الرئيسية / مقالات / الكنيسة وروح الاستشهاد – كيف يكون لنا علاقة شركة في واقع حياتنا المُعاش مع القديسين شهداء المسيح

الكنيسة وروح الاستشهاد – كيف يكون لنا علاقة شركة في واقع حياتنا المُعاش مع القديسين شهداء المسيح

[ القريب من السيف قريب من الله. أن تكون وسط الوحوش يعني أنك مع الله ]
[ همي الوحيد هو أن أصل إلى الله عن طريق الاستشهاد وأن أُحصي بين التلاميذ ]
[ أتركوني فريسة للوحوش لأنها توصلني سريعاً إلى الله ]
[ إني أطوق إلى الوحوش التي تنتظرني … لقد قربُت الساعة التي سأُولد فيها … إني أكتب لكم بتمام وعي الحياة مختاراً الموت ]
القديس إغناطيوس الإنطاكي والشهيد – من الآباء الرسوليون – القرن الثاني

قمة الإيمان المسيحي هو في بذل الذات وتقديم الحياة كلها للمسيح الرب، وتسليمها للموت بإرادة حره، وقبول التعيير من أجل الاسم الحسن هي قمة المحبة الحقيقية، والتي فيها روح طاعة قبول الصليب وحمله حسب وصية الله التي لا تُكتب في ورق وتوضع في فكر، إنما تُحفر في القلب بإزميل الله الخاص والمقدس للنفس، أي الروح القدس، ليُتشكل الإنسان بشكل المسيح الرب، فتتطبع شخصية الإنسان بشخصية سماوية إلهية، وهذا ما يُسمى الطبع الإلهي الجديد، وهذا هو طبع المؤمن الحقيقي المولود من فوق بالماء والروح، هذا الذي يؤمن بالله إيمان حي، إيمان يعطيه رؤية للأمجاد السماوية، حتى أن الإنسان يستهين بالموت ويهزأ به أمام الحياة الأبدية في حضن الله القدوس الذي أعطانا قوة حياة الشركة معه لا كلاماً إنما فعلاً على مستوى اللمس والرؤيا الداخلية، فينبع فرح قوي يسود على أي حزن وضيق أمام مشقات العالم وضيقاته مهما كانت عظيمة أو ضاغطة على نفسية الإنسان …

فالاستشهاد عند الآباء الأولون، والذين هم خبراء في هذا الأمر العظيم، هو شركة المسيح الرب في الآلام، والروح القدس هو المتكلم والمُعطي قوة لتجاوز حدة هذه الآلام، فقد علَّم الآباء بأن كل من لا يستعد ليموت لآلام المسيح الرب الذي مات لأجلنا بالحب، فإن حياة الله ليست فيه، وكل من هو مُهيأ للاستشهاد هو شريك كأس المسيح السري، بل كل من يستعد للموت عموماً مشتهياً أن يكون مع المسيح في محفل القديسين الذين أحبوا الرب بقلوبهم، فهو الذي يسكن في داخله ملكوت الله، لأن ملكوت الله داخل كل شخص تائب ويحب الرب ويحيا معه بالإيمان الحي العامل بالمحبة، وعلامته الحقيقية عدم الخوف من الموت لأن نصرة الله حاضره في قلبه، لذلك نجد الإيمان الحقيقي علامته في المسيحي ظاهره في صبرة على احتمال المشقات مهما ما كان نوعها بل وتصل لحد الموت نفسه، ولا يوجد عنده حزن بكآبة القلب على أي شيء حتى على المنتقلين، وعلى الأخص الشهداء الذين ماتوا على اسم الرب، لأنهم عبروا لأمجاد تفوق كل قدرات الإنسان من معرفة وفهم…
لذلك لا يستطيع احد أن يكون له شركه مع القديسين ولا الشهداء إلا لو كان له إيمان حي بالمسيح الرب وله نفس ذات البذرة التي تنمو في داخله، وهي بذرة ملكوت الله التي تم زرعها فينا كخليقة جديدة، قد اعتمدنا لموت المسيح وقمنا بقيامته في سر معموديتنا التي ينبغي أن نعيشها بسر الألم في مجد قيامة يسوع من بين الأموات …

يا إخوتي لا تصدقوا أنفسكم حينما تظننوا أن لكم شركة مع القديسين بسبب أنكم تطلبوا معونتهم لأجل معجزة حسب الجسد واحتياجه، طبعاً هذا شرعي ولا يوجد فيه خطأ في ذاته، ولكنه لا يعطي روح الشركة وقوتها مع القديسين، بل الشركة معهم في المسيح الرب، في نفس شركة إيمان الطريق الواحد الذي نسير فيه، فلا تنخدعوا وراء مزاعم الشكل والصورة التي لنا وهي الركض وراء طلب القديسين لأجل معجزة، وكأن ما يربطنا بهم احتياج مادي فقط، لأن لو عرفنا الكنيسة كما قصدها الله لكنا شركاء القديسين على مستوى العمل والفعل…

ولنا أن نعلم أن الاستشهاد ليس هو فلسفة روحية فكرية نُنادي بها، بل ونحتفل فيها بذكرى شهداء ماتوا على اسم الرب، ونطلق شعارات وكلمات جميلة في هذه المناسبة السعيدة، ولا الاستشهاد يخص مجموعة من المسيحيين البسطاء كفكرة طارئة أو ساذجة، ولا هو يخص الضعفاء الذين يستسلمون لحظهم العاثر الذي فُرض عليهم، أو هو لمن لا حلو له ولا قوة، هذا لا يُسمى استشهاداً على الإطلاق!!!

بل الاستشهاد هو علامة مجد، وسمة القديسين، القديسين المتأصلين في الرب كغصن حي يأتي بثمر الروح والذي أصل جذره المحبة، وهو حياة الكرازة منذ إنشاء الكنيسة بدم عهد حمل وديع قائم كأنه مذبوح عن يمين العظمة في الأعالي، هذه الكرازة التي تعطرت بسير مكرسة ومخصصة لله بجمال صلواتهم الواثقة في وعود الله، وازدادت بهاء بأعمال شهادتهم الحية لله وبأقوالهم وصلواتهم وتهليلهم وترانيمهم وسلوكهم وكتاباتهم، وبعطر آلامهم وشهادة دمائهم الحية أمام عرش الرحمة، وباختصار بتاريخهم الاستشهادي من أجل كلمة الله، حتى أن الكنيسة تحتفل بهم في عيد النيروز فرح الشهادة المجيد واستعلان مجد ملكوت الله …

يا إخوتي، أن مُعلمي الكنيسة على مر التاريخ المسيحي، علَّموا أن المسيحي الحقيقي لا يضطرب من شيء قط ولا يخشى الموت أو يخافه، ولا ينتحب على شهداء المسيح ويلبس السواد وينوح ويصرخ صراخ الذين لا رجاء لهم، بل يفرح ويعتبر هذا اليوم عيد، حتى أن الآباء في يوم استشهادهم اعتبروه ميلادهم الجديد، فهم مولودين بمخاض الآلام والموت من عالم الضعف وبقايا الموت، لعالم الحياة الجديدة في شركة أعظم مع الله حبيبهم الخاص، ومع شركاءهم في المجد، لذلك نجد أن الكنيسة لم تُعيد بعيد ميلادهم الجسدي في هذا العالم، بل تُعيد باستشهادهم، وتُقيم القداسات ويلبس الكاهن لبس العيد المزين، لأن الكنيسة تعتبر أن يوم الشهادة هو زينتها الخاصة، لأن مجدها في آلام مجد المسيح الرب الظاهر في أعضاؤها …

فالاستشهاد عند الآباء، هو كمال الحب الإلهي وكمال عمل المحبة، فكان هو شهوتهم، لا يسعون إليها (مع أن البعض سعى إليها وهذا لا يتفق مع روح الآباء ولكن اعتبروهم شهداء المحبة)، إنما يقبلونها بفرح، ويتمنوها من كل قلوبهم، بل حينما تأتيهم يرفضوا الهرب منها، بل يتغنوا بها ويكتبوا للكنائس أن لا يحرموهم منها ويبتهجون من أجلهم جداً بل يحتفلوا بيومهم هذا لأن هذا هو احتفال الكنيسة الحقيقي الذي يبهجها جداً بل ويصير عيدها العظيم، وقد كتب القديس إغناطيوس الإنطاكي والشهيد عند قرب استشهاده قائلاً: [ لقد ابتدأت أن أكون تلميذاً للمسيح ] وهذا ما أكده القديس كليمندس الإسكندري في أواخر القرن الثاني ليوضح أنه قد صار عقيدة راسخة في الكنيسة، فلم يعد للكنيسة شرف أعظم من تقديم الشهداء للسماء، إذ ليس ما يُعادل عندهم اسم “شهيد” …

ونلاحظ أن في كل سنوات الاضطهاد التي مرت بها الكنيسة وعلى الأخص منذ بداية عصر نيرون عام 64 حتى مرسوم ميلان للتسامح والسلام عام 313م، لم تتزحزح الكنيسة عن وصية المحبة، لأنها سلمت روح المحبة للجميع، وأوصت بوصية الرب بمحبة الأعداء وحثت كل أولادها على البعد عن الإثارة والكراهية والتذمر وبغضة الآخر ورفضه أو إهانته أو إهانة حتى عقيدته أو تسخيفه بأي شكل أو صورة، وركزت على روح الصلاة الدائمة والتهذيب بالأصوام حتى تنكسر الذات ويحيا كل مسيحي حقيقي بروح الاتضاع والمحبة الدائمة، وأعطت تعليماً موضوعياً فيه احتراس من المديح الذي يؤدي كثيراً إلى الكبرياء الداخلي، وأيقظت وعي كل أولادها على ضرورة الصليب وحمل سمات الرب يسوع المسيح أي آلامه المقدسة، لكي يكون كل واحد إنسان الله الكامل في جسد حي يحمل سمات الرب أي آلامه …

كنت أحب أن يكون لي الوقت والقدرة حتى أكتب لكم كل كتابات الآباء مُعلمي الكنيسة القديسين عن الشهادة والشهداء، وهذه بعض أسماء الكتب الآبائية وكاتبيها في هذا الموضوع فرح الكنيسة كلها ومجدها الخاص :
• كتاب : [ الحث على الاستشهاد ] للعلامة أوريجانوس الإسكندري
• كتاب : [ إلى الشهداء ]، كتاب: [ عن الهروب في زمن الاضطهاد ] للعلامة ترتليان الأفريقي
• كتاب: [ الحث على الاستشهاد ] للقديس كبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد
• طبعاً ويوجد عشرات الكتب والمؤلفات والرسائل للقديسين وآباء الكنيسة المُعلمين والذي كان معظمهم شهداء فعلاً، يتكلمون فيها عن الشهادة والشهداء …
طبعاً من الصعوبة التامة أن آتي بكل هذه المؤلفات والتي تحتاج سنين وأيام لكتابتها، وقريباً سأضع بعض منها، ولكني سأضع كتاب رائع للقديس كبريانوس عن [ لماذا ترهبون الألم والموت ]

أحباء الله المدعوين للقداسة في المسيح الرب، لتكونوا شركاء القديسين شهداء الرب في مجد كنيسته الواحد، كونوا مُعافين راسخين في الإيمان الرسولي والذي سُلم إلينا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور، في اسم الله الآب وربنا يسوع رجاءنا المشترك في روح المحبة الذي يأخذ من المسيح الرب ويعطينا آمين.

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: