الرئيسية / الخدمة / دعوة الخدمة المقدسة هي شركة في ذبيحة يسوع
I_am_the_light_of_the_world_2

دعوة الخدمة المقدسة هي شركة في ذبيحة يسوع

I_am_the_light_of_the_world_2

الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً، بأنواع وطرق مختلفة كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة، في ملء الزمان، في ابنه الذي صار جسداً وحل فينا، ورأينا مجده مجد وحيد للآب مملوء نعمة وحق، ومن ملئه نحن جميعاً آخذنا نعمة فوق نعمة، لأن نعمته فاضت علينا كسيل جارف، وأشرقت لنا الحياة من وجهه المُنير، وبكونه مسيح الله الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الاشياء بكلمة قدرته، قد صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا بذبيحة نفسه، فهو الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب بصفته الكاهن والذبيحة في آنٍ وحد، لأنه هو المُقدَّم والمُقدِم، وهو الوسيط الوحيد – على وجه الإطلاق – بين الله والناس، وهو الينبوع الذي يفيض غفراناً وسلاماً لكل من يأتي إليه بإيمان غير مرتاب لينال من يده شفاء خاص لنفسه وحياة أبدية لا تزول تُزرع وتنمو في داخله، هذا الذي بعدما قدم نفسه ذبيحة ككاهن ووسيط ارتفع في مجد بجسم بشريتنا التي اتخذه لنفسه بسرّ فائق يعجز الكل عن وصفه، قد جلس في يمين العظمة في الأعالي، وبذلك صار خلاصنا مضموناً ودخولنا لعرش الرحمة سهلاً ومحبوباً، وقد أُعطينا اسمه بصفتنا فيه وأخصائه الأحباء، لكي به ننال كل شيء، ومن كهنوته العظيم مُسحنا كلنا – بوجه عام – لنكون كلنا معاً مسحاء الله في المسيح يسوع، أمة مقدسة كهنوت ملوكي، فكل إنسان مسيحي حي بالروح أُعطى له أن يتحد مع تقدمة يسوع المسيح الكهنوتية، يتقدم به وبإرادته نحو الآب في الروح، يتقدم برغبة قلبه كذبيح مع المسيح لله الآب القدوس في الروح القدس، حتى يموت مع المسيح فيحيا فيه المسيح يسوع بشخصه وذاته، وبذلك يُقيم في قلبه ليتورجيا داخلية غير مرئية، وذلك على قدر اشتراكه في تقدمة يسوع بذبيحة نفسه كما قال الرسول:

+ فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية (رومية 12: 1)
+ واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة (أفسس 5: 2)
+ فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه (عبرانيين 13: 15)

هذا هو كهنوتنا الخاص في المسيح يسوع، فالشعب كله مع كل الرتب الكهنوتية التنظيمية هم جميعاً معاً خُدام الأسرار المقدسة، لذلك نجد أن الطقس القبطي يذكر المؤمنين – بوجه عام – في تحليل الخدام باعتبارهم من بين خدام الأسرار المقدسة بالاشتراك مع القس والشماس والإكليروس (أنظر تحليل الخدام)، ففي الكنيسة لا يوجد سامعين ومتفرجين، بل الكل يخدم والكل يُقرِّب ويتَقرَّب، الكل يشترك ويُشارك، الكل في حالة فعل وعمل إيماني كهنوتي حي مشترك، هذا بالطبع بوجهٍ عام في الكنيسة التي هي أعضا مع بعضها البعض، إذ أنه لا يوجد انفصال قط بين شخص وآخر مهما ما كانت وظيفته في الكنيسة، لأن لكل واحد له وظيفه خاصة لا تُعطى لآخر، ولكن الكل يشترك في الذبيحة الواحدة بلا فرق أو تمييز…

غير أن بعض الناس هم خدام الأسرار بمعنى خاص من الله كما قال الرسول [ فأني أقول بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي، بل يرتئي إلى التعقل، كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان. فأنه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة ولكن ليس جميع الأعضاء لها عمل واحد. هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضا لبعض، كل واحد للآخر. ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا، أنبوه فبالنسبة إلى الايمان. أم خدمة ففي الخدمة، أم المعلم ففي التعليم. أم الواعظ ففي الوعظ، المعطي فبسخاء، المدبر فباجتهاد، الراحم فبسرور ] (رومية 12: 3 – 8)

وهكذا تتنوع المواهب فتتنوع الخدمات حسب ما نال كل واحد عطية من الله ظهرت فيه بعد نضوج واضح والخروج من حالة الطفولة الروحية وظهور موهبة الله، فتعطيه الكنيسة اسماً حسب ما ظهر فيه من موهبة الله وعطيته، لذلك لا تضع الكنيسة يدها على أي إنسان أو تقبله من صفوف الخدام تحت أي مُسمى لأن الناس تميل إليه أو تحب شخصيته أو اختارته بنفسها وحسب رؤيتها الخاصة، بل حسب النعمة المُعطاة له من الله وأن سيرة حياته سيرة توبة وقداسة في التقوى، فهو لا ينال أي خدمة إلا بعد ظهور الموهبة فيه بعد نضوجه وخروجه من مرحلة الطفولة الروحية، وعلى سبيل المثال فأن لا يُختار شخص للكهنوت لأن الناس تريده فقط، بل لأن الكاهن يحمل الكهنوت في قلبه وفكره وكيانه وهو ظاهراً فيه حسب عطيه الله لهُ على وجهٍ خاص، ومن هذا المنطلق يتم قبوله ووضع اليد عليه لتأكيد الكنيسة على ما ناله من الله، وهكذا كل خدمة أو عمل يظهر في الإنسان المؤمن الحي، فأن الكنيسة تضعه في مكانه المناسب حسب ما أُعطى له من الله، لأن الله هو الذي يختار ويعطي ويُحدد والكنيسة تؤكد وتُعلن وتضع كل واحد في مكانه الخاص، وذلك لأجل البنيان ليكتمل البناء وتنمو الكنيسة كلها معاً بقداسة في السيرة وحياة توبة ترافقها كل أيام حياة أعضاؤها، والكل يحيا في تناسق وترتيب حسب نعمة الله وإرشاد وتوجيه الروح القدس الرب المُحيي الذي يقود أولاد الله [ لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم ابناء الله ] (رومية 8: 14).

الدعوة للخدمة
الخدمة عموماً لا تأتي قط من منطلق الاندفاع الذاتي، أو من رغبة شخصية خاصة، أو حسب الإمكانيات الشخصية العادية والقدرات العقلية والملكات الفكرية، أو بسبب سن معين وينبغي أن يدخل الشخص في برنامج إعداد الخدام، لكي يصبح خادماً في الكنيسة، لأنه سيذاكر موضوعات مهمة وعميقة عن المسيحية والكتاب المقدس.. وكل ما يختص بالمنهج الملائم للخدام، مع أن الكثير والغالبية العُظمى تُخطأ حينما تظن أن هذا يؤهل الخادم للخدمة ويجعله علاَّمة في المسيحية يُرشد الخطاة ويفتح الأذهان المغلقة عن الحق، هذه خدعة الأيام الأخيرة التي نحن فيها، وهذا الفكر يحطم الإنسان روحياً ويطوح به بعيداً عن الله الحي، لأنه يظن أنه يسير مع الله وأنه قائد للذين في الظلمة ومُفتح الأعين المغلقة، وهو لا يدري كم هو بعيد عن الله، لأنه لم يدخل بعد في خبرة الحياة الجديدة في المسيح يسوع ونال دعوة الله للخدمة بعد أن خرج من حالة الطفولة الروحية ,,, لأنه من الصعوبة التامة أن نأخذ طفلاً أو ولد ونضعه في مكانة المعلم أو المدرس أو حتى شاباً نجعله طبيباً كونه قرأ في الطب، أو نجعله مهندس لأنه يقرأ كثيراً في كتب الهندسة !!!

يا إخوتي لا تركضوا وراء الخدمة ظناً أنها كرامة عظيمة وهي الحياة المسيحية، لأن هذه موهبة تُعطى بالروح، ثم يأتي بعد ظهورها الدراسة والتعمق، ولكن الدراسة والتعمق لا تعمل خُدام لله، بل حلول الموهبة بالروح وظهورها في الشخص الحي بالروح هي الأساس، ولكننا اليوم للأسف نعكس الأمور ونشقلبها، فمن يعرف كثيراً أو له القدرة على الدراسة والفهم ومحاورة الناس والرد عليهم بمنطق، هو في نظرنا الخادم الصالح النافع بصرف النظر عن حياته الشخصية ونضوجه الروحي والنفسي، فنخلق جيلاً من الخدام يحيون حياة فلسفية فكرية لا تمت بصلة للروح، حتى لو تكلموا كلام صحيح لا غش فيه أو بدون أي خطأ فيه بأي حال أو شكل، ولكنهم لن يوجها قلوب الناس وضميرهم نحو الله الحي، بل نحو علمهم وفكرهم ليخاطبوا عقلاً لعقل وفكراً لفكر فقط لا غير، إنما ليسلكوا إيمان حي يُدخل النفس لسر الوحدة والاتحاد مع الله، هذا بالنسبة لهم غير مستطاع، بل قد يصل للمستحيل عينه، لأن توجههم كله للفكر فقط، أما من الناحية العملية في واقع الحياة اليومية في الشركة = صفر….

لذلك علينا أن لا نتعجب من أننا نرى واحد كان يخدم باستمرار ونشاط شديد ثم نجد أن الشك دخل قلبه وقُلب حاله ويعود يشتكي حياته وأن الله بالنسبة له أصبح مجرد فكرة، ونجد أن إيمانه بدأ يتزعزع وقد يرتد عن المسيحية كلها، وهذه هي نتيجة أن واحد يتعلم الخدمة كفكر ليس فيه حياة، لأنه توهم أنه يحيا الحياة الجديدة وهو يحياها لا في واقعه المُعاش بل بفكره فقط، مثل إنسان يسير في صحراء ومن حرارة الشمس يزاد عطشاً ويتشقق فمه، ويرى من بعيد سراب ويظن أنه ماء، فيحاول أن يركض إليه ،وكلما ركض ابتعد عنه السراب وازداد عطشاً وتعباً وإرهاقاً حتى أنه ظن أن الوصول للماء مستحيلاً، حتى أنه يأس، مع أن في الواقع لا يوجد ماء من الأساس بل نظره يخدعه، أو مثل فقيراً يرى نفسه غني في حلم الليل ذو أملاك وفيرة وغنى عظيم للغاية وعنده قصر فخم جداً وحوله خدم يلبون له كل طلباته، وحينما يستيقظ يجد نفسه عُرياناً فقيراً معدماً ويدرك في النهاية أنه كان حلماً فقط… هكذا كل من يتسرع ويحمل نير الخدمة بدون أن يبدأ حياته أو يكتمل نموه السليم في الروح.

فيا إخوتي يجب ألا يقبل أحد دعوة الخدمة إلا إذا كان قد اختبر في أعماقه لقاء شخصي وثيق مع الرب يسوع، وأن يكون قد تلقى منه شخصياً وبطريقة واضحة في قلبه وذهنه [ كن خادمي ]، ليس هذا الخادم الذي عينه الناس، أو الذي درس فاستحق الخدمة لأنه نجح في الامتحان، أو لأن عنده معلومات أو بدأ الطريق الروحي ولم ينضج، بل الخادم الذي اختاره الله بنفسه والذي قال له: [ أخترتك باسمك، أنت لي، كن أنت خادمي ]
فهناك دعوة شخصية جداً تأتي للإنسان [ المعلم قد حضر وهو يدعوك ] (يوحنا 11: 28)، فنحن لسنا من أحببنا يسوع أولاً واخترناه، بل هو الذي أحبنا أولاً واختارنا له، وبناء على دعوته لبينا الدعوة واستجبنا لندائه في قلوبنا وأتينا إليه لأنه قال: [ تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم ] (متى 11: 28)، فاختبرنا راحته وشُفينا من أوجعنا الداخلية، ودخلنا في سرّ حُريه مجد أولاد الله، وكملنا سيرتنا جهاد وحب ببذل وتقديم أنفسنا ذبيحة مع الابن الحبيب كما رأينا في مقدمة الموضوع، فنضجنا، وعند نضوجنا ظهرت موهبة الله فينا وتتضح دعوتنا يوماً بعد يوم لنا.

طبعاً سيأتي السؤال من الذي شعر أنه تسرع في حمل نير الخدمة قبل دعوته، وقد أسرع إليها لأنها أغرته في أنه يكون من مُعلني الحق وشهود يسوع، لأنه يشعر أن هذا عمل عظيم لأنه يخدم به سيده، ويعترف أنه تسرع بسبب نيه حسنة جداً ولكن بدون أي اتصال حي وشخصي مع الرب يسوع، والسؤال هل يترك الخدمة في تلك الساعة لأنه عرف أنه تعجل وحملها على كتفيه !!!
بالطبع لا، لا يترك ما اتخذه على نفسه وقام به، بل عليه أن يكرسه لسيده، إنما عليه الآن، أن لا يحزن أو يفكر انه مرفوض أو مُدان من الله، فلازال الوقت مقبول والساعة ساعة قبول، لأن الرب يسوع فتح الأقداس العُليا وهو حاضر بملء نعمته في كل ساعة لتكون ساعة توبة وخلاص، بمعنى أننا نحيا في ساعة القبول وهي من يوم صعود ربنا يسوع وحلول الروح القدس ليوم مجيئه ستظل ساعة قبول حاضرة دائماً للجميع بلا تمييز، فالباب مفتوح على مصراعيه لكي كل من يأتي يأخذ وينال بسخاء وفيض، لأن الله الحي لا يعطي بكيل بل يعطي حسب ما ينفتح قلب كل واحد، فلازال الوقت مقبولاً لكي يفتح كل واحد قلبه لصوت يسوع ويسمع دعوته له، فأن كان لم يسمعها في الماضي وتسرع واتخذ ما ليس له، ولكن الآن له أن يصغي لصوت دعوة الله في قلبه، وإذا بدى لهم الرب لازال صامتاً ولا يسمعوا شيئاً، إلا أن إيمانهم وإرادتهم الحسنة ستكون الرد الإيجابي على هذه الدعوة الكامنة الآن في خدمتهم، لذلك فليقدموا أنفسهم بعهد المحبة التي أن فتشوا عنها في قلبهم سيجدونها مستترة وعليها أكوام من الإهمال، لذلك عليهم أن ينفضوا هذا الغبار ويقيموا عهداً جديداً في دم حمل الله رافع خطية العالم، وينطقوا بعزم القلب قائلين:

أنا يا رب لك، لن أتركك تفلت من يدي، لأني سأمسك فيك بقوتي مهما ما كنت ضعيف أو خاطئ أو تصرفت بتسرع وعلى نحو خاطئ لا يُرضيك، ولكنك أنت وحدك بحر غفراني الأبدي وأنا سأظل لك لأنك خلقتني على صورتك لأكون لك، فاقبلني إليك اليوم وها قلبي وكل تعبي لك وحدك باركه وقدسني وحقق فيَّ ومن خلالي مقاصدك وحدك، وحول كل حياتي لمجدك الخاص، واجلعني أخدمك بالروح فعلاً، فأعطيني برهان الروح والقوة آمين

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: