الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / السرّ الحقيقي لكآبتنا وضيقنا المُرّ، وكيف نتخلص منه

السرّ الحقيقي لكآبتنا وضيقنا المُرّ، وكيف نتخلص منه

في هذا العالم المضطرب يعترينا أحياناً كثيرة ضيق، ضيق لا نستطيع أن نفلت منه وأحياناً ننحصر فيه ونقع تحته صرعى في بكاء وأحياناً نصل لليأس حتى يظهر التساؤل الشهير، لماذا خُلقنا ووُجدنا في هذا العالم، أين الله، أين خلاصه، لماذا لا يمد يده ليرحم شعباً فقيراً اتعصر عصراً تحت آلام وضيقات لا تنتهي، بسبب سطوة الأشرار محبي السلطة الذين لا يخجلون أو يخشون من أن تمتد أيديهم ليقتلوا ويسحقوا الكثيرين تحت اقدامهم ليصعدوا للسلطة والتسلط على حياة الناس، ولا يرتدون عن تزوير الحق وخلط الأمور ببعضها البعض، ويستخدمون كل حيلة بدهاء الثعالب المفسدة لكي يصلوا لما يبتغون فيزدادون زيغاناً ويزرعون في الأرض فساداً، وإذ يعدون الناس بالحرية نجد أنهم أنفسهم عبيد لمطامعهم، ويستحيل العبد أن يُخرج حُريه، والطامع أن يُعطي ديموقراطية، ولا الإنسان المسيحي في داخل الكنيسة الطامع في شهوة المناصب طالب كراسي أن يخرج حق أو يشهد للحياة، ويبدأ الصراخ المُرّ: قم يا رب لماذا تنام، لماذا تترك الأعداء ينهشون لحمنا ويسحقون الفقير ويقتلون ويسحقون ويفسدون فساداً، وإلى متى يكون هذا….
وكثيرين يبدأ الشك يزعزع إيمانهم، فيتوهون ويتركون كل ما في قلبهم من إيمان بسيط كان يرفعهم للعلى في يوم من الأيام ناسين كل معاملات الله معهم، طارحين خلفهم كل خبراتهم ناظرين على الأمور بعين اليأس متمنين الموت وترك الحياة برمتها !!!

ولكن في وسط هذا الظلام الدامس، يظهر نور مبهج – أن انتبه الإنسان إليه بقلبه – يسطع بقوة ليُنير الذين يلتمسون وجه الله الحي ليُشرق في قلوبهم بسرّ فائق لا يُشرح، إنما يُرى في داخل النفس، ولا يسمح بوجود ظُلمة أو عتمة للذين يريدون أن يدخلوا في إعلانه : [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)، لذلك من يرى وجه الله يستنير، فيتعرف على مجد الله في وجه يسوع المُشرق فيتطهر ويتقوى ويُشفى من كل ضعف أو خطية [ ولكم أيها المتقون اسمي تُشرق شمس البرّ والشفاء في أجنحتها، فتخرجون وتنشأون كعجول الصيرة (كقوة عظيمة) ] (ملاخي 4: 2)، لذلك يستحيل أن يتزعزع إيمانه، ويرى في كل الأحداث الجاريه من حوله – مهما ما كانت صعبة – يد الله القوية، والتي في النهاية تحوَّل كل شرّ للخير لأجل صالح حياته وتقوية إيمانه وتزكيته، بل ولبنيان الكنيسة كلها وترسيخ إيماناه الحي، فيصير أكثر نور واستنارة وإيمان راسخ مستعد أن يُسلم جسده للموت لأجل محبة الله في شخص ربنا يسوع المسيح الكلمة المتجسد: [ إني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح ] (فيلبي 3: 8)، [ لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح ] (فيلبي 1: 21)….

فيا إخوتي، أن السرّ الحقيقي لكآبتنا وضيقنا المُرّ وشكوانا الدائمة، أننا لا نرى مجد الله، وأن كل كلامنا عن الإيمان والله وكل ما نكتبه عن المسيح ربنا وعن مسيحتنا ونقلنا الموضوعات أو حتى كتابتنا الشخصية، أو افتتاح مواقع وصفحات واستراك في منتديات أو سماع عِظات أو كتابة ابحاث وموضوعات، كلها تندرج تحت النظريات أو الانفعالات النفسية، لأننا لم نحيا منها شيئاً على المستوى العملي، على أرض الواقع في حياتنا اليومية، لأننا لو كان لنا إيمان كحبة خردل لكنا رفعنا كل حجر الضيق الذي يعترينا، لأن من له إيمان حي ولو كان أصغر من حبة خردل فأنه يستطيع أن ينقل بها تلال بل وجبال شاهقة ضخمة من الهم والغم والحيرة والاضطراب التي تُسيطر عليه ويقع تحتها يائساً بائساً…

يا إخوتي لننتبه لسرّ خلاصنا ونقرب من الله ملتمسين وجهه [ أطلبوا الرب وعزه التمسوا وجهه دائماً ] (1أخبار 16: 11)، [ أطلبوا الرب وقدرته، التمسوا وجهه دائماً ] (مزمور 105: 4)، طالبين منه أن يقوي إيماننا ويزيده ويدخلنا في سرّ خلاصه العظيم، لا كنظرية بل كحياة نحياها، لأنه على ما يبدو أننا قد نسينا عمل الله، ولم نتكل على نعمته المُخلِّصة، لذلك تهنا وضللنا وانحصرنا في ضيقاتنا ودخلنا في الشك، لأننا فقدنا الرؤيا ولم نعد نحيا في عيد التقوى الدائم، لأن الرسول يقول: [ قد تناهى الليل وتقارب النهار، لنسلك بلياقة كما في النهار ] (رومية 13: 12و 13)، وبذلك ينبغي علينا أن ننقاد بنور مصابيح المُخلِّص التي لا تُطفأ، فنحن نحمل المصباح الذي فيه زيت النعمة، أي زيت الروح القدس الناري، ليشتعل فتيل حياتنا، فنصير نوراً يعكس نور بهاء مجد الله المشرق في قلوبنا، مُعلنين أن النور أشرق في الظلمة والظلمة لم تقوى عليه بل هربت من أمامه، لأن المُخلِّص ظهر بنور قيامته إذ حدث زلزال عظيم ونزل ملاك الله ودحرج الحجر الكبير والثقيل جداً، والجنود سقطوا كأموات أمام هذا المشهد المذهل، بل ومعظمهم هربوا ولم يقدروا أن يثبتوا أمام هذا النور العظيم، لأن يستحيل ظلمة تمكث أمام النور، بل تهرب فوراً لأنه يُبددها، فهل راينا يوماً حينما نشعل النور توجد حوله ظُلمه !!! فأن كان فينا النور كيف نخاف من الظلمة أو نُقيم لا اعتبار !!! إلا أن كان النور فينا منطفأ !!!

فيا إخوتي أنظروا وتعمقوا وتذكروا، أنه لأجل أن الله رأى الطبيعة البشرية قد أُصيبت بمرض عُضال عديم الشفاء، يعتريه حزن قاتل مُدمرّ، قد طحن الإنسان طحناً وجعله فريسة لليأس، فقد أرسل كلمته الذي يستطيع وحده أن يُحطم مملكة الشيطان، مبدداً كل قواته المظلمة بنور مجد لاهوته الغير مفحوص، ليُحررنا من الشرور التي أمسكتنا في قبضتها. فقد أخذ شبهنا وصار إنساناً مثلنا، وولد من العذراء القديسة مريم، ولم يفقد ما كان لهُ، ولكن أضاف إليه ما لم يكن لهُ، وتمم خلاصنا، وكما يقول القديس بولس الرسول [ هو أمساً واليوم وإلى الأبد ] (عبرانيين 13: 8)، فلم يخضع لأي تغيير أو تبديل في ألوهيته بصيرورته إنساناً، بل ظل كما كان وسيظل دائماً بلا أي تغيير أو شبه دوران، وبمجيئه إلى العالم جعل الشيطان موضع هُزء وسخرية عند الذين آمنوا به، فقد حطم الرب المسيح الخطية التي سيطرت علينا، لقد صار لنا بنفسه رفيقاً وشريكاً للوطن السماوي، لأنه دخل إلى الأقداس العُليا ببر نفسه ودمه على يديه، فوجد لنا فداءً أبدياً، لقد وَحَّدَ بنفسه وفي نفسه الأرضيين مع السمائيين، وأظهر أن طبيعة الإنسان تُشارك حياة الأرواح التي توجد فعلاً هُناك (أي الملائكة في السماء)، تلك الطبيعة البشرية التي انفصلت عن الله طويلاً بالخطية وكانت باستمرار مثل عبد تحت سلطان، والسلطان كان الموت، لكن الآن ارتبطت به بالإيمان والتقوى، فصار لها الحياة والمجد…

وعندما تَحَمَّل المُخلِّص الموت عنا ولأجلنا كلنا ونزل إلى الجحيم، سلب ممالك الشيطان قائلاً: [ حتى سبي الجبار يسلب، وغنيمة العاتي تفلت، وأنا أُخاصم مخاصمك وأُخلِّص أولادك.] ( أشعياء 49: 25)، مُقيماً هيكله الخاص (أي جسده) في اليوم الثالث [ كباكورة الراقدين ] (1كورنثوس 15: 20)، مُحرراً طبيعتنا من قيود الموت وسلطانه، ومُعلماً إيانا أن نقول بانتصار حقيقي تذوقناه ودخلنا فيه بالإيمان الحي: أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا هاوية، تختفي الندامة عن عيني (أنظر هوشع 13: 14؛ 1كورنثوس 15: 55)…

لذلك يا إخوتي آن لنا اليوم ان نعي إيماننا وننظر لما صنعه الرب، لأنه [ لا شيء من الدينونة الأن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني (فكني – حررني) من ناموس الخطية والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان ضعيفا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد. لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. ] (رومية 8)

فيا أخوتي عيشوا اليوم ككل يوم، لأنه يُحسب كيوم ثامن أي يوم القيامة الجديد الذي لن تغرب شمسه، لأن كل يوم محسوب لنا كما هو مكتوب: [ هذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه ] (مزمور 118: 24)، فالمسيح قام بالحقيقة قام…

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: