الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / المواجهة مع الوصية وصعوبة تنفيذها
1167987_10151850344541369_10420437_n

المواجهة مع الوصية وصعوبة تنفيذها

في المواجهة مع الوصية دائماً ما نقف ما بين إنسانيتنا الضعيفة وما بين قوة الله، لأننا نجد أن ربنا يسوع المسيح في العهد الجديد، حينما وضع وصيته أمام أعيننا صيرها صعبة للغاية، جعلها مثل حجر صدمة أمام إنسانيتنا الساقطة الضعيفة، حتى حينما نواجها ونحاول أن نطبقها تظهر أنها تفوق قامتنا فنقول: [ كيف أعيش هكذا وأنا إنسان تحت ضعف، أنا لست ملاك، والله يعرف ضعفي، وسأحاول أعيشها على قدر إمكانياتي ]

لكن هيهات لأن الوصية صعبة ثقيلة تفوق كل قدراتي، وهذه حقيقة فعلاً، لا يستطيع أحد أن يُنكرها، بل ولو غصب الإنسان نفسه لكي يحيا بها بكل قدراته الإنسانية، فهو يا إما يتحطم نفسياً، أو يدخل في حالة من الرياء، لأنه يحيا بها شكلاً بوداعة مصطنعة ومحبة متكلفة، وفي النهاية يخدع نفسه حتى أنه يظن أنه أصبح قديساً يحيا الوصية ويُمارس الشعائر الدينية ويقوم بكل واجبة الروحي كما ينبغي، ولكن تمر الأيام وتفوت السنين وعند أول محك يظهر فيه ضيق لأجل الكلمة والحياة مع الله، في داخله يظهر غليان فائق كالطوفان وتسقط القشرة الخارجية، ويصرعه الواقع العملي المُعاش لأنه يجد نفسه يواجه تقلبات المجتمع، فتسقط عنه شكل الوصية المُحتمي فيها، وتظهر حقيقة الداخل أن الوصية لم تكن تسكن قلبه وفكره كما ادَّعى، ويظهر حقيقة الشكل الذي كان مختفي فيه، أي ظهرت عورة قلبه الخفي وأصبح عُريان من النعمة التي ظن أنها تملأ قلبه !!!

يا إخوتي في الحقيقة المسيحية الوصية لا تُعاش بالإنسانية الساقطة، هذا يستحيل على الإنسان الطبيعي الذي اختبر السقوط، لذلك الرب حينما أتى لم يأتي بمجرد وصايا لنحياها من الخارج، ودليل كلامي ظاهر في الرسل أنفسهم قبل أن يسكن فيهم الروح القدس يوم الخمسين، لأن القديس بطرس في جثسيماني استل سيفاً وقطع أذن عبد رئيس الكهنة، وكل الرسل بعد ذلك هربوا ولم يستطيعوا أن يواجهوا الصليب مع المسيح، وذهب كلام القديس بطرس هباء الذي قاله [ يا رب مستعد أن أموت عنك ]، وكل هذا بسبب إنسانيتهم الضعيفة الساقطة التي لم تدخل بعد في قوة قيامة يسوع، أي لم يحصلوا على الخليقة الجديدة التي في المسيح يسوع بكل قوتها لكي يعملوا كل شيء بربنا يسوع…

عموماً نجد أن حينما تكلم الرب عن مثل الزارع، وقال أن بعضه سقط على الصخر، وشرح القصد من المثل قائلاً: [ والذين على الصخر هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح، وهؤلاء ليس لهم أصل فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون ] (لوقا 8: 13)، وبذلك أظهر أن المشكلة في القلب نفسه، هل هو قلب جديد جيد يتقبل كلمة الله فتزرع فيه وتنمو وتأتي بثمرها، أم أن القلب لازال قلب قديم تستحيل أن تُغرس فيه كلمة الحياة فتنمو وتُثمر، لذلك أن لم تتأصل كلمة الله في النفس التي نالت الإنسان الجديد الفوقاني وتدخل الوصية القلب وتضرب جذورها فيه وتنمو مثل البذرة، فأنه لا محالة من الحياة الحقيقية مع الله، وأن تكون الوصية محببة للنفس وتأتي بثمرها الحلو، لأنها مغروسة فيها بقوة النعمة المُخلِّصة، والروح القدس هو الذي يعطيها قوة ماء الحياة، لذلك يقول يعقوب الرسول: [ لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة ان تخلص نفوسكم ] (يعقوب 1: 21).

لذلك يا إخوتي علينا أن لا نندهش أن كثيرين يقفوا أمام وصية [ أحبوا أعدائكم ]، أو [ أن جاع عدوك اطعمه وأن عطش فاسقه ]، ويتخذوا أمامها موقف مخالف ومُعاند بقوة، ولا يستطيعوا أن يقروها كما هي، لأنها تجرح كرامتهم وتهين إنسانيتهم، ويقولون أن هذا يستحيل أن يكون قصد الرب، وتبدأ الشروحات والتفسيرات التي تنتقد هذه الآية وتحاول أن تعطيها بُعداً آخر على خلاف معناها، لكي يتملص منها كل واحد، ولكنها ستظل تواجه كل قلب وتكشف عن أصل جوهره، هل هو يحيا بالإنسان العتيق الذي يُعاكس وصية الله ولا يحتملها، أم يحيا بالإنسان الجديد الذي يتجدد كل يوم حسب صورة خالقه، لذلك النفس دائماً موضوعه بين اثنين، وهما الجسد، أي الإنسان العتيق بكل قدراته، وبين الروح أي الحياة بحسب الإنسان الجديد في المسيح يسوع، أي المولود من الله، لذلك حسب ما تنحاز النفس وتخضع له تكتب سيرتها، فيا إما في السماء بالروح، يا إما بالجسد على الأرض: [ لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون ] (غلاطية 5: 17)، فا [ المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ] (يوحنا 3: 6)، [ لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً، ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية ] (غلاطية 6: 8)

فبأي روح نعيش ولمن نعيش، وبأي قانون نحيا !!!
هل بقانون الإنسان الجديد والحياة في المسيح، أم بقانون الجسد وحسب إنسانيتنا الساقطة التي تعيش تحت ضعف وغير قادرة على الحياة بالروح، وحذاري أن أحد منا يعيش باختلاط بين حياتين، لأنه مكتوب: [ ليس أحد يضع رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق وإلا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد ] (لوقا 5: 36)
ومن هنا يظهر سرّ عدم قدرتنا لقبول الوصية أو حمل الصليب، وأيضاً يظهر لماذا تتمزق الحياة حينما نحاول أن نضع ما للجديد على العتيق، والخلط الذي يتم ما بين ترقيع إنسانيتنا الساقطة بما هو جديد، أو مثل إنسان بسيط له قسط من التعليم، يترك مكانه ويذهب لبلد العلماء والمفكرين العِظام، ويدخل المدينة بتباهي عظيم، لكن عند الجلوس وسطهم يُفتضح أمره ويسقط افتخاره، لأنه لا يفقه ما يقولونه، لأنهم يفوقونه علماً وفي هذه الحالة لا ينفعه افتخاره ولا حكمته التي يراها في نفسه، هكذا كل واحد فينا، لا يقدر أن يرتفع للعلو الحلو الذي للقديسين أن لم يكن مولوداً من فوق، حاصلاً على قوة الله من الأعالي، ودليل هذا هو حفظ الوصية وبخاصة المحبة التي تُظهر هل هذا من الله أم لم يعرفه قط، ولا زال تحت إنسانيته المسكينة لا يقدر أن يرتفع لمستوى الإلهيات والوصية عنده ضد العقل والمنطق، وكل من يحيا بها مخدوع، أو جبان وخائف، وأن تاريخ الكنيسة التي ظهر فيه قوة المحبة هو تاريخ يعلم الجُبن والخنوع وقبول الموت بلا معنى او طائل، مع أن المحبة اقوى من السيف وغالبة الموت، لأن المحبة هو الله:

[ ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا، الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه ] (1يوحنا 4: 16)
[ ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة ] (1يوحنا 4: 8)

عن aymonded

تعليق واحد

  1. تعقيبات: غير معروف

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: