يتبع أحد نفس ذات المنهج أو يضر الكنيسة ويعثر الشعب لذلك قال الرسول أيضاً : [ خطايا بعض الناس واضحة تتقدم إلى القضاء و أما البعض فتتبعهم ] (1تي 5 : 24) ومن هنا نشأت المحاكمات الكنسية ، وطبعاً لنا أن نعلم يقيناً أن المحاكمات الكنسية ليست مثل القضاء البشري ، لأنها تبنى على مراحم الله المتسعة في الحق والعدل بهدف التوبة والرجوع عن الخطأ ، لأن أي محاكمة بغرض التشفي أو الانتقام أو تحت أي مسمى آخر غير محبة الله وغفرانه ، بهدف تأديب وتشذيب النفس أصبحت محاكمة باطلة خرجت عن الخط الإلهي وتقليد الكنيسة ، لأن الهدف كله يرتكز على التوبة وتصحيح الوضع في نور الله وغنى مجد حضوره الخاص ....
ولنا أن نعلم قبل أن نخوض في الموضوع ونكتب القوانين الكنسية ، أن كل القوانين الكنسية لم توضع لذاتها وبطريقة مستقلة عن خلفية : أن القانون الكنسي جزء لا يتجزأ من التقليد المختص بأساسيات قيام الكنيسة ونظامها وترتيب نظام الكهنوت فيها ، وكل هذا مرتبط بالكتاب المقدس ولا ينفصل عنه ، بل ويمتد ليشمل بنود الإيمان الرسولي والأسرار الكنسية والتعليم ككل ، لأن أي انفصال في العقيدة عن القوانين الكنسية أو قانون الإيمان أو الأسرار أو التأمل أو التعليم كفيل أن يقسم الكنيسة ويشتت الكل ويجعل كل واحد يسير غير مرتبط بالجسد الواحد متفاعلاً معه بالقلب والروح ليكون جزء لا يتجزأ من الكنيسة الواحدة الوحيدة الجامعة الرسولية !!!
مشكلتنا اليوم أن ليس لدينا الوعي الكنسي الشامل ، بل نحيا ونخدم فاصلين التقليد القانوني عن التقليد المختص بطبيعة الكنيسة وأساسيتها وقيامها ، وقد امتد الانفصال ليشمل العلم اللاهوتي والروحي والعقيدة والإيمان ، وكل هذا مفصول أيضاً عن الأساس وهو الأسرار ، مما ساعد على إنشاء تعليم ممزق وهيهات الربط بينه وبين كل ما هو كنسي ، بل أصبح كل واحد ينطلق في خدمته من تأملاته الخاصة بلا خبرة ولا حياة كنسية مبنية على التقليد الحي والنابض بحياة الله وأنفاسه الخاصة أي الإنجيل ، فاصبح التعليم عند الكثيرين مشوه ولا يُعطى في صورة صحيحة أرثوذكسية كما سلمها لنا الآباء القديسين عبر العصور ...
ودعوتنا اليوم أن ننتبه لحياتنا ونكتشف أخطاءنا لنواجهه ونعترف بها أمام الله ونصحح مسيرتنا ونعي وندرك عمق أصالة كنيستنا ونعود للنهل من ماء الحياة الذي منح الله منه الرسل والآباء ليستقوا ويسقونا معهم .... وهذا هو الغرض من عرض قوانين الكنيسة بشكل مركز من المخطوطات والمراجع الأصلية التي سوف نعود إليها ونكتبها ، ولكن ليس بتوسع لكي لا يمل أحد بل بإيجاز وتركيز ، وسوف نذكر دور الجميع في الكنيسة من أول الشعب إلى الأسقف ، صلوا من أجلي ، النعمة معكم