الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / سلسلة كيف أتوب / تابع سلسلة كيف أتوب – تابع أولاً: الدعوة الإلهية ودعوة التوبة – نتيجة ما سبق، ضرورة التغيير
1167987_10151850344541369_10420437_n

تابع سلسلة كيف أتوب – تابع أولاً: الدعوة الإلهية ودعوة التوبة – نتيجة ما سبق، ضرورة التغيير

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء الخامس
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
تابع أولاً: الدعوة الإلهية ودعوة التوبة
نتيجة ما سبق

• ومن هذه النقاط الثلاث السابقة نخرج بنتيجة هامة للغاية وهي: [ ضرورة التغيير ]

فكما رأينا سابقاً أن الخطية مشكلتها في الموت، إذ أنها تبدأ بالشهوة وإذا تمت واكتملت فثمرتها الطبيعية هي الموت [ ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً ] (يعقوب 1: 15)، لذلك فأن أي تجاوب مع الشهوة بالفكر تبدأ تتضخم، مثل العجين الذي تدخل فيه الخميرة، وحينما تمكث في البيئة المناسبة فأنها تنفخ العجين كله، وفي النهاية تنتج الموت الذي يشعره الإنسان من ضيق نفسي عظيم يُلازم الخطية بعد تتميمها، ومع الاستمرار فيها قد يموت إحساسه ويتبلد، ولا عجب لأنه مكتوب: [ أجرة الخطية هي موت ] (رومية 5: 23)، لذلك في سفر التكوين الله تكلم قائلاً: [ موتاً تموت ] وهذا إعلان النتيجة الطبيعية للخطية، يعني الله لم يخلق الموت ولا وهبه ولا أعطاه لأحد، بل الموت هو عكس ما وهبه الله، فالله وهب الحياة لأن فيه الحياة أو هو الحياة نفسها، ولا يستطيع أن يعطي ما ليس فيه…

فالموت هو النتيجة الطبيعية للخطية، ولا أقصد هنا الموت البيولوجي الطبيعي بالتحديد على وجهٍ خاص، لكن أقصد فعل الموت نفسه الذي دخل في حياة الإنسان، حتى أن حياته أصبحت كلها استهلاكية مائله طبيعياً – بسبب السقوط – إلى الفناء والموت، وآثار الموت تظهر في حياتنا الشخصية من حزن وكآبة وضيق شديد لدرجة تمني الموت أحياناً، والبكاء والفراغ النفسي، والرثاء، والحرمان من الحب كشعور ملازم في حياتنا حتى لو أحبنا أحد أو أحببناه.. الخ، فكل هذا لأن الإنسان خرج خارج الحياة ودخل في الموت، وهذا نجده بملامح واضحة جداً منذ سقوط آدم وما اعتراه من ضعف وخجل وهروب من محضر الله، وهذا ما يحدث لنا يومياً حينما تكون الخطية مالكة بالموت على القلب فأننا نهرب من الصلاة ويُصبح الإنجيل ثقيلاً على النفس، والاجتماعات الروحية الصحيحة للبنيان لا نقدر على حضورها، ولا نستطيع أن نقرأ شيئاً لبنيان حياتنا مع الله، ربما نقرأ للعلم أو المعرفة وتعليم الآخرين لكننا لا نتعلم أبداً ونحيا نحن على المستوى الشخصي في توبة وتجديد النفس والتشرب من الله حتى الشبع…

وعلى هذا الأساس يلزمنا أن نعلم يقيناً أنه لا مناص من التغيير الجذري في حياتنا الشخصية، لأن الموت دخل بالسقوط، ومن المستحيل أن السقوط يقوم، أو الموت يحيا من ذاته، فلم نسمع عن إنسان ميت قام من نفسه، فمن منا قادر على أن يُقيم نفسه من الموت !!!
فيا إخوتي حينما نجد أنفسنا نشكو من أننا نحيا في حياة تتسم بالسقوط ولا نقدر على القيام لأنه لم يعد لنا المقدرة ولا الطاقة على أن نمارس الحياة الروحية ونلبي كل متطلباتها، إذ نستشعرها ثقيلة علينا جداً، ونظل نشكو بتعب وأنين، ولا مجيب بحل واقعي بسيط بدون تعقيد وملابسات كثيرة مرهقة تدعم الموت وتأصل الفشل الذي نشعره، حينئذ علينا أن نعلم يقيناً أن هذا الشعور يتملكنا نتيجة الموت الذي ملك علينا كلنا، ولا سبيل للخروج والتحرر إلا إذا تغير السقوط بالقيام، والموت بالحياة، لذلك مكتوب:
[ تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم ] (رومية 12: 2)
[ لنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور ] (رومية 13: 12)
[ أستيقظ ايها النائم وقم من الأموات فيُضيء لك المسيح ] (أفسس 5: 14)
ولنُلاحظ في هذه الآيات السابقة التي تعلن عمل الله في يقظة النفس، أن الرسول لم يُعطي تداريب للتوبة ولا لرتق الحياة المُمزقة بقليل من الأعمال الصالحة، بل في هذه الآيات أفعال في منتهى الأهمية وهي: [ تغيروا – لنخلع – استيقظ ]

ومن هنا علينا أن نعلم أنه يستحيل أن يتم ترقيع الحياة الساقطة بأعمال صالحة لإصلاحها، لأنها ستمزق النفس تماماً وتطرحها بعيداً عن الرجاء الحي وتُميتها تماماً، لذلك الآباء الروحانيين المتمرسين في خبرة حياة التقوى بتجديد الروح القدس، حذرونا من أن نعمل أعمال الله أو حتى نتقدم لخدمة قبل أن نتوب ونتغير وندخل في سرّ الحياة الجديدة في المسيح يسوع، لأنه يستحيل أن يوضع قطعة من ثوب جديد على قديم، لأن الجديد سيمزق القديم أكثر، لذلك لا نتعجب من أن الكثيرون ممن يخدمون يتركون الخدمة أو يمروا بضيقات نفسية شديدة وثقيلة جداً على أنفسهم تجعلهم يتخلون عن خدمتهم، وذلك لأنهم لم يتبعوا المسيح الرب في التجديد، لذلك تتمزق حياتهم لأنهم لم [ يتغيروا عن شكلهم كل يوم – ولم يخلعوا باستمرار أعمال الظلمة ويلبسوا بدوام أسلحة النور – ولم يستيقظوا باستمرار ودوام ليُضيء لهم مسيح القيامة والحياة ]

فيا إخوتي أعلموا يقيناً ان الإنسان الذي يحيا حسب الإنسان العتيق يستحيل أن يكون روحاني حتى لو عمل كل أعمال الإنسان الجديد، لأنه مكتوب: [ هل يجتنون من الشوك عنباً، أو من الحسك تيناً ] (متى 7: 16)
فمثلاً لو واحد فقير شحاذ اشتهى أن يكون غنياً جداً، فذهب خلسة في السوق وسرق ثوب الأغنياء، وذهب لبيته مفتخراً أنه أخيراً أصبح يلبس زي الأغنياء الذي يشتهي ان يكون بينهم ومنهم، وذهب استحم في النهر وعاد لبيته وغير ثيابه الرثة ولبس هذا الثوب الفاخر العظيم، وسار وسط المدينة يفتخر أنه غني، وحينما تملكه الغرور ناسياً نفسه ووجد أن هناك دعوة مقدمة لشرفاء القوم لحفل في قصر ملك المدينة العظيم، فتجرأ وقال في نفسه الآن انا ألبس زي الشرفاء فلماذا لا أذهب، وحينما ذهب وسار وسط الحضور أخذ يتمشى بزهو، ولكنه لاحظ أن لغتهم راقية وكلامهم له بروتكول خاص، فأخذ يقلدهم ويفعل ما يفعلونه، فأخذ يلفت أنظار الحاضرين، غير مدركاً أن تصرفاته مُريبة شائنه وتقليده لهم مبالغ فيه، ولغته ولهجته تفضحه، لكن الحاضرين اكتشفوا بسهولة انه ليس منهم بسبب لغته وأسلوبه، ووصل الأمر للملك فأمر الخدام بطرده فألقوه خارجاً، هكذا كل من يقلد شكل الروحانيين فأن لغته تفضحه أمام ملك الملوك وملائكة الله وقديسيه، وفي النهاية حتى لو دخل العرس فأنه يُطرد خارجاً لأن طبعه مختلف ولغته تفضحه…
وهنا تحضرني قصة طريفة على لسان الحيوانات، حينما أرادت نعجة أن تكون أسد، فحاولت بكل الطرق أن تُقلد الأسود، ولكنها لم تستطع، فوجدت جلد أسد ميت فارتدته وأخذت تزأر مقلدة صوت الأسود، فسخرت منها الغابة كلها، والبعض تجاوب معها لكي لا يكسر قلبها، والبعض من بعيد صدقوا أن هناك أسد، ولكن تملكها الغرور حتى انها صدقت نفسها، وحينما وجدت أسود في الجوار يمرحون معاً، فذهبت مسرعة إليهم لكي تحتضنهم لأنهم إخوتها وحينما اقتربت هجمت عليها الأسود فمزقتها والتهمت لحمها…

لذلك يا إخوتي مكتوب:
[ لما كنا في الجسد (الإنسان العتيق ونحيا بشهوات الجسد) كانت أهواء الخطايا التي بالناموس (أي الذي وضحها الناموس أنها فينا لأن الناموس مرآة النفس) تعمل في أعضاءنا لكي نُثمر للموت ] (رومية 7: 5)
[ فأننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية ] (رومية 7: 14)
فمن يُريد أن يحيا بالناموس الروحاني يستحيل يحياه وهو لازال تحت سلطان الخطية تعمل فيه بالموت: [ لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أُريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل. فأن كنت أفعل ما لست أُريده (لأني عبد مبيع تحت الخطية) فإني أُصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ. فإني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي، شيءٌ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحُسنى فلستُ أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده بل الشر الذي لست أُريده فإياه أفعل. فأن كنت ما لست أُريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فيَّ.
إذاً أجد الناموس لي حينما أُريد أن أفعل الحُسنى أن الشر حاضر عندي. فإني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً (قانون) آخر في أعضائي يُحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي ] (رومية 7: 15 – 23)
إذن المشكلة في داخلي أنا، فأنا عبد ما أُطيعه [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت، أو للطاعة للبرّ ] (رومية 6: 16)
[ فأن الذين هم حسب الجسد فبما للجسد يهتمون، ولكن الذين حسب الروح فبما للروح. لأن اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام. لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع. فالذين هم في الجسد (الإنسان العتيق الذي هو تحت سلطان الخطية خاضعاً لشهواته) لا يستطيعون أن يرضوا الله ] (رومية 8: 5 – 8)

إذن يا إخوتي كما رأينا، أن كل ما هو من نتاج أفعال الإنسان الواقع تحت سلطان الموت مثل الإنسان الفقير المُعدم الذي هو بغير قادر أن يرتقي لمستوى الأمراء والملوك، لا يسند الإنسان ولا يجعله يرتقي للمستوى الإلهي مهما ما كان شكله أو علمه او ذكائه أو مقدرته، لذلك لا مفر من التغيير والدخول في سرّ التجديد المستمر ببداية حياة توبة مستمرة، والإنسان بالطبع لا يبدأ في سرّ التوبة وتجديد النفس، إلا إذا صرخ من أعماق قلبه فعلاً من ضغط ألم الموت ووجع النفس الداخلي قائلاً بكل وجدانه: [ ويحي أنا الإنسان الشقي !!! من ينقذني من جسد هذا الموت ؟ ] (رومية 7: 24)
حينئذٍ ومن عمق هذه الصرخة الداخلية عن حاجة شديدة لمنقذ حقيقي ليُتمم خلاص النفس، يظهر نور الله في وجه يسوع [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)، فتتغير الصرخة لتصير بالفرح [ أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ] (رومية 7: 25)

يقول القديس مقاريوس الكبير: [ أن من يأتي إلى الله ويرغب أن يكون بالحق شريكاً للمسيح، ينبغي أن يأتي واضعاً في نفسه هذا الغرض: ألا وهو أن يتغير ويتحوَّل من حالته القديمة وسلوكه السابق، ويصير إنساناً صالحاً جديداً، ولا يتمسك بشيء من الإنسان العتيق، لأن الرسول يقول: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كورنثوس 5: 17)، وهذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع المسيح، أن يُغير الطبيعة البشرية ويحولها ويُجددها، ويخلق النفس خلقة جديدة، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدي. وقد جاء المسيح لكي يوحد الطبيعة البشرية بروحه الخاص، أي روح اللاهوت، وهو قد أتى ليصنع عقلاً جديداً، ونفساً جديدة، وعيوناً جديدة، وآذاناً جديدة، ولساناً جديداً روحانياً، وبالاختصار أُناساً جُدداً كليةً، هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذي يؤمنون به. أنه يُصيرهم أواني جديدة، إذ يمسحهم بنور معرفته الإلهية، لكي يصُّب فيهم الخمر الجديدة، التي هي روحه، لأنه يقول أن ” الخمر الجديدة ينبغي أن توضع في زقاق جديدة (متى 9: 17) ] (عظات القديس مقاريوس عظة 44)

• نأتي الآن إلى سؤال هام: ماذا إذا لم يتغير الإنسان وظل ملازماً خطاياه بعند قلبه !!!

أحياناً كثيرة لا يتوافق الإنسان مع عمل الله ويخضع للنعمة التي تحرك قلبه بالشوق لأن يتوب ويرجع لله الحي، وبالتالي لا يرضى أن يترك طريق الموت وحياة الفساد ليتجه بقلبه نحو الله بصدق، وكثيرين يهربون من التوبة الحقيقية بأشكال متعددة لتخدير الضمير لأن حب عادة معينة أو خطية خاصة، تُلازم القلب وتلتصق بها النفس، وهي تسعى إليها دائماً وتدبر وتخطط لارتكابها طِوعاً لأن قلبها فيها، وحيثما يكون القلب تنشغل أفكار الإنسان، لأن في هذا يكمن كنز الإنسان [ لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً ] (متى 6: 21)…

وعادةً الهروب من التوبة يأتي عن طريق الخدمة أو كثرة المعارف الإلهية، لأن الكثيرين يظنوا بخداع أنفسهم، أنهم حينما يعرفون المبادئ الروحية والأفكار اللاهوتية ويفهمونها جيداً، وبكونهم أصبحوا معلمين للذين في الظلمة والمبتعدين عن الله، فقد أصبحوا بذلك مسيحيين متعمقين في الحق ولهم ملكوت الله وحياتهم أصبحت مقدسة وبلا لوم أمام الله، فيزدادون معرفة فوق معرفة وسعي متواصل لكي يوصلوا الكلمة للآخرين، مع أن الكلمة ليست مغروسة فيهم ومثمرة بالروح القدس في تواضع ووداعة قلب [ لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شرّ، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تُخلِّص نفوسكم ] (يعقوب 1: 21)، لذلك يصيرون إلى أردأ، حتى أن مرض الكبرياء القاتل يصيبهم ولا يبقي فيهم شيء صالح، حتى يظنوا أنهم الوحيدون الذين يفهمون الكتب ويعرفون الأصول الروحية، فيتهمون من لا يتبعون فكرهم أنهم لا يفهمون ولا يعرفون، ويرغبون دائماً في أن يصححوا للجميع فكرهم الغبي، فيتعدون على الآخرين دائماً بكل شكل ولون ويتهمونهم اتهامات صعبة معززين قدرتهم على الفهم محتقرين الآخرين في قلبهم، وبذلك يكونون وقعوا في شراك العدو وتصعُب توبتهم جداً، لأن المتكبر في منتهى الصعوبة أنه يعود لله الحي ويتوب، لأنه يرى نفسه الأفضل والفاهم والعارف ولا يحتاج لتوبة لأنه مع الله قائم في مجد عظيم، لذلك مكتوب:
[ كثيرون أضلهم بطلان آرائهم، وعلى عقولهم سيطر الوهم.
نهاية العتيد وخيمة، ومن يعشق الخطر يهلك فيه.
العنيد تُثقلهُ الأحزان، والخاطئ يُكَوَّمُ خطيئة على خطيئة
علة المتكبر لا دواء لها، لأن جرثومة الشرّ تأصلت فيه.
العاقل يتأمل الأمثال، وأُمنية الحكيم أُذُن سامعةٌ ]
(سيراخ 3: 24 – 29 ترجمة سبعينية)
ويقول الرسول: [ هوذا أنت تُسمى يهودياً وتتكل على الناموس وتفتخر بالله. وتعرف مشيئته وتُميز الأمور المتخالفة مُتعلماً من الناموس. وتثق أنك قائد للعُميان ونور للذين في الظلمة. ومهذب للأغبياء ومُعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس. فأنت إذاً الذي تُعلِّم غيرك ألستُ تُعلِّم نفسك:
الذي تكرز أن لا يُسرق أتسرق. الذي تقول أن لا يُزنى أتزني، الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل. الذي تفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس تُهين الله. لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب.
فأن الختان ينفع أن عملت بالناموس، ولكن أن كنت متعدياً الناموس فقد صار ختانك غرلة. إذاً أن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تُحسب غرلته ختاناً. وتكون الغُرلة التي من الطبيعة وهي تُكمل الناموس تُدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس.
لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهودياً، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله ] (رومية 2: 17 – 29)

فيا من تظن أنك عالم في الكتاب المقدس وتعرف الحق، وتفتخر أنك مسيحي نقي حامل الإيمان في قلبك وحاميه، ونور للذين في الظلمة ومُعلِّم الأغبياء، فاهماً لكل شيء ومتعمق ومتأصل في دراسة الكلمة ولك اسم وشهره بين الناس، والكل يحترمك ويقدر عملك ومجهودك العظيم، وهذا حقيقي فيك، أفلا تدري أن الله لا يأخذ بالوجوه، ولا ينظر للمعارف بل ينظر للقلب وما فيه، لأن المسيحي ليس بالظاهر هو المسيحي، وليس بذكائه ولا قدرة عقله، بل بقلبه، بوداعته وتواضعه، بانحنائه وغسل أقدام الآخرين كخدام تحت الأقدام مستعد أن يحمل خطايا الآخرين ويقف يصلي لأجلهم أمام مسيح خلاص النفس، لا يصيح ولا يلعن بل يبارك الجميع، لا يفرق بل يجمع الكل في المحبة، لا يتهم احداً بالضلال ولا الكفر ولا الهرطقة، لا يرفض خاطي ولا يعظم عالم، ولا يستنكف أن يجلس ببساطة واتضاع عظيم مع المزدرى والغير موجود والجاهل والأُمي – غير متفضلاً عليهم بل كأعضاء المسيح – ولا يتفاخر بعلمه ومعرفته ولا حتى طائفته، لا يقاضي الآخرين ويهددهم، ولا يقف أمامهم لأنهم أقل منه علماً أو معرفة، والمسيحي الحقيقي لا يفتخر على أحد أو يتعالى على أي إنسان مهما من كان، وأن حدث هذا فلنعلم أنه ليس مسيحياً إلا بالاسم فقط…

فيا إخوتي أن أعظم ضربة للإنسان هو الكبرياء والتعالي ظناً منه أن الأفضل أو الأحسن، وأن عنده وحده الحق كله، وكل الذين من حزبه يتبعون فكره، وأن كل من لا يتبعه يراه متخلفاً مرفوضاً من الله، جاهلاً لا يفهم ولا يعي شيئاً.
هذه الغطرسة دائماً ما تُصيب أصحاب المعرفة التي لم تنزل لقلبهم لتتحوَّل لحياة ظاهرة في تواضع قلب، لذلك بولس الرسول الملهم من الله لكي يؤكد مسيحية الإنسان الذي نال طبعاً جديداً قال:
[ فأطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها. بكل تواضع ووداعة وبطول أناة محتملين بعضكم بعضا في المحبة. مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد وروح واحد كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة. إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم ] (أفسس 4: 1 – 6)

عموماً يا إخوتي، إن لم يدخل الإنسان في سرّ التجديد، ويتغير ويتجدد حسب صورة شخص ربنا يسوع في البرّ والقداسة، فأنه يقع – طبيعياً – تحت الدينونة، لأن في المسيح يسوع رُفعت الدينونة، وكل من هو خارجه لا زال تحت الدينونة لأنه يحيا في الموت:
+ فهذا هو حال من هم في المسيح، يعيشون بالتوبة الدائمة [ إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس (قانون) روح الحياة في المسيح يسوع، قد أعتقني (فكني – حررني) من ناموس الخطية والموت ] (رومية 8: 1و 2)
+ أما كل من هم خارج شخص المسيح يجدون أنفسهم – تلقائياً – محصورين في الدينونة حتى لو كانوا يعرفون الكتاب المقدس ويفهمون كل شيء بتدقيق مُعلمين الآخرين، كالقول الشهير للبعض بدون خبرة روحية عميقة (((من يفهمني يحيا بي))):
[ لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم … ] (رومية 1: 18 – 19)
[ ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. الذي سيُجازي كل واحد حسب أعماله. أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الابدية. وأما الذين هم من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للإثم فسخط وغضب. شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولاً ثم اليوناني. ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولاً ثم اليوناني. لأن ليس عند الله محاباة ] (رومية 2: 5 – 11)

يقول القديس أُغسطينوس: [ يجب ألا يفتخر أي أحد بنفسه، ولا يجب أن ينخدع بالأمور الباطلة الغبية. كذلك لا يُخطئ أحد بسبب الحرية الممنوحة لهُ، لأن غضب الله ودينونته لا تحل بالخطاة في الحال، كما يجب ألا يظن الذي أخطأ أنه سوف يفلت من العقاب لكونه لم يدن في الحال. ولكن الأجدر بهذا الخاطئ أن يدرك أن الله يؤجل دينونته وأن غضبه سوف يحل على الخطاة فجأة بدون أي توقع. ونظراً لكثرة الإثم، فأن غضب الله سوف يحل فجأة لأنه محفوظ للمستقبل ” ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة الذي سيُجازي كل واحد حسب أعماله ” (رومية 2: 5)، ومما يؤسف له فأن كثيرين لا يفهمون ذلك، ولا يدركون هذه الحقيقة. والواقع أن غضب الله سيقع على كل خاطئ. أما من يظن أنهُ لن يُعاقب على خطئهُ فهو يتجاهل الحقيقة ويغمض عينيه عن الصواب ]

طبعاً الله لا يُعاقب الأشرار فوراً بل يعطي الفرصة بطول أناة لكي يتوبوا، والعقوبة هنا ليست معناها أن الله حانقاً على الخاطي، لأن الله ليس مثل الإنسان وبأعصابه يغضب على الآخرين ويُريد أن ينتقم ويهلك أحد، لأنه مكتوب: [ فسكبت سخطي عليهم، أفنيتهم بنار غضبي، جلبت طريقهم على رؤوسهم يقول السيد الرب ] ( حزقيال 22: 31)
ولنلاحظ هنا الكلام بتدقيق [ جلبت طريقهم على رؤوسهم ]، فكل واحد يختار الطريق الذي يسير فيه ويحتمل نتيجته، لأن الله منذ البدء وضع الإنسان أمام طريقين: [ طريق الحياة وطريق الموت ] ووضعه لإرادة ذاته الحرة ليختار الطريق الذي يتوافق معه، وقد أعلمه نهاية كل طريق وعاقبته:
[ وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة ] (عبرانيين 9: 27)
[ لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفي أن كان خيراً أو شراً ] (جامعة 12: 14)
[ أفرح أيها الشاب في حداثتك وليسرك قلبك في أيام شبابك واسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة ] (جامعة 11: 9)
[ وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة ] (يوحنا 3: 19)

وأعلموا يقيناً أنه لم ولن توجد حجة لإنسان ما ليقول أن الرب أضلني أو منه خطيئتي، أو قد سمح لي بأن أسير في هذا الطريق أو ذاك، لأن كما قُلنا سابقاً الله لا يسمح أو يأذن لأحد بخطية أو بشر أو موت، بل الإنسان هو وحده من يختار، ولو اختار فهو الذي يُضَّرّ أو يستفيد، يدخل في الموت أو الحياة، لأن الله لا يقع عليه أي ضرر أو يُصاب بشيء ما قط، لا يخسر أو يستفيد من الإنسان، لذلك مكتوب:
[ أن أخطأت فماذا فعلت به وأن كثرت معاصيك فماذا عملت له. أن كنت باراً فماذا أعطيته أو ماذا يأخذه من يدك ] (أيوب 35: 6 – 7)
[ أن كنت حكيماً فأنت حكيم لنفسك وأن استهزأت فأنت وحدك تتحمل ] (أمثال 9: 12)

 

يتبــــــــــــــــــــع

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: