الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / الإيمان الحقيقي لا يُختبر إلا في الأزمات – فالنفحص أنفسنا هل نحن في الإيمان

الإيمان الحقيقي لا يُختبر إلا في الأزمات – فالنفحص أنفسنا هل نحن في الإيمان

[ أيها الرب الإله القادر على كل شيء ! … أباركك ، لأنك رأيت أن تُنعم عليَّ في هذا اليوم، وفي هذه الساعة أن أشاركك – مع عداد شهداءك – في كأس مسيحك وأعبر إلى الحياة الأبدية ] (رسالة القديس الشهيد پوليكاربوس إلى سميرنا – فصل 14)
[ إني مستعد أن أجوز هذه الآلام كلها لكي أكون شريك المسيح فيها، الذي تأنس وصار إنساناً كاملاً، الذي هو في داخلي يقويني ويُشددني ] (رسالة القديس إغناطيوس الشهيد إلى سميرنا 4)

أن الإيمان الحي والحقيقي يُختبر بالامتحان ويُزكى حينما يفوز الإنسان بالثبوت في المواقف المحرجة والعصيبة التي يمر بها، لأن الإيمان ليس نظرية أو فكرة أو مجرد إحساس، بل قوة تسكن قلب الإنسان وفكرة بل وكيانه كله، ولا تظهر قوته إلا وقت المحن والشدائد لذلك القديس بطرس يقول: [ أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمرٌ غريب ] (1بطرس 4: 12)

ونرى امتحان إيمان إبراهيم أب الآباء العظيم هكذا: [ وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال له يا إبراهيم فقال هاأنذا، فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق واذهب إلى أرض المُريا واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ] (تك 22 : 1)، فنجد رد إبراهيم في تصرفه الفوري والعجيب الذي يُظهر إيمانه الحي العملي وثقته الشديدة في الله حبيبه الخاص: [ فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره وأخذ أثنين من غلمانه معه واسحق ابنه وشقق حطبا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله… ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه ] (أنظر تكوين 22 كاملاً) !!!؛ وهذا هو فعل الإيمان يا إخوتي والثقة الشديدة في الله، فالخضوع الكامل لله بإيمان حي يظهر أصالته وحقيقة جوهره فقط وقت المحنة والشدة، فيفوز بمراحم الله وفي النهاية [ بذاتي أقسمت يقول الرب إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك. أباركك مباركة ] (تكوين 22)

لذلك ينبغي أن نرى إيماننا ونعرفه، هل هو الإيمان الحي بالله القدوس، الذي يراه أنه هو القيامة والحياة، وأن لنا ثقة أنه هو قد غلب العالم لحسابنا الخاص، فنثق فيه ولا نمنع عنه شيئاً حتى أنفسنا ذاتها ونفوس أولادنا وإخوتنا وآبائنا… ولا نتملل من أي تجربة أو محنة أو مشقة، أو نبكي على حق لنا نعتقد أنه مسلوب منا حسب الجسد !!! أو نتضايق من أجل أي خسارة في هذا العالم مهما كانت !!!
يقول العلامة أوريجانس [ إن الإيمان يُختبر في هذه اللحظات فيوجد أميناً. إن الاستشهاد واجب لكل مسيحي، لأن الذين يحبون الله هم بالضرورة مستعدين ليتحدوا به ] (الحث على الاستشهاد فصل 1و2و3و4)
[ إن الذين يخلصون حقاً، هم الذين يحملون على أنفسهم الصليب مع المسيح ] (نفس المرجع السابق فصل 12و 13)
فيا أحبائي الإيمان ليس نظرية ولا فكرة تقال بمنطوق الكلام إنما إرادة حرة يقدم بها الإنسان أعز ما لديه وأفضله لله الحي الذي يحبه، بل حتى يحسب نفسه رخيصة عنده ولا تُستحق أن تُقدم للكمال المطلق، لأنه حينما نعطي الله ذاتنا التي هي ملكاً له أصلاً لا نتفضل عليه بشيء، بل لأننا نحبه لذلك نُسرّ جداً أن نقدم أنفسنا حتى سفك الدم !!!

ولنا أن ننتبه أن الكتاب المقدس لا يذكر مجرد إيمان عادي، بل يؤكد على أنه هو [ الإيمان العامل بالمحبة ] (غلاطية 5: 6)
[ جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان !!! امتحنوا أنفسكم !! أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم أن لم تكونوا مرفوضين ] (2كو 13 : 5)
فلنمتحن يا إخوتي أنفسنا ونعرف، هل نحن في الإيمان أم إيماننا أقل من أن يكون مثل حبة خردل !!!!!!!! [ ثم قال لهم أين إيمانكم فخافوا وتعجبوا قائلين فيما بينهم من هو هذا فانه يأمر الرياح أيضاً و الماء فتطيعه ] (لو 8 : 25)، [ قال لها يسوع ألم أقل لك أن آمنتِ ترين مجد الله ] (يو 11 : 40)

وليسأل كل واحد نفسه: لماذا لا أقدر أن أرى مجد الله في حياتي الخاصة ؟!!! ولماذا لا أستطيع أن أشفى من مرض الخطية ؟!!! ولماذا لا أستطيع أن أعبر فوق أقل ألم أو ضيق ؟!!! ولماذا أخاف من العالم والمستقبل ؟!! ولماذا أخاف من أقدم كل شيء لله حتى إرادتي وأطيع الوصية ؟!!! لماذا لا تتحول في داخلي كل معرفة أعرفها لفعل حياة أعيشه ؟!!! لماذا أتكلم عن الله كثيراً ولا استطيع أن أصل لشركة معه حقيقية على المستوى العملي ؟!!! لماذا الله عندي فكرة وإيمان عقلي على مستوى الكتب والمعلومة وليس إيمان حي يتحول لعمل ظاهر في حياتي اليومية المعاشة ؟!!!

يا أحبائي الكتاب المقدس يظهر لنا هذا الموقف لنفهم ونستوعب ونتعلم، ولنلاحظ أن في الموقف الآتي كيف أن الكل يحيط بالرب من كل جانب، مثلنا اليوم، معظمنا في الكنيسة بل والكثير خداماً، وكثيرين يمارسون الصلاة والصوم والعبادة والدراسات اللاهوتية والعقيدية ويبرعون في النقاش واقناع الآخرين وتعليمهم، ولكن لا زال يعوزهم أن ينالوا قوة من المسيح الرب، ولنقرأ ونتعلم ونندهش :
[ و امرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة وقد أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد. جاءت من ورائه و لمست هدب ثوبه ففي الحال وقف نزف دمها. فقال يسوع من الذي لمسني (ولننتبه لهذه الكلمة) وإذ كان الجميع ينكرون قال بطرس والذين معه يا معلم الجموع يضيقون عليك و يزحمونك و تقول من الذي لمسني. فقال يسوع قد لمسني واحد لأني علمت أن قوة قد خرجت مني. فلما رأت المرأة أنها لم تختف جاءت مرتعدة وخرت له وأخبرته قدام جميع الشعب لأي سبب لمسته وكيف برئت في الحال. فقال لها ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك اذهبي بسلام. ] (لوقا 8: 43 – 48)

أرأيتم يا إخوتي كيف يكون الإيمان، أرأيتم أن الزحام في الكنائس وكثرة الخدمات والكلام عن الله لا يُجدي نفعاً أن لم يكن هناك إيمان حي يجعلنا نتلامس مع الله فنُشفى، هوذا جمع شديد الزحام حول الرب ولكنه يقول من لمسني، عجيب هو الرب الذي يظهر التعليم وأنه لا يسر بالزحام وكثرة الناس لأنه لا يهمه من يلتف حوله ويتبعه بدون أن يكون له إيمان وثقة حقيقية في شخصه لتخرج منه القوة إليه..

فنتعلم يا إخوتي أنه ليست بكثرة معارفنا نتأصل في الحياة مع الله، وليس بكوننا معلمين نجلس على كراسي التعليم يقبلنا الله الحي، بل بإيماننا الحي البسيط العامل بالمحبة نستطيع أن ننال مراحم الله بقوة، لأن النعمة تنسكب على من يؤمن، وفرح الله بالتائب الذي يريد الشركة معه بالمحبة أكثر من المتعلم والباحث الذي ليست فيه حياة الله تسري…

فلنمتحن أنفسنا إذن، هل نحن في هذا الإيمان الذي يشفي، أم لا زلنا نتكلم ونتحدث بلا خبرة إيمان حي مع الله في شركة واضحة تجعل الله يستجيب لنا ويسكب من غنى نعمته في قلوبنا، لذلك يا إخوتي احذركم من كثرة المعرفة لأنها تجلب وبالاً على النفس، لأن الإنسان في هذه الحالة يتوه عن الله ويظن أنه يعرف الله فيغش نفسه ويظن أنه معلم الجهال مظهراً ما هو الحق من الباطل، وهو بعيد كل البعد عن شركة الله والقديسين وحياة التقوى بالإيمان الحي، وهو لازال إلى الآن في الموت حياته، خبرته خبرة الموت في انفصال عن الله الحي، ولم يُشفى بعد بقوة الله، فلم يعد يرى الله في قلبه ويتلامس معه كل يوم في مخدعه وينال قوة تطهير من كلمته التي تنقي النفس وتهذبها وتشذبها مثل الفلاح الذي يرعى حقله ويشذب أشجاره لتصبح صحيحة معافاة تأتي بالثمر الكثير وتصير مفرحة له ولكل من يأخذ من ثمرها النفيس ويجلس تحت ظلها ….

عموماً يا إخوتي أن رأى أحدكم أنه يبحث عن المعرفة اللاهوتية أو الروحية لكي يرد على الآخرين فقط، أو مفتخراً بعقيدته لأنها الأفضل، بدون أن يبحث عن أن يتعلم هو لكي تنفتح عينيه على الرؤية الصحيحة على الله ليدخل في شركة معه وتتطهر نفسه بما عرف، لأنه يعرف حسب مشيئة الله وإلهام الروح، فاعلموا أنكم لا تحيون في الإيمان الحي الذي يُبصر الله، بل إيمانكم نظري فكري ينحصر في غيرة باطلة بتحذب لأنكم في تلك الساعة لا تعلنون الرب الحي بل تعلنون معرفتكم في صراع مع الآخرين في من هو على صواب ومن هو على خطأ ولم تعرفوا الرب بعد، وأكبر دليل على نقص المعرفة بالرؤيا والاختبار هو شتم الآخرين والاستهزاء بهم وتحقيرهم والاستخفاف بفكرهم، والاعتقاد أننا الأفضل والفاهمين !!!

فلنتب يا أخوتي صارخين للرب حتى يغسلنا ويُطهرنا ويهبنا حياة حقيقية بالإيمان العامل بالمحبة الذي يُرضية لئلا تحل علينا دينونة الله لأننا لا نحيا بل نتكلم بما هو لنا وليس ما هو لله، فتخيلوا لو القديس بولس الرسول لم يعرف الله ولم يتلامس معه كيف سيتكلم ويكرز أن لم يتكلم الروح القدس فيه !!!

احذروا من كثرة معارف الكتب بدون حياة، لأن لو وقفنا عند المعرفة فقط بدون حياة لن نتوب بل سنظن اننا افضل من الجميع وسندعو الكل بالجهلة والأغبياء الغير فاهمين، لأن الله لن يكشف لنا الإنجيل وسنصدق روح الضلال ونقنع أنفسنا بما نعرف ولكننا في الواقع لا نعرف شيئاً بل نحن ضالين عن الإيمان، وينطبق علينا قول الرسول: [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين (بالإيمان الحي) لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كو 4: 4)

ولنعرف أن الشجرة تُعرف من ثمارها لا بشكلها ولا بطول زمان زراعتها، لأن إيمان بدون أعمال ظاهرة كثمرة له لا ينفعنا، فلا المعرفة بدون إيمان عملي معاش له ثمر تنفعنا في شيء بل ستضرنا وتفسدنا عن البساطة التي في المسيح: [ أنت تؤمن أن الله واحد حسنا تفعل والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت (لأنه إيمان نظري، إيمان عقلي بلا ثمر). ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال (لأن إيمانه حي مثمر) إذ قدم اسحاق ابنه على المذبح. فترى أن الايمان عمل مع أعماله وبالاعمال (الثمر) أُكمل الايمان. وتم الكتاب القائل فآمن ابراهيم بالله (إيمان حي عامل بالمحبة) فحسب له براً ودُعي خليل الله. ترون إذاً أنه بالأعمال (التي هي ثمر الإيمان) يتبرر الانسان لا بالايمان وحده (حسب قناعة الفكر والخارج من الشفتين فقط). كذلك راحاب الزانية أيضاً أما تبررت بالأعمال (الذي هو ثمر إميانها الحي بالله) اذ قبلت الرسل وأخرجتهم في طريق اخر. ] (يعقوب2: 19 – 25)…

وإذ لي الكثير لأكتبه ولكن كما هو مكتوب أعطِ الحكيم فرصة ليزداد، وانا على يقين أنكم حكماء لذلك ستزدادون فهماً ومعرفة حسب مسرة الله ابينا وسيد كل أحد لأنه هو من دعانا بالمجد والفضيلة ليكون لنا شركة معه في النور، كونوا معافين

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: