الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / الفرق ما بين الحكم والدينونة – لا تدينوا لكي لا تدانوا
57059345

الفرق ما بين الحكم والدينونة – لا تدينوا لكي لا تدانوا

يبدو أن الخلط بين الحكم على أعمال الآخر والدينونة في فكر الإنسان عموماً بحاجة إلى توضيح الالتباس الحادث في ذهن الجميع أو الغالبية العظمى من الناس. وسنحاول أن نضع مفاهيم لكل من الدينونة والحكم ونقد الأفعال والأعمال التي تهدم، والموضوع مقدم ببساطة دون الدخول في تفاصيل ومعانٍ كثيرة …

أولاً شرح معنى الدينونة ببساطة شديدة: فالدينونة هي الحكم الفاصل على الضمير من الداخل، بحيث يتم الفصل ضميرياً في الإنسان وتحديد حكم الله فيه، مما يُسفر على التدخل في ما هو أعلى من إمكانيات الإنسان واتخاذ موضع الدينونة مكان الله الحي [ لأن الآب لا يُدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن ] (يوحنا 5: 22)، [ وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة ] (يوحنا 3: 19)

ومن طبيعة الدينونة هو التدخل في خصوصيات الآخرين وحياتهم الداخلية الشخصية، أي الحكم على الضمير من الداخل، حكم جامد وسليط، والتدخل في سلوك الإنسان الشخصي والذي لا تنعكس إيجاباً ولا سلباً على آخرين بل على شخصيته وحده وحريته الخاصة !!! والدينونة أيضاً هو التدخل في سلوك الآخرين مع التعنيف على الخطية ووضع الآخر في مكانة المرأة التي أمسكت في ذات الفعل وتم إدانتها من الآخرين حتى الرجم والرفض والطرد في عدم قبول !!! [ ولكنني أثق بكم في الرب أنكم لا تفتكرون شيئاً آخر ولكن الذي يزعجكم سيحمل الدينونة أياً من كان ] (غلاطية 5: 10)

والدينونة بهذا الشكل هي انتهاك لحرية الشخص الآخر الذي ننتقضه وننقض تصرفاته الشخصية، كانتقاد الملابس وتصرفاته الشخصية أو حتى خطاياه الخاصة، أو طريقة العبادة من جهة قانونه الخاص من سجود أو أي شكل من الأشكال الشخصية التي تخصه وحده في مخدعه، بينه وبين الله ولا تخص سواه، بل تخص حريته وتصرفاته الخاصة واختياراته …

وأيضاً الدينونه الحكم على الآخر أنه يصلح للحياة مع الله أو مرفوض، وتوبته مقبولة أم مرفوضة أو يستحق مراحم الله أم لا يستحقها، وأن له مكان في الملكوت أم ليس له !!!! بل وقد يتمادى البعض في أن يحكم بأنه غير صالح لشركة الكنيسة ولابد من قطعه ويُقطع بعدم دخوله ملكوت الله !!!

والذي يرتكب الدينونة إما أن يكون من هواة التقليل من شأن الآخرين لشعور داخلي بالنقص، أو يحب أن يسقط على الآخرين شعوره الخاص والدفين بخطاياه ، أو يحب يجلس في مجلس القضاء منتفخاً متعالياً وقواماً على الكل، أو أن يكون من ذوي الفكر الشمولي، الذين يريدون أن يصبوا الناس في قالب واحد خانق، أو محباً لذاته جداً ويريد أن يتدخل في حياة الآخر الشخصية حتى يكون له الفضل الخاص في حياته ويُمَجد في نظر الآخر، أو يصير عنده في مرتبه عُليا حتى يشبع من المديح الكاذب والفضل الغاش …

بهذا تكون الدينونة خطيئة عُظمى جداً، وأيضاً جريمة في حق الآخر وحقوق الإنسان عامة والتدخل في الحكم الإلهي نفسه بجسارة وبكل تعالي، وكأن الله أعطاه الصلاحية الشاملة ليكون قواماً على حياة الناس وتصرفاتهم الشخصية جداً، وهذا خطير لأنه كفيل أن يعثر البعض، ويحزن الآخرين بحزن مفرط ويجعلهم يفشلون في الطريق الروحي … وبذلك يكون هو نفسه واقع تحت ذات الدينونة نفسها ونفس ذات الحكم الذي حكمة على الآخرين: [ لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ] (متى 7: 2)

الحكم على أعمال الآخرين ونقدها: هو عُبارة عن رصد الخطأ في تصرفات الآخرين في المجالات التي لا تخصهم وحدهم بل يمتد آثارها للآخرين وتؤثر فيهم بالسالب، وأيضاً تمتد لتؤثر على المجتمع ككل، ويدخل ضمن هذه الدائرة ما قد يصدر عن أي فرد من تصرفات شخصية تنعكس آثارها سلباً على آخرين، كما تتضمن أداء أي شخصية عامة أو خاصة لمهام وظيفتها المؤثرة على المجتمع وتنعكس عليه بالفساد وهدم كيانه !!!

وأيضاً كما فعل الرب يسوع نفسه مع الفريسيين الذين يحملون الناس أحمالاً ثقيلة ولا يريدون أن يحركوها بإحدى أصابعهم !!! أو كما فعل في ضرب وطرد باعة الحمام والصيارفة التي في الهيكل قائلاً : بيت أبي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ( وللأسف هو نفس المشهد نراه اليوم في الكنائس والموالد ) !!!
وأيضاً حينما يكون هناك خادم أو أمين خدمة أو أي رتبة كنسية ما، لا تقوم بواجبه (كما وضعت عليه المسئولية من الله ) كما ينبغي، وتصرفاته تُخالف التعليم أو تُسبب العثرة لأحد، أو يفعل خطأ واضح وظاهر، فينبغي رفض هذا التصرف بوضوح بدون تبرير المواقف، لكي تكون التوبة واضحة في الكنيسة والكل يتعلم أن لا يُبرر الخطأ قط، لأن هذا ليس أسلوب الكتاب المقدس الذي كشف عن أخطاء الأنبياء ولم يخفيها بحجة العثرة، لأن الخطية خاطئة جداً امام الله، والتوبة مقدمة للجميع، ولا يوجد إنسان على وجه الأرض معصوم من الخطأ أبداً، فالعيب ليس في إنسان بكونه أخطأ، بل العيب أنه لا يعترف بخطأة ويتوب، بل يتمادى فيه ويستمر في المراوغة وتبرير نفسه، وهذا كفيل أن يضعف الكنيسة كلها، ويأثر سلباً على شبابها وشبانها، لأنهم سيتعلمون أن يبرروا الخطأ، ويحيوا في الكذب ويظنوا أنهم روحانيين مع أن قبهم غير تائب، هذا الذي رفضه الله تماماً حتى لأعظم الأنبياء ولم يبرر فعلتهم بل طالبهم بالتوبة عن هذا الخطأ، وللأسف أصبح البعض يعتبر أن هذا أمر عادي، ثم الموضوع لا يتوقف عند هذا الحد بل قد يصل إلى التبلد، ويتحول الحق باطل والباطل حق، والتمسك بآية لا تقل سوء في رئيس شعبك، ولا تدينوا لكي لا تُدانوا، مع أنه مُخطأ وأوقع وراءه الكثيرين وعلمهم كيف لا يتوبون وكيف لا يعترفون بل يبرروا الخطأ بخطأ أعظم، ومكتوب:

[ حنكي يلهج بالصدق ومكرهة شفتي الكذب ] (أمثال 8: 7)

[ موازين غش مكرهة الرب والوزن الصحيح رضاه ] (أمثال 11: 1)

[ معيار فمعيار مكيال فمكيال، كلاهما مكرهة عند الرب ] (أمثال 20: 10)

[ مبرئ المذنب ومذنب البريء كلاهما مكرهة الرب ] (أمثال 17: 15)

[ ذبيحة الشرير مكرهة، فكم بالحري حين يقدمها بغش ] (أمثال 21: 27)

[ لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة، البخور هو مكرهة لي، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لست أطيق الإثم والاعتكاف ] (أشعياء 1: 13)

أمثلة للحكم على أعمال الآخرين حسب وضعهم ومكانتهم:
الأمثلة واضحة في
موقف الرب يسوع المسيح نفسه من الفريسيين ونهجهم في التعليم، وفي موقفهم من وصايا الناموس وتحميل الناس أحمال عثرة وتركوا وصية الله لينفذوا ما علموهم من تعاليم ضد كلمة الله بكل خبث، وأيضاً تتضح من موقف الرب يسوع المسيح من الباعة والصيارفة في الهيكل كما قلنا سابقاً، وأيضاً تتضح في المجامع الكنسية والأحكام فيها، وانتقاد القديس بولس الرسول للقديس بطرس الرسول حينما وجده ملوماً، ولكن كل هذه الانتقادات التي فيها توبيخ وملامة لم تكن بنية حرمان أحد أو مجرد عزله أو إهانته، ولكنها تحمل روح المحبة والغرض منها التقويم والتدبير لحفظ الكنيسة من الزلل والوقع في خطأ يفسد مسيرتها تحت أي مبدأ، ويسبب الضرر في الرعيةلإفسادهم عن البساطة التي في المسيح [ أنظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح ] (كولوسي 2: 8) …

أمثلة للدينونة:
***
إدانة التصرفات الخاصة مثل الملبس والمأكل وكفرض الرأي على الآخرين أو ما شابه ذلك، وليس للنصيحة بالمحبة أو التوجيه دون الفرض أو التعنيف…
***
إدانة من لا يلتزم بأداء الطقوس الدينية كالصوم والصلاة والذهاب للكنيسة، ليس كعامل من المحبة الصادقة من قلب أخ لأخيه، أو من قلب أب لابنه في المسيح، بل كفرض على الآخر والحكم عليه انه مدان أو تقع عليه دينونة من أجل تلك الأمور، ويفرض عليه الرأي، أو يأخذ على شكل ساخر جداً في أنه لا يحيا حياة تليق الخ …
*** موقف الفريسي الذي وقف لصلي، فزكى نفسه، وأدان التصرفات شخصية العشار الذي لجأ لمراحم الله وأتكل على غفرانه.

*** التدخل المفرط في حياة الآخر وتكبيله بنير عبودية حتى يتبعنا ويتفق معانا في الرأي والعقيدة والفكر، ويصير تابع وخانع ويسمع وينفذ كل ما نأمر به حتى ولو كان في الحياة السياسية والحياة العامة والخاصة، فنطمس معالم شخصيته، ونُقيده بالأغلال ولا يكون له أي حرية للتعبير عن رأيه أو فكره، أو إعطاء له فرصة يدافع عن نفسه أن وجد مخطئاً، أو ينال فرصة للتوبة، بل وحينما نجده خالفنا في الرأي الشخصي ولو كان حتى رأي عام، نذله ونطلب منه أن يتوب ويعتذر وكأنه أخطا في حق إله لا إنسان…

عموماً بدون تطويل وباختصار شديد:
بدون الحكم على الأمور بإفراز، بوعي واضح وعقل مستنير، وبمحبة عميقة، وتمييز للأمور المتخالفة والتي ليست حسب القانون أو الفكر السليم البنَّاء، تُفسد المجتمعات عموماً، وتتهاوى المؤسسات والهيئات المكلفة بخدمة الناس، ومن يقفون ضد النقد البناء هم حجر عثرة في طريق الحضارة، بل في طريق الحياة ككل، وأيضاً من ينقضون من أجل النقض، أو النقض الذي ليس له معنى أو النقض من أجل الظهور وحب المجد الباطل هم مغرورون يقعون تحت الدينونة أمام الله، وكما يحكمون على الآخرين يقع نفس ذات الحكم عليهم بلا تفريق بل بما هو أشد مما نطقوا به في حق الآخرين …

ولم ولن يوجد إنسان فوق النقض أو الفحص، مهما على شأنه أو ضعف، فلا يليق أن نقول لمن ينقد قانون أو شخص يضع حملاً على الآخرين أو يسلك سلوك خاطئ مُعثر للغير، أو يضع حكماً على آخر ليس حسب الحق، أن هذا لا يليق أو: لا تدينوا لكي لا تدانوا، لئلا تكون الكنيسة التي حكمت على الآخرين مثل أريوس وغيرهما تكون أدانت ما ليس لها حق فيه، ولنا أن ننظر أيضا أن القديس بولس الرسول لام القديس بطرس الرسول المحسوب أنه هامة الرسل، وقال أنه وجده ملوماً !!!

فعلينا يا إخوتي أن نُميز الأمور المتخالفة، لأننا نُميز ما بين فعل الحق والباطل، والباطل لا نتبعه بل نرفضه، والحق نقبله ونتبعه ونحيا به ونؤكده في المحبة، ونحن لا نسرع للمنشار الكبير الأسنان لنقطع الآخرين، فنحن نُدين الخطية ونرفض الظلمة وكل ما هو ضد الحق في التعليم أو التصرفات الفجة التي تُسلم تعليم متناقض، فنحن نرفض الخطية لا من أخطأ، ونرفض الهرطقة وليس من هرطق، نُعلِّم ونُسلِّم التعليم الحي، ونقول أن هذا خطأ وباطل وظلمة، وتصرف لا يصدر من الروح القدس، وهذا حق ونور وهذا ظلمة وليس من الله، لأن هذا هو عمل روح الإفراز والتمييز فينا، والخلط في الأمور خطير، وتلبيس الآيات في بعضها أخطر، لأننا نبرر الموضوعات حسب المواقف وهوانا الخاص، وذلك لكي نبرر موقف من نميل نحوهم عاطفياً، ناسين أو متناسين ما هو مكتوب: [ افأستعطف الآن الناس أم الله، أم أطلب أن أُرضي الناس، فلو كنت بعد أُرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح ] (غلاطية 1: 10)

وليس لي إلا أن أختم بهذه الفقرات من العهد الجيد، والقلب الحكيم الفهيم هو من يفهم ويستوعب أسرار الروح ويسعي أن ينال روح الإفراز والتمييز الذي بدونهما ضل الكثيرين عن الإيمان تابعين أرواحاً مضلة وتعاليم شياطين، تحمل قوة الذات وكبرياء الحية القديمة العديم الشفاء:
[ ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحيا، وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد ] (1كورنثوس 2: 14 – 15)

[ ولكن أن كان الجميع يتنبأون (والنبوة هنا تحمل روح التعليم – فهو يقصد التعليم) فدخل أحد غير مؤمن أو عامي فأنه يُوبخ من الجميع، يُحكم عليه من الجميع ] (1كورنثوس 14: 24)

[ قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور ] (رومية 13: 12)

[ ولا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري وبخوها ] (أفسس 5: 11)،

[ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليُدين العالم بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يُدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء الى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة.
لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة ] ( يوحنا 3: 16 – 21)

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: