الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / النفس الثابتة في المسيح – ولماذا الغضب ومن أين يظهر
31618415

النفس الثابتة في المسيح – ولماذا الغضب ومن أين يظهر

النفس الثابتة في المسيح المملوءة من روح تواضع يسوع ووداعته، حينما تأتي عليها المحن والتجارب المتنوعة والضيقات والمشقات التي تنهال عليها من كل من يُحيط بها من كل جانب، حتى من المقربين إليها، وأحياناً من أعز اصدقاءها أو بيتها، وحينما يظهر ما يُهدد مستقبلها أو يُشهر السيف أمامها مهدداً حياتها في الجسد في هذا العالم المُضطرب، فأنها تظهر برَّاقة يلمع فيها مجد قيامة يسوع، لأن صبرها في تلك الساعة يُظهر قوة إيمانها الحي ومعدن قلبها الأصيل [ بصبركم اقتنوا أنفسكم ] (لوقا 21: 19)، لأنها تنظر إلى حيث المسيح جالس مع أنها تحيا في هذا العالم، وتشترك معه في كل ضيق يحيط به، وتستخدمه (أي العالم) كاحتياج للجسد وتشترك مع المجتمع في كل شيء، رغم من أنها لا تضع قلبها فيه، بل تستخدمه لأجل أن يتمجد يسوع فيه، ومن خلال أعمالها التي تُظهر حقيقة عمل الله في داخلها…

ولذلك نجد أن كل مسيحي حقيقي يظهر طبيعة معدنه الأصيل لا في الراحة وأوقات السلام والهدوء الطبيعية، بل يظهر عندما تعصف به زوابع التجارب ويظل ثابتاً، لأن المحنة لا تُضايق ولا تؤذي الإنسان المسيحي الأصيل المؤمن بالمسيح الرب، بل بالحري تُشدده أكثر وتقوي إيمانه وتُزيده وتجعله أكثر إشراقاً لامعاً كالذهب المُصفى بالنار، لأن نار التجارب دائماً ما تُنقي الإيمان وتزيده نقاوة، وتجعل القلب في اشتعال المحبة متقد بزيت النعمة، أي الروح القدس الذي يمدنا وقت المحنة بقوة حرارته الخاصة، مشعلاً القلب بنار محبة يسوع، حتى أننا بسهولة نضحي بكل غالي وثمين مهما ما كان، حتى لو كان موت الجسد، لأننا في حياتنا اليومية حسبنا أنفسنا أموات عن الذنوب والخطايا وأحياء لله في المسيح يسوع، وصرنا كغنم تُساق للذبح مقدمين ذواتنا ذبيحة مع المسيح الرب المصلوب والقائم من الأموات [ لأننا من أجلك نُمات اليوم كله، قد حُسبنا مثل غنم للذبح ] (مزمور 44: 22، رومية 8: 36)، لأن كل من وجد حياته وأراد لها الراحة في العالم ساعياً لتحقيق ذاته محققاً كل ما يتمناه، ويرجو سلامة الجسد ورجاءه في أن يحصل على كل ما في العالم فقط، فقد صار أشقى جميع الناس [ أن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس (1كورنثوس 15: 19)، لأن كل ما للعالم يزول ويتبدل في لحظات مهما ما وصل من نتائج مُرضيه ومُشبعة لذاته [ لأن كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب، العشب يبس وزهره سقط ] (1بطرس 1: 24)…

ولكن طوبى لمن أضاع حياته من أجل المسيح وصار رجاءه فيه، وصار له صبر القديسين الذي يحرسه تواضع القلب في المحبة، لأنه سينتصر ويغلب ويرتفع فوق الضيقات والمشقات كجندي صالح لربنا يسوع المسيح. [ من وجد حياته يضيعها ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ] (متى 10: 39)

فاعلموا يا إخوتي، أنه إذا ضجر أي واحد من خطأ مُعين قد حدث أمام عينيه، أو أحداث معينه تبدو صعبة للغاية، أو ما لا يتوافق مع إرادته ورغباته، وانفجر مشتعلاً بالغضب وثورة الغضب، فلا ينبغي أن نعتبر أن مرارة الأحداث أو المواقف، أو حتى التهمة التي وُجِهَت إليه هي سبب هذه الخطية، أي خطية الغضب، ولكن هذا ظهر بسبب ظهور ضعفه المُختبئ في قلبه بدون أن يدري به، وهذا يُمثل بالبيت الذي لم يوضع له أساس، وتم بناءه على رمال الشاطئ، وعكسه البيت الذي وضع له أساس وبُني على الصخر، ونجد أن لو اصابتهما بالتساوي الريح وضربتهما الأعاصير والأمطار وبنفس الكيفية أو حتى ولو كانت أكثر، فأن البيت المبني على الرمل حتماً سيسقط بدون أدنى شك وينهار بالتمام، أما البيت المبني على الصخر فهو ثابت وتظهر قوته بالمقارنة بمن حوله والذين سقطوا أو تهدموا بسبب الرياح والأعاصير والأمطار الغزيرة !!!

فمن بنى حياته على غير المسيح الرب صخر الدهور، وبنى حياته على رمل آماله أو رجاؤه في هذا العالم، فهو سيظل غير متماسك لأن الأحداث التي حوله تُهَددُه بتغَيُرها أو تَبدُلها، وتُهدد مكانته وطموحه وآماله، فلو وجد ما يُعاكسه يشتعل غضباً خوفاً على آماله ومستقبله، فتنهار قشرة الإيمان وتظهر عورة القلب الخفي، فيصيبه غضب عارم ويُخاصم حتى نفسه، وواضح أنه بالتأكيد قد سقط، ليس لأنه صُدِمَ باندفاع العواطف والسيول فقط، بل لأنه بنى بطياشة وبلا حكمة على الرمل، فكان انهياره حتمي في النهاية وسقوطه عظيماً، يحتاج لتوبة وقيامة ليبني حياته مرة أخرى على صخر الدهور الذي لم يكن يعرفه حق المعرفة، ولم يبني عليه البناء الصحيح حسب قوة النعمة…

وعموماً المسيحي الحقيقي، أي المؤمن الحقيقي بالمسيح، لا يختلف عن البعيد عن الله والذي لم يؤمن بعد، في أنهما يُجربان بنفس الكيفية، أو يتعرضان لنفس ذات ألوان المشاكل المتنوعة، لأنها كلها بشرية، والكل معرض لها بلا تمييز أو اختلاف، ولكنهما يختلفان في: أن المؤمن الحقيقي والذي أصبح قديس في المسيح يسوع بإيمانه الحي العامل بالمحبة، لا يُهزم، ولا يتزعزع ويظل السلام في قلبه يحرسه الوداعة وتواضع القلب، حتى ولو تهَجَم عليه أحد بشدة وأهانه بكل أنواع الإهانة، في حين أن الآخر والغير مؤمن، أو من له اسم مسيحي ولكنه في القلب ليس مسيحياً حقيقياً، اي له صورة التقوى وينكر قوتها، تهزمه أي تجربة ولو كانت خفيفة وقد تُسبب له كآبة وضيق عظيم، حتى أنه من الممكن أن يكره نفسه والآخرين، ويعتزل بنفسه ويبكي بشدة حتى الانهيار التام في ضيق عظيم وخوف وعدم سلام !!! بل وقد يفقد كل رجاء ويتشتت فكره وتفكيره يُصاب بالشلل التام ويحزن للغاية وقد تصل لأمراض نفسية شديدة عند البعض، أو لو كان عنده جرأة فقد يهاجم الآخرين بشدة وعنف شديد ويتهور ويشتم ويسب ويلعن، ولا يهدأ إلا بعد الانتقام من الآخرين بأي شكل أو صورة، وفي عدم تسامح أو غفران حتى للذي يعترف بخطأه، فأنه يطيح بالكل ولا يقبل سيرة الغفران أو المسامحة حتى أنه في قرارة قلبه يبغض كل وصية عن المحبة… الخ.

عموماً يا إخوتي الأحباء في شخص ربنا يسوع، من المؤكد أنه لا يوجد مكان للنُصرة حيث لا يوجد صراع وشدَّة أو ضيقه لأنه مكتوب: [ طوبى للرجُل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه ] (يعقوب 1: 12)، وأيضاً كما يقول القديس بولس الرسول بحسب خبرته الشخصية، أن (القوة تكمُل) ليس في اليُسر والمباهج والراحة، بل (في الضعف) (أنظر 2كورنثوس 12: 9)، لأن الرب نفسه يقول: [ هانذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة وعمود حديد وأسوار نُحاس على كل الأرض، لملوك يهوذا ولرؤسائها ولكهنتها ولكل شعب الأرض، فيُحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك يقول الرب لأُنقذك ] (إرميا 1: 18و 19)

فاعلموا يا إخوتي أن التجارب والمشقات وكل الأزمات التي نمُر بها، تكشف زيف قلبنا، وتوضح إيماننا ودرجة قوته، وأيضاً تكشف مقدار ثقتنا بالله في المحبة، وهل نحن فعلاً على مستوى دعوة الله العُليا لنا، لذلك علينا أن ننتبه لقلبنا وما فيه من إيمان لكي نسعى للتوبة الصادقة الحقيقية ونطلب قوة الله أن تحل علينا ونلبسها، لكي يكون كل واحد فينا هو الابن الصريح في الإيمان، لئلا نحزن روح الله ونسمع الرب يسوع يقول لنا: [ أين إيمانكم ]، [ يا قليلي الإيمان لماذا شككت ] !!!

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: