الرئيسية / مقالات / التجسد الإلهي ومعناه في حياتنا الشخصية
823076641

التجسد الإلهي ومعناه في حياتنا الشخصية

ماذا يعني التجسد، تجسد الكلمة، اي اتحاد ابن الله الكلمة الذاتي الذي للآب، أقنومياً بالطبيعة البشرية، اي ما معنى أن الله يظهر في الجسد، وليس مجرد ظهور، بل اتحاد حقيقي غير قابل للانفصال، ماذا يعني أن الله اتخذ جسداً واتحد به اتحاداً حقيقياً بكل ما في الكلمة من معنى !!!

هذا هو السؤال الجوهري الذي يُحدد إيماننا، الذي هو إيمان حي رائي، لأن الإيمان الحي ليس قفزة في الظلام، بل هو الدخول في النور لرؤية خلاص حقيقي، وليس مجرد خلاص من حياة قديمة لندخل في حياة أخلاقية تُرضي المجتمع الذي نعيش فيه، ونحيا حياة مثالية ونكون حزب اسمه حزب القداسة أو المتدينين بالمسيحية، لأن ليس هذا عمل الله ولا هو سرّ التجسد الذي نعيشه في حياتنا اليومية، لأن التجسد ليس فكرة ولا مجرد عقيدة مسيحية تتكلم عن إله تفاعل مع البشر وأراد أن يكون وسطهم، هذه فكرة فلسفية لا تعنينا في شيء، وهذا ليس الإله الذي نعرفه على الإطلاق !!!

فحقيقة التجسد في حد ذاتها تعني أن الحياة الإلهية قد دخلت إلى العالم. فالكلمة كان هو الواسطة للخليقة الأولى، أي في البدء عند الخلق، فالإنسان خُلِقَ بالكلمة على صورة الله ومثاله، ليبقى في عدم الفساد، مع أنه لم يكن خالداً بطبيعة تكوينه لأنه أُخِذَ من تراب الأرض، ولكي يحفظه الله من الفساد أعطاه نعمة خاصه ليحفظه من أن يعود للتراب إذ وضع فيه ملامحه الخاصة، وذلك لكي ينمو نحو الله في لقاء ممتع في حوار فعال متبادل بينه وبين الله الحي، في انسجام حرية من دُعيَّ ليدخل في علاقة شركة محبة بينه وبين الله ليكون هو حبيبه الخاص، ليدخل في حالة خلود أبدي لو ابقى الله في معرفته وتمسك بوصيته، لأن أن أحب أحد الرب يحفظ وصاياه التي تحفظه في عدم الفساد ليستمر في شركة الحياة، ولكن بتعدي الإنسان فقد هذه الشركة، فتسلط الموت عليه، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ خلق الله الإنسان كسائر المخلوقات، إنما خلقه على صورة الله ومثاله، مانحاً إياه الحياة الأبدية، قاصداً أن يبقى في غير فساد. ولما احتقر وصية الله وتعداها؛ سلَّمَ نفسه للفساد وملك عليه الموت وصار الفناء يلاحقه ]
وهكذا اختار الإنسان العودة إلى أصله أي التراب الذي هو العدم، أي عدم الحياة، لأنه يستمد وجوده الحقيقي من الله الحياة، لأن الإنسان اثبت بتعديه أنه ضعيف غير قادر على حفظ ما أخذه من الله، وبالتالي لم يبلغ لما أعده له الله الحي من مصير مقدس، لذلك الله الكلمة الذي أُوجد كل شيء في البدء يُعيد بنفسه الفاسد إلى عدم الفساد من جديد وبشكل مضمون، لذلك يقول القديس اثناسيوس الرسولي: [ هذا الإنسان الذي خُلِقَ عاقلاً، كانت له شركة في الكلمة إذ خُلِقَ على صورة الله. لذا لم يكن لائقاً أن يفنى الإنسان أمام عيني الله ]

فبحقيقة التجسد الإلهي الذي حدث في الزمان ودخل وسُجِلَ في التاريخ، استعاد الإنسان تلك الرابطة بين الإلهي والبشري بطريقة أكثر ثباتاً وضماناً، لأن الكلمة هو الإله الحقيقي المتجسد، ولكونه اتحد بالإنسان في التجسد بسر عظيم، أصبح ممكناً للإنسان أن يقتني هذه الحياة الإلهية دون أن يخشى فقدانها مرة أخرى إلا لو رفضها بوعيه الخاص ولم يشأ أن يحيا فيها بكامل وعيه وإرادته بكل إصرار…

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ اتخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت، حتى عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة يُصبح قادراً أن يبقى في عدم فساد رافعاً الموت فوراً عن جميع نُظرائه البشر ]، لذلك تجسد الكلمة لا لكي يعطينا مجرد غفران مبني على كلمة [ معلش سامحني واغفر لي ]، لأن كان من الممكن ان يقول لآدم وكل من أتى بعده غفرت لك ولا تعود للخطية مرة أخرى، لأن من الواضح أنه لم يثبت أحد في ثبات عدم الخروج عن الوصية، لأنه لم يثبت أحد حتى ولا واحد، بل الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله، ولم يكن هناك شيئاً مضموناً يحفظ الإنسان ثابتاً في الحياة الأبدية التي من الله متدفقة، لأن صار بين الإنسان والله حاجزاً شديد الخطورة يمنعه عن الحياة، لأن المشكلة في الموت الذي تبعه الفساد، فإذا فسد الطعام فما هو الذي يُصلحه، إلا إذا صُنع من جديد، والإنسان ليس مجرد طعام يلقيه الله بدون ان يعيده ويرده للحياة بما هو مضموناً، لأن ليس من العدل أن يتخلص الله من الإنسان ويأتي بغيره، لأن عدل محبته يمنع أن يصنع هذا !!!

لذلك كان لابد أن يجتاز كلمة الله بهذه الطبيعة، أي طبيعتنا البشرية، حاجز الموت إلى القبر ليُبيد الموت في معقله، ويقول القديس اثناسيوس الرسولي: [ بذل الكلمة جسده للموت قابلاً فيه حكم الموت عوضاً عن الجميع حتى يُبطل سلطان الموت الذي قد استُنفذ في جسد الرب ] وذلك لكي يخرج بها إلى الحياة الأبدية بقيامته وإقامته الطبيعة البشرية التي اتحد بها اتحاد حقيقي فعلي بغير انفصال: [ أقمت الموتى من القبور، أقمت الطبيعة بالكلمة ] (القداس الغريغوري)، ثم اصعدها إلى السماء وأدخلها إلى حضرة الآب مُصالحاً إياها مع الآب، حائزاً لها على نعمة التبني فيه [ أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ] (1يوحنا 3: 2)، فيُجلسها معه كابن (الكلمة المتجسد) عن يمين الآب.
ولو لم تتم هذه الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين في شخص المسيح الكلمة المتجسد، لِما كان الاتحاد بالله والشركة معه ممكناً. لهذا السبب كان التجسد الغاية الأخيرة لخلق الإنسان.

لذلك يا إخوتي على قدر ما نتشرب من خبرة التجسد في حياتنا على قدر اقترابنا من الله والدخول في سرّ الخلاص، وخلاصنا هو الدخول في الحياة، لأن الخلاص هو خلاص من الموت الذي تبعه الفساد، أي خلاص من الموت الذي ملك علينا لكي يكون لنا حياة هي الله بشخصه، لأن الحياة فيه ومنه نستمدها وبدونه نحن أمواتاً بالخطايا والذنوب، لأن كل خروج عن الحياة هو التورط في الموت لدرجة الفساد إلى الموت الأبدي الذي لا حياة فيه !!! لذلك يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ تدبير إلهنا ومُخلصنا المختص بالإنسان هو دعوته وإعادته من تغربه عن الله الذي سببه له عصيانه، إلى شركة وثيقة مع الله ] (القديس اثناسيوس الرسولي على الروح القدس 15: 35)

فلنا أن نُصحح إيماننا ونؤمن بما قاله الرب بنفسه: [ الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني، فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة. الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 24 و25)، وكما يقول القديس إيرينيئوس [ في ملء الزمان صار (الكلمة) إنساناً منظوراً وملموساً لكي يجمع كل شيء في نفسه ويحتوي كل شيء ويُبيد الموت ويُظهر الحياة ويُعيد الوحدة بين الإنسان والله ] (كتاب الكرازة الرسولية 6)

فيا إخوتي نحن نعيش في تلك الساعة التي هي الآن، وكل من يسمع عن احتياج قلبي يدخل في سر التجسد ليتذوق قوة الحياة في المسيح يسوع، لأن نداء صوته واضح وذات سلطان لأن فيه الحياة والحياة نور الناس وكل من آمن ينال تلك القوة ويدخل في خبرة القيامة، لأن من يسمع يحيا [ والسامعون يحيون ]، [ ألم اقل لك أن آمنتِ ترين مجد الله ] وهذا كان كلام الرب لأخت لِعازر الميت والذي له ثلاثة ايام في القبر وقد أنتن، ولكن حينما سمع صوت ابن الله الحي [ لِعازر هلم خارجاً ]، فوراً وفي التو قام من الموت، وها صوت الرب بنفسه وبشخصه لنا اليوم [ تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25)، [وأما البرّ الذي بالإيمان فيقول هكذا: لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليُحدر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية، أي ليُصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول: الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نُكرز بها. لأنك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خَلَصْتَ. لأن القلب يؤمن به للبرّ والفم يعترف به للخلاص. لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى. ] (رومية 10: 6 – 11)

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: