الرئيسية / مدرسة الحياة المسيحيه / بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس / سرّ الإيمان الحي – بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس، أولاً فهرس الموضوع + تمهيد (الجزء الأول)

سرّ الإيمان الحي – بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس، أولاً فهرس الموضوع + تمهيد (الجزء الأول)

فهرس موضوع: في الإيمان

+ تمهيـــــــــــــــــــــــــــــــــد (الجزء الأول)

* مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

1- ما هو الإيمــــــــــــــــــــــــــــان

2- الإيمان هو رأس الحياة الروحية

3- الإيمــــــــــــــــــــــــان العقائدي

4- كيف نفــــــــــــــــــــــهم العقيدة

* مقدمــــــــــــــــــــــــــــة (الجزء الثاني)

أولاً : تمهيـــــــــــــــــــــــد – معاني الكلمة

ثانياً : شرح معاني الكلمـــــــــــــــــــــــــــة

1- الثقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة (الجزء الثالث)

1- مقدمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

2- الثقـــــــــــــــــــة والأمانة لله :

                          أ- الإيمان بالله ثقة شديدة بمحبته

                         ب- الخوف هو عدو الإيمان الأول

3- الثقة والصلاة المتواضعة :

                         * الشك هو عدو الإيمان الأول

4- ثقـــــــــــــــــة ويقين بفرح

2- الأمانـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة (الجزء الرابع)

1- مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــة

2- أمانة الله :

         أولاً العهد القديم

                    أ – أمانة اللـــــــــــــــــــه

                    ب – أمانة الإنســـــــــان

ثانياً العهد الجديد

                   أ – أمانـــة يســــــــــوع

                  ب – المؤمنون بالمسيـــح :

                            1- ما هي علامة المسيحي

                            2 – كلمة في الختام

3- آميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن (الجزء الخامس)

مقدمـــــــــــــــــــــــــــــــــــة

أولاً : العهد القديم

ثانياً العهد الجديد

                * آمين الله وآمين المسيحي

4- الحق والحقيقـــــــــــــــــــــــــــــــــــة (الجزء السادس)

تمهيــــــــــــــــــــــــــــــد

                    أ – الحق في الديانة

                   ب – الحق الأخلاقي

                   جـ – معايير الحق

مقدمـــــــــــــــــــــــــــة

أولاً: العهد القديم:

             معنى الكلمة في العهد القديم

           1- حقيقــــــــــــــــــــــــة الله

          2 – حقيقــــــــــــــــــة الناس

          3 – الحق الموحى بـــــــــــه

ثانياً العهد الجديد :

          1- تراث العهد القديم

          2 – حقيقة الإنجيـــل

                          أ – الحق والإيمـــــــــــــــان

                         ب – الحق والحياة المسيحيـة

                        جـ – التعليم الصحيح والضلال

                         د – الحق والمسيـــــــــــــــح

                        هـ – معرفــــــــــــــــــة الحق

ثالثاً : ملخص

مراجع الموضوع :

1-    الكتاب المقدس ( 8 ترجمات مختلفة : ترجمة اليسوعيين + Holy bible KJV + La sainte bible + تنقيح إبراهيم اليازجي + La bible Tob + R.S.V G.E يوناني إنجليزي + العهد القديم العبري ترجمة بين السطور + العهد الجديد اليوناني ترجمة بين السطور، ترجمة الجامعة الأنطونية 2007 )

2-    قاموس عبري عربي ( ي قوجمان )

3-    قاموس المورد إنجليزي عربي ( منير البعلبكي )

4-    قاموس المنهل فرنسي عربي ( د. حبور عبد النور – د. سهيل أدريس )

5-    قاموس ( يوناني إنجليزي )

6-    الفهرس العربي لكلمات العهد الجديد اليونانية

7-    فهرس الكتاب المقدس ( concordanc – NIV )

8-    الكنز في قواعد اللغة العبرية ( تأليف محمد بدر )

9-    قواعد اللغة اليونانية ( تأليف أ. صموئيل كامل عبد السيد و د. موريس تاوضروس )

10-  معجم اللاهوت الكتابي ( دار المشرق بيروت )

11-  معجم الألفاظ العسرة في الكتاب المقدس ( المعين )

12-  دائرة المعارف الكتابية [ الجزء الأول (أ ) + الجزء الثاني ( ب – ح ) + الجزء الثالث ( ح – ذ ) ]

13-  عظات القديس مكاريوس الكبير ( ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة )

14-  عظات القديس كيرلس الأورشليمي ( تعريب الأب جورج منصور )

15-  رسائل رعوية القرن الثاني ( ترجمها وقدم لها جورج صابر )

16-   رسائل الشهيد إغناطيوس الأنطاكي

17-  الآباء الرسوليون ( عربة عن اليونانية البطريرك الياس )

18-  وجودنا وكياننا في المسيح للقديس كيرلس الكبير ( إصدار مجلة مرقس )

19-  المئويات الأربع للقديس مكسيموس المعترف ( ترجمة الأب منيف حمصي )

20- خواطر فيلسوف في الحياة الروحية للقديس أغسطينوس ( ترجمة الخوري يوحنا الحلو )

21-  تفاسير متى ولوقا ورؤيا وإشعياء ( للقمص تادرس يعقوب مالطي )

22- اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر الجزء الأول والثاني ( للأب سليم بسترس )

23- الله حياتنا ( للأب الدكتور إغناطيوس ديك )

24- الوجود شركة ( للأسقف يوحنا زيزيولاس )

25- مجلة مرقس الأعداد ( نوفمبر وديسمبر 84 + يناير وفبراير 85 ) إصدار دير أنبا مقار

26- حياة الصلاة الأرثوذكسية للقمص متى المسكين

27- الإيمان بالمسيح للقمص متى المسكين

28-  الحدود المتسعة للإيمان بالله للقمص متى المسكين

29-  الفضائل المسيحية بحسب الإنجيل للقمص متى المسكين

30-  كلمة الله شهادة وخدمة وحياة للقمص متى المسكين

31-   المدخل لشرح إنجيل يوحنا للقمص متى المسكين

32-  شرح إنجيل يوحنا ( الجزء الأول والثاني ) للقمص متى المسكين

33-  شرح رسالة القديس بولس الرسول لأهل رومية للقمص متى المسكين

34- تفسير رسالة بولس الرسول الأولى والثانية لتيموثاوس القمص تادرس يعقوب مالطي

35- بعض مقالات للمطران جورج خضر ( عن مجلة النور اللبنانية أعداد قديمة غير واضح التاريخ فيها)

36- القاموس الموسوعي للعهد الجديد (يوناني – عربي)

37- لِسان المتعلمين قاموس تحليلي للثروة الكلامية في كتابات العهد القديم العبرية والآرامية الجزء الأول – أمير مُحسِن

أولاً الجزء الأول: تمهيـــــــــــد

نرى المؤمنين عبر الأجيال والعصور يشهدون لإيمانهم الظاهر في حياتهم العملية ويدونون اختباراتهم مع الله، وأعظم تلك الشهادات والاختبارات نجدها في الكتاب المقدس نفسه، في كلا عهديه، القديم والجديد..
ونجد في تلك الشهادات الأمينة والصادقة، إعلان عن إيمان صادق وحقيقي حي، إيمان مُعاش في واقع الحياة اليومية، بل وعامل بالمحبة، ونجد أن المؤمنين بالله في الكتاب المقدس، قد كشفوا لنا أن الإيمان بالله ليس موضوع بحث علمي قابل للفحص كاكتشاف نجم في أعلى السماء، أو كالاكتشافات العلمية التي تحتاج لبرهان الفحص بالتجربة المعملية والفكر البشري بحسب المنطق الإنساني والفلسفي، بل الإيمان بالله خبرة الخاطي الضعيف الذي يثق في الله نجاته وخلاصه من ظلمة الفساد والشرور الذي يتبعها الموت، وهو أيضاً – لكل من يسير مع الله – خبرة حياتية معاشة في الزمن بكل معاناته وآلامه وضيقاته التي لا تنتهي…
والخبرة هُنا – بالطبع – معتمده على الاستعلان، أي إعلان الله عن ذاته واستعلان شخصه كإله حي وحضور مُحيي يظهر ذاته ليُعطي حياة ومعرفة حسب الحق باستنارة الذهن وانفتاحه على شخصه المهوب المخوف والمملوء مجداً…

ومن هذا المنطلق نرى إن الكتاب المقدس ليس كتاب علم ولا كتاب فلسفة، إنما هوَّ مجموعة شهادات لعمل الله في البشر وتدوين لاختباراتهم اليومية مع الله، لذلك يجب علينا أن نبحث عن ما يقوله الكتاب المقدس عن الله لنؤمن به، ولا نبحث عن براهين عقلية وإثباتات فكرية، لأن الله غير قابل للفحص أو الخضوع للعقل البشري المخلوق!!
بل يجب أن ننفتح بكل أبعاد كياننا على ما اختبره المؤمنين بالله وما دوّنوه في الأسفار المقدسة. ثم نعود لأنفسنا ونرى أن هذا الاختبار يتجاوب مع اختبارانا الشخصي ومع ما في أعماقنا من تطلّعات، وذلك لكي نعرف هل نحن قريبين أم بعيدين عن هذه الخبرة ومعرفة الله الحقيقية، والتي قد نتوهم أن لنا هذه المعرفة الحقيقية لله ونحن في تمام البعد عنها، لأن الكثيرين يتصورون أنهم قريبين من الله ولهم علاقة خاصة معه وكلها تعتمد على الجسديات والحسيات والمعجزات والخوارق الفائقة الطبيعة، ولكن ليس فيها مُلك الله ولا حضوره الخاص ولا خبرة لقاءه كإله حي مُحيي ومُقيم النفس من موت الخطية ويعطيها باسمه حياة لتدخل في علاقة شركة حية فيها فرح كامل بلقاء الرب المُحيي…

وما هيَّ تطلعاتنا التي نتطلع إليها في أعماق قلوبنا من الداخل !!!؟ إلا اللانهاية أي الخلود والحياة الدائمة التي ترتفع فوق محنة الموت ويصبح ليس لها أي قوة، لأن الموت ليس هو حقٌ علينا (كما هو شائع عند الناس)، بل الحياة هي الحق وهي التي نتطلع إليها بكل اشتياق قلوبنا، أي أن تطلعاتنا هيَّ لله الحي، لا بل هيَّ الله نفسه، الله الذي هوَّ بشخصه النور والطريق والحياة الأبدية، هوَّ الألف والياء، هوَّ المبدأ والغاية، هوَّ قوة المحبة المتدفقة التي تحصرنا وتشدنا إليها بقوة تفوق الوصف أو الشرح: (ليس شيئاً من النطق يستطيع أن يحد لجة محبتك للبشر) (القداس الأغريغوري)

(1) ما هوَّ الإيمان:
الإيمان هوَّ علاقة خاصة شخصية مع الله، ويقول القديس مكسيموس المعترف: (ما من سبيل إلى عقد علاقة بين الإنسان والله إلا بالإيمان. فالإيمان قوة. انه قوة خاصة توحّد الإنسان المؤمن والله الذي يؤمن به، توحيداً مباشراً كاملاً يفوق الطبيعة البشرية)
فالإيمان ليس علاقة عقلية وحسب. فالشياطين أيضاً قد يكون لهم مثل هذا الإيمان (يعقوب 2: 19). إنما الإيمان هوَّ ارتباط حياة بحياة ومصير بمصير، وهذا الارتباط يطال الشخص البشري بكاملة (جسد ونفس وروح) بما يفوق الإدراك أو الفحص.
لذلك يرى الآباء القديسين أن الإيمان لا يكون حقيقياً إلا إذا شمل الشخص كله وحوَّله إلى صورة حقيقية للرب يسوع له المجد.

بالإيمان لا يعتنق المسيحي عقيدة مجرّدة، بل يتّحد بأشخاص أحياء ،بحضور حقيقي.
والإيمان هوَّ جواب الإنسان على دعوة شخصية يكشف له فيها كل من الآب والابن والروح القدس عن ذاته شخصاً حياً وحضوراً محيياً.
وجواب المؤمن أي جواب الإيمان على تلك الدعوة هوَّ أن يرتمي في أحضان كل من الآب والابن والروح القدس ليغرف من بحر حضور الله كما كشف عن ذاته.

فالإيمان المسيحي، ليس تحليلاً فكرياً ومنطوق نظريات وأفكار ودروس، إنما هوَّ قبول حياة الله فينا واتحادنا به في سر التقوى والمحبة، أي أنه هوَّ دخولنا في حياة الأقانيم الإلهية ، وعندما يتلو المؤمن قانون الإيمان لا يكتفي بترداد كلمات، بل يغرق في بحر الحياة الأبدية، يغرق في بحر الحب الإلهي، يغرق في بحر النور المُشرق فيعرف مجد الله في وجه يسوع ويغرف منه ويشبع.. [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)

+ والإيمان الحي الحقيقي الأصيل دائماً يتجاوز الحياة النفسية القائمة على الانفعالات العاطفية العابرة التي تنتهي حتماً بزوال المؤثر، فأحياناً يتأثر الإنسان بعظة أو كلمة باندفاع عاطفي وسرعان ما يُطفأ لأنه مجرد مؤثر خارجي زائل، فهذه العاطفة دائماً تفتقر إلى العمق والأصالة.

فما هوَّ هذا العمق؟ هوَّ كيان الإنسان نفسه.
وما هيَّ الأصالة؟ أصالة الوحدة مع الله والكنيسة.

وكمثال على ما نقول: تذكرنا الليتورجيا بالراقدين وبالأحياء أيضاً. هذه الذكرى تُمارس في سرّ الإفخارستيا بالإيمان الحي، وليست هيَّ مجرد تذكر الأحداث والكلمات وإنجازات الأحباء ومشاكلهم وقداستهم، إنما هيَّ ذكرى نابعة من حقيقة وجودية، حقيقة وحدتنا مع هؤلاء الأشخاص في خبرة جديدة، وهي خبرة تحوّل كياننا البشري إلى كيان جديد أي الكنيسة جسد المسيج. ونحن الذين ربطتنا وحدة المصير مع هؤلاء القديسين في الكيان الجديد، المسيح أي الكنيسة، لا نتذكرهم على أساس حياة نفسية انفعالية بمجرد تأثر عابر بحياتهم أو افتخارنا أننا معهم طائفياً ، وإنما لأننا معهم – فعلاً – قد تحولنا إلى أشخاص على صورة الله خالق كل الأشياء والذي خلق الإنسان لا لكي تكون له شخصية منفردة متقوقعة على ذاتها في وحدتها الخاصة، بل يكون لهُ كيان جديد أي كنيسة بها أشخاص منفتحين بالمحبة بعضهم على بعض ، ومتحدين بالإيمان الواحد الحي الحقيقي، وهذه ليست مسألة ننفعل بها وإنما حقيقة نحياها ونمارسها في كل الأوقات، حينما نتقابل في اجتماعاتنا، وفي ليتورجياتنا، وفي إفخارستياتنا وأيضاً في مخادعنا وفي كل أمور حياتنا

[ لذلك نحن أيضا إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله..
وماذا أقول أيضا لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا براً، نالوا مواعيد، سدوا أفواه أسود، أطفأوا قوة النار، نجوا من حد السيف، تقووا من ضعف، صاروا أشداء في الحرب، هزموا جيوش غرباء، أخذت نساء أمواتهن بقيامة، وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل، و آخرون تجربوا في هُزءٍ وجلد، ثم في قيود أيضاً وحبس، رجموا، نشروا، جربوا، ماتوا قتلا بالسيف، طافوا في جلود غنم وجلود معزى، مُعتازين، مكروبين، مُذلين، وهم لم يكن العالم مستحقا لهم، تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض، فهؤلاء كلهم مشهوداً لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد إذ سبق الله فنظر لنا شيئاً أفضل لكي لا يكملوا بدوننا ] (عبرانيين 12: 1-2، 11: 32-39)

(2) الإيمان رأس الحياة الروحية:

يقول القديس أغسطينوس: [ الإيمان المستقيم هوَّ رأس الحياة الصالحة التي تحق لها الحياة إلى الأبد. ويقوم الإيمان على القبول بما لا ترى. وجزاؤه أن ترى ما تؤمن به.
زمن الإيمان هو زمن الزرع. أحذر من أن يفوتك، وثابر عليه حتى النهاية حتى تحصد ما زرعت.
الإيمان بالله أولى الوصايا؛ هوَّ بداية الدين والحياة فيك. ثبت قلبك في الإيمان؛ ثم عش حياة صالحة مترفعاً عن كل ما يُغري، متحملاً آلام هذا الدهر، حتى إذا غالت في ملاطفتك أو في تهديدك لا يجرفك تيارها ولا تُحطمك شدتها، بل فليصمد قلبك بوجهها.
لن تحيا حياة صالحة إلا إذا بدأت تؤمن، ومتى رعيت الإيمان زيد لك الباقي.
كثيرون يُفاخرون بأعمالهم، وكثيرون، ممن لا يؤمنون، يأبون أن يعتنقا الدين المسيحي، معتقدين بأنهم يحيون حياة صلاح، مكتفين بخيرات هذه الدنيا، قائلين بضرورة الحياة الصالحة. وبِمَ يوصينا السيد المسيح؟أيوصينا بأن نحيا حياة صالحة؟ ها أنّا نحيا بالصلاح وليست لنا حاجة إلى المسيح: نحن لا نقتل ولا نسرق ولا نسلب ولا نشتهي مقتنى غيرنا ولا نزني..لا شيء في حياتنا يستحق اللوم، ومن لامنا في شيء صيرنا مسيحيين.
إن كل عمل مستقيم يأتيه الإنسان لا يُمكن أن يكون مستقيماً إذا لم يرتبط بتقوى الله، وإذا لم يكن الإيمان سباقاً، فلا صلاح في الحياة.
اسمع الرسول: “وبغير إيمان لا يستطيع أحد أن يُرضي الله” (عبرانيين 11: 6)
تظن أن أعمالك شجرات صالحة. إنما يكفي لكي تكون غير صالحة أن تكون بلا ثمر أمام الله.
لا تعتبر صالحاً عملاً أتيته قبل أن تؤمن، لا صلاح حيث لا إيمان.
..كل ما ينطلق من الإيمان عظيم، وهكذا فقد تعوَّد الجهال أن لا يُقدِّروا أساس البناء حق قدره.
في البدء تحفُر حفرة عميقة ثم تردمها بالحجارة بلا جمال ولا رونق، وتنظر إلى الأساس ولا تفرح به ثم تنظر إلى البناء وقد أرتفع فتُعجب به !يا أحمق، أن ما أُعجبت به مرتكز على ما احتقرته !!
تلك هيَّ حالك: إن لم يكن الإيمان فيك سابقاً فلا مجال لحياة صالحة. إن لم يستقم إيمانك فلستُ باراً؛ لأن البار بالإيمان يحيا.
الإيمان هوَّ ينبوع الصلاة. ويُظهر الرسول أن الإيمان هوَّ ينبوع الصلاة وأن الساقية تجف متى جفت ينابيعها قائلاً: ” وكيف يدعون إلى من لم يؤمنوا به ” ؟؟ (رومية 10: 24)، وبالنتيجة آمن لكي تُصلي: وصلي حفاظاً على إيمانك الذي به تُصلي.
الإيمان يفيض صلاة: والصلاة المفاضة تقوي الإيمان. وحفاظاً على الإيمان.. قال السيد: “أسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة” (لوقا 22: 46)…
الإيمان النقي يحيا وسط هذا العالم وضيقاته: العالم يهتز؛ أما الإيمان فلا يتزعزع. آمن تُصبحْ أهلاً لأن تفهم: على الإيمان أن يسبق الإدراك ليكون الإدراك جزاء الإيمان. والنبي أوضح هذا الأمر حين قال: “وأنتم إن لم تصدقوا فلن تثبتوا” (إشعياء 7: 9)
من اللازم أن تؤمن بما تُبشر به ببساطة لأن غاية العقل أن يُناقش بدقة. بالإيمان تتحد وبالعقل تحيا. يجب عليك قبل كل شيء أن تتحد بواسطة الإيمان لتحيا بواسطة العقل.
إن لم تتحدْ (بالله) تقاوم؛ وإن كنت تقاوم فلست مؤمناً. وإن كنت تقاوم فكيف تحيا؟
إنك تجعل نفسك عدواً لشعاع النور الداخل فيك، (حين لا تنظر إليه بعين الإيمان) بل بعقلك. وتقول: كل واحد على الإطلاق يُريد أن يفهم. فمن الواجب عليَّ إذاً أن أفهم حتى أؤمن. فأُجيب آمنْ تفهم.. ]

إن الحياة تكون روحية بقدر ما يكون فيها من إيمان حي. واستمرار الحياة الروحية لا يُفهم على أنه استمرار زمني، لأن الحياة الروحية لا يُقاس عمقها أو طولها بالسنيين، إنما هيَّ استمرار لوجود الإيمان، وعلامته هيَّ استطاعتنا الوقوف ضد أنفسنا وضد تيارات العالم مهما كانت الخسارة، وبالتالي يُقاس الإيمان بمقدار حياتنا الإيجابية مع الله وثبوت رجائنا فيما هوَّ آتٍ بيقين وفرح يزيد من حُريتنا.

أي أن طول الحياة الروحية واستمرارها هوَّ في الواقع قياس باطني داخلي، لا يُمكن أن يكتشفه الناس لأنه حَدث إيماني فائق يَكْمَُل فعله في الداخل لتجريد الإنسان من ذاته (أنانيته) ولغلبة العالم ومبادئه وأمانيه وإخضاعها لسيادة الروح.
هذا العمق لا يظهر منه شيئاً للناس، إلا موقف عرضي من المواقف التي تلحُّ على الإنسان أحياناً وتجبره أن يقف اضطراراً ضد العالم أو الذات، كتوبيخ إيليا لآخاب أو يوحنا المعمدان لهيرودس أو شهادة الشهداء أو خروج القديس أنطونيوس من العالم، حيث يصبح الموقف علامة أمام الناس وتُثْبت وجود الإيمان وتُزكية أمام الله.

ولكن المواقف لا تصنع الحياة الروحية. الذي يصنع الحياة الروحية هو فعل الإيمان وتغلغله في الكيان البشري. وهو يتكون سراً في الأعماق كحصيلة تتجمع من اتصالات الإنسان المستمرة بالله عن طريق الكلمة والدخول معه في استجابات متوالية حسب مطالب الكلمة أي وصاياه.

ولكن الإيمان عموماً يبدأ كقوة روحية داخلية سرية، عارية من كل شيء، وليس لها علامة تُميزها عن غيرها من الطاقات البشرية الأخرى. غير أنه سرعان ما تلتحم هذه القوة بمطالب الطبيعة البشرية والعالم والناس التي لا تتمشى مع حرية الروح. وحينئذٍ تصطرع القوة الإيمانية مع الواقع المخالف لها، فتبتدئ تتكشف، ويتحدد اتجاهها وعمقها وطولها وعرضها بقدر موقفها المعاكس لكل ما تتواجه معه من مطاليب الجسد والعالم والحياة الحاضرة والتي تمنع انطلاق الروح وتقديس النفس. وطبعاً غير مقصود أن كل ما للجسد هو ضد الإيمان، بل الذي ضد الإيمان هو كل ما يمنع النفس للانطلاق نحو الله، وهذا يحتاج لمعرفة إرادة الله ومشيئته وانفتاح وعي الإنسان على ما يُريده الله بالإصغاء للروح القدس [ من له أُذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس، من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني ] (رؤية 2: 11)، [ لأن كل من وُلِدَ من الله يغلب العالم وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ] (1يوحنا 5: 4)، [ لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ] (رومية 8: 14)

استمرار الحياة الروحية هوَّ إذن استمرار لفعل الإيمان ونشاطه وبالتالي استمرار لحرية الروح بمقتضى الكلمة، حيث يظهر هذا الفعل من حين لآخر على هيئة موقف واضح صريح ضد العالم والذات، إثباتاً لحيوية الإيمان واستمرار الحياة الروحية.

غير أن عمل الإيمان الداخلي لا يخضع لمنطق الناس ولا يُمكن تقديره بأي قياس بشري، لأن الذي يتحكم في عمل الإيمان دوافع داخلية مستترة لا يُمكن لأي عين أن تفحص عمقها. الله وحده هوَّ الذي يقيس عمل الإيمان ويمدحه.

لذلك فالحياة المسيحية بالرغم مما يكون فيها من مظاهر تَقَوية وأعمال إيمانية، إلا أنه يستحيل الحكم فيها من قِبل الناس [ لا تحكموا قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي يُنير خفايا الظلام ويُظهر آراء القلوب. وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله ] (1كورنثوس 4: 5)
فحياتنا أو وجودنا المسيحي القائم على الإيمان، هوَّ حياة، أو هوَّ وجود “مستتر” عن العالم والناس لا يُمكن كشفه، “مستتر مع المسيح” (كورنثوس 3:3) لأن المسيح نفسه مستتر أيضاً عن العالم وعن أحكام الناس وقياساتهم العقلية.
لذلك فإن عمل الإيمان، بالرغم من أنه يُنشئ أحياناً علامات على وجوده بالمواقف الروحية التي نقفها أحياناً ضد أنفسنا أو العالم، يمتاز بأنه يظل غير خاضع لأحكام الناس وفي أمان من تقلبات الأوضاع أو الزمن: [ أقل شيء عندي هوَّ أن يحكم فيَّ منكم أو من يوم بشر، بل لست أحكم في نفسي أيضاً ] (1كورنثوس 4: 3)
ونحن مطالبون بأن نطيع كلمة الله بدقة وتدقيق، ونعمل عمل الإيمان دون أن يزوغ قلبنا وراء الجزاء أو الشهادة لأنفسنا، لأن كل رجاء نرجوه في الحاضر من وراء أعمالنا هوَّ رِدَّة إلى الذات. وإرضاء الذات هوَّ سقوط من الإيمان. لأن الإيمان حدث فائق للزمان مُنكر للذات والواقع والرجاء المنظور: [ وقال للجميع أن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني ] (لوقا9 : 23).

(3) الإيمان العقائدي:

أولاً ينبغي لنا أن نفرق دائماً بين طريقتين، طريقة قبول الحق الإلهي وبين طريقة قبول الحقائق العلمية والفكرية التي تتعلق بهذا الدهر، فالحقائق العلمية يُفيدها جداً أن نُمهد لها بالشك حتى تُثبت صحتها بالقياس للحقائق الأُخرى الثابتة. أما الحق الإلهي فلا يُمكن أن يأخذ طريقه لقلب الإنسان وفكره إلا إذا سبق الإنسان وأعد قلبه وفكره باتضاع لقبوله، بمعنى أن يكون لدى ضمير الإنسان الاستعداد للانفتاح للحق الإلهي وتصديقه قبل مناقشته والخوض فيه، حتى إذا بدأ الحق الإلهي يشع بنوره ويقرع القلب لا يجده مغلقاً بالشك والعناد فيُمتنْع على الإنسان الإحساس به والفرح لهُ والدخول في سره.

والحق المسيحي يمتاز بأنه لا يتعلّق، أساساً، بقواعد ومبادئ تحتاج إلى الفحص العقلي وبالتالي تحتاج إلى الذكاء والقدرة العقلية…

فنحن نلجأ إلى أفكار ونصيغ تعابير، لكن كل حياتنا عباره عن احتفال مجيد، نحتفل بشخص حي حاضر معنا بوعد، إننا نعبُد شخصاً هوَّ الحدث. والحدث يعني، في التعبير المسيحي، الحقيقة القصوى التي بها يُعبّر الشخص عن ذاته في علاقة حياة شركة مع الآخر!!

فالله ليس فكرة بل حياة تظهر لنا في حدث: فهو في صميم ذاته علاقة حياة، حياة بين الأب والابن بتيار الحب المتدفق، الذي هو الروح القدس الرب المحيي، ومن صميم تلك الحياة التي في الله يتدفق الله علينا في الخلق والتجسد والفداء..

الحدث هوَّ تلك العلاقة الجوهرية التي تصل الله بخليقته صلة حياة ومحبة. أن جوهر الحقيقة هو حدث. وجوهر الله هوَّ هذا الحدث المزدوج المتكامل:

  • الله في صميم ذاته آب وابن وروح، وفي علاقته بالإنسان استمرار وحي ودفق عطاء في الخلق والتجسد والفداء..

ويقول القديس إغريغوريوس النزينزي: [ الله هوَّ استمرار كشف ودوام وحي لذاته، يُحرك دون انقطاع الوجدان البشري ويُنير ظلماته ]

ومن هذا المنطلق يحيا المسيحي بالله ولأجل الله، ويتجاوب معه بشعور وإحساس واعٍ، فيشعر المسيحي المؤمن ويحس إحساساً مرهفاً بارتباطه الكلي بالله؛ إن كيانه هبه وعطية من شخصه العظيم القدوس الحي، وهذه العطية لم توهب دفعة واحدة، بل هيَّ متدفقة لحظة تلو لحظة، إنه عطاء مستمر، وتقبُّل مستمر؛ فالله يهب والإنسان يقبل باستمرار دون توقف، والإنسان يرد على محبة الله وعطاءه باستمرار، إذ يقدم له قلبه وحياته يومياً باستمرار وبلا توقف إلى النفس الأخير، وهكذا يستمر العطاء المتبادل، مع أنه لا يوجد قياس بينهما لأن ما يعطيه الله هو أعظم مما يُعطي الإنسان.

وفي هذا العطاء المتدفق من الله باستمرار يشعر المسيحي الحقيقي بعظمة وجمال وحب مَن هوَّ ينبوع كل وجود وكل عطاء، فيُعفر هامتهُ بالتراب، في موقف السجود ويشكر بالتسبيح والحمد، ويبقى على يقين أن الله ليس في حاجة إلى عبادته أو شكره ((لم تكن أنتَ محتاجاً إلى عبوديتي بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك – القداس الإلهي))، إلا أن العبادة هيَّ التي تُساعد الإنسان على أن يعرف مكانته من الله، ليبقى في اتحاد الحياة والشركة معه. ومن هنا تم تنظيم العبادة الطقسية عن واقع خبرة دخلها المسيحي الحقيقي الحي بالله، والذي تقبل صلاحه وعطيته له وتجاوب معها وأعطى ما عنده أي ذاته..

والمسيحي الذي يعترف بالله أباً لهُ، يدع جانباً كل خوف وقلق؛ ويعلم إن خطاياه عينها – شرط أن يتخلى عنها تائباً – لا تُزيح نظرة الله المُحبة إليه، بل هيَّ موضع إشفاقه وحنانه. ومن هُنا أتى سرّ التوبة والاعتراف بالإيمان والثقة الشديدة في محبة الله وعمله الخلاصي للدخول في سرّ الكنيسة والمصالحة مع الله وجميع الأعضاء المنتمين للجسد الواحد..

المسيحي ينتظر من الله عونه ونعمته، ولكن لا من باب الاستسلام إلى الخمول أو الضعف أو اليأس أو الإحباط، إنه يعمل كما لو كان كل شيء مرتبطاً بسعيه، ويتوكل على الله لأن كل شيء منوطاً بنعمته. أنه يعمل ويُجاهد بقوة الله التي يستمر في لبسها كل يوم، لكن دون تَخبط. يتوجه دائماً إلى الله كما يتطلع إلى أبيه، ليعرض عليه في الصلاة أحزانه ومشقاته واحتياجاته وينتظر بصبر وثقة في محبة أبوه ومشيئته الذي أحبه للمنتهى حتى أنه صُلب من أجله، ومن هُنا تأتي صلاة المخدع المنتظمة والمستمرة دون انقطاع مهما كانت الأسباب، وحتى لو كسل أو أخفق أو ضعف، يعود لنشاطه الأول سريعاً لأنه لا يستطيع أن يبتعد عن الله حبيبه الخاص.

المسيحي الواثق بالله بالحقيقة وبالصدق، يعيش بسلام وفرح لأن الله يملأ قلبك كل يوم، ومن هُنا أتت الترانيم والتسبيح في الكنيسة.

المسيحي الحقيقي، يحب الله الخير الأسمى والحب الأسمى. وتتجسد محبته في تتميم إرادة الله، فيتقبل كل ما يتعرض له من ضيقات ومشقات وصلبان وأمراض وأوجاع مهما كانت ومهما طالت، ومن هُنا وضعت الكنيسة صلاة الشكر اليومية وزيت مسحة المرضى الذي هوَّ سرّ حضور المسيح الرب القيامة والحياة في المتألمين.

كما يتجسد إيمانه لواجبات وضعه كمسيحي، أي بتحقيق المهمة الموضوعة علية في بناء العالم وملكوت الله. ومن هنا كان الصوم والسهر في صلوات وطلبات لا تنقطع من أجل العالم وكل محتاج سواء طلب منه هذا أو لم يطلب، لأن الصلاة من أجل الآخرين تاتي بتلقائية ومحبة مسكوبة من الله الذي يحب الكل بلا تمييز أو تفريق وعلى الأخص الخاطي والعدو والغير مستحق.

ويتجسد أيضاً إيمانه وأمانته بحفظ الوصايا، في احترام حقوق كل إنسان وكرامته، لاسيما وصية محبة إخوتنا البشر بلا استثناء على مثال محبة الله لنا. إنَّ متطلّبات هذا الحب يلحظها في دقائقها ذاك المسيحي المتجرد من أنانيته والمنصت بانتباه لصوت الله ونداء إخوته. ومن هُنا سرّ اجتماع الكنيسة وسرّ الافتقاد والعطاء لكل محتاج، ومن هُنا يظهر أيضاً احترام عقائد الآخر وتقدير كل أحد والحفاظ على حرية الآخرين بدون اقتحامها أو التدخل في أمور الغير [ فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو متداخل في أمور غيره ] (1بطرس 4: 15)

+++ قانون الإيمان :

الموضوع بإلهام الروح القدس، ليس بعقيم، بل يُعلن أن ديانتنا ليست مجرد أقوال، بل هيَّ يقين وموقف حياة. لذلك نحن بحاجة إلى سماع وترداد قانون الإيمان كل يوم وعدة مرات في اليوم، صباحاً ومساءً وفي صلاة النوم وفي أثناء الليل. لا غنى لنا عن ترداده مراراً وتكراراً إن أردنا تأكيد وجدودنا..
فلا بُدَّ من أن نكرره مراراً كثيرة لنُعلن ارتباطنا بالله وتعلّق عقلنا ونفسنا وكياننا كله تعلّقاً مطلقاً بمن هوَّ عمق حياتنا، ليميل بكياننا بماثلة كيانه في المحبة والقداسة..

قانون الإيمان هوَّ ترنيمة يجب إنشادها على الدوام، كما يقول القديس أغسطينوس: [ أتلُ قانون الإيمان كل يوم، صباحاً ومساءً. أتله لنفسك أو بالحري لله.. ردده دون انقطاع.. ألا ترتدي ثوبك كل يوم؟ انك عندما تتلو قانون الإيمان يرتدي قلبك رداء الله ]

..ونحن على يقين تام من طبيعة الله الثالوث القدوس. ولسنا بحاجة إلى براهين عقلية لإثبات يقيننا أو تفسيره. فالله مصدر وجودنا وخلاصنا.
ولا شك في أن المسيحية في العصور السابقة لجأت إلى براهين وتفسيرات لإثبات عمل الله في الخلق والتجسد والفداء، وأيضاً دافعت عن إيمانها ضد الهراطقة وأقامت مجامع ووضعت قوانين وأضافت وتوسعت في المفاهيم والطقوس، وبذلك قد تجمعت لديها تلال ضخمة من المفاهيم الفكرية، ومتاحف برمتها من الألفاظ اللاهوتية.

وينبغي لنا أن نعرف أنه عندما حاربت الكنيسة الهرطقات التي حاولت تغيير رؤية الكنيسة لكيان الله وجوهره لم تكن الكنيسة تُحارب موضوعاً عقيماً لمجرد صراع ضد أشخاص لا ترتاح لهم الكنيسة – كما يراه بعض الناس غير المدركين لمسؤولية الكنيسة الموضوعة عليها – كما أنها لم تُبدد طاقاتها في الصراع ضدّ موضوع تافه – كما يراه المنفعلون نفسياً والسطحيين الذين يريدون أن يحيوا على هامش الكنيسة والكتاب المقدس ولا يريدون أن يدخلوا إلى العمق حسب مقاصد الله – وإنما كانت الكنيسة تُصارع في سبيل الاحتفاظ بالرؤية الصحيحة والسليمة لله ولكيانه، الذي بدونه لا يُمكن أن تتحقق صورة الله في الحياة الإنسانية، حسب قصده، ولا يُمكن أن يكون للكنيسة وجود خاص على صورة الله.

والآباء في لاهوتهم، ليسوا كالفلاسفة، فقد كان لاهوتهم رعائي. وهؤلاء مثل أغناطيوس الأنطاكي وإيرينيئوس وأثناسيوس الرسولي.. الخ، قد استوعبوا حقيقة الله وجوهره من خلال الخبرة الكنسية الواعية على أساس الإيمان المسلّم مرة من القديسين المستمد من رأس الجسد المسيح الواحد، ومن خلال اختبار الحياة الجديدة في المسيح التي تؤهل الإنسان لأن ينال الكيان الكنسي.

فلاهوت الآباء لم يكن مجرد فلسفة أو رؤية خاصة أو علم دراسي حسب قدرة كل شخص فيهم ورأيه الخاص والشخصي كما اليوم، وإنما كان اختباراً كنسياً للكيان الكنسي الذي نحصل عليه بالانضمام للكنيسة والذي يجعل وجودنا في هذه الحياة ذو دلاله خاصة لأنه وجود كنسي قائم على جسد حي فوق الزمان والمكان والأوطان الأرضية، أي جسد المسيح، لأن الكنيسة هيَّ جسد المسيح الحقيقي الذي فيه جميع المؤمنين من أي مكان في بقاع العالم أو في أي زمان في التاريخ الإنساني كله..

ولن تتوقف المسيحية قط على مر العصور كلها – وإلى اليوم – عن السعي الدائم لإيجاد طرق عقلية ونفسية وعلمية تُعَبّر بها عن خبرة سرّ الله. ولكنها في الوقت نفسه ستتمسك بيقين مطلق بالوحي الذي يُعبّر عنه قانون الإيمان، أي بتلك الحقيقة المخطوطة على كَبد الشمس.
وعندما تبحث الكنيسة عن تعبير فلسفي أو مصطلح قانوني، لا تُعَلّق إيمانها ولاترتاب في يقين ما تؤكده. إنها تتقلب – بوعيٍ تام وإفراز وتمييز روحي عميق – في مختلف الأفكار والتعابير القديمة والمستحدثة بغية استجلاء خبرتها لسرّ الله، ولكن دونما خوف من أن ما سيبلغه العقل قد يُناقض إيمانها، طالما العقل مستنير بنور المسيح الرب الحياة الذي يشع في الكنيسة مجده الخاص الظاهر في كل من يحيا على هذا المستوى، أي على مستوى الإيمان الحي!!

ولنا أن نعرف: أن الصِدامات العقائدية التي شهدتها عصور المجامع المسكونية، سعياً إلى الحقيقة، لم تكن دفاعاً عن أية معرفة نظرية منفصلة عن التدبير الخلاصي، مثل ما هو حادث اليوم للأسف، لأن اللاهوت انحصر في الفكر بدون اتصاله بالرعاية الحقيقية والصحيحة بحسب توجيه الروح القدس الذي يقود الكنيسة.
بل كل الصدامات العقائدية كانت عبارة عن محاولات لاستكشاف طريق الخلاص استكشافاً عملياً بالدرجة الأولى، وللجواب عن أسئلة تتعلّق بالحياة والموت؛ وهذا يُسمى لاهوتاً متخذاً اتجاها ثقافياً تعليمياً، بألفاظ مقننه ومختارة بدقة، وهذا اللاهوت يصبو إلى سبيلاً علمياً وعملياً للإتحاد بالله!! وهو لاهوت تطبيقي عملي للحياة وليس مجرد لاهوت نظري كما نسمع اليوم…

والآباء هُنا كانوا يتميزون “باللاهوت الحي السري” أي “لاهوت السرّ” أي ذاك الذي لا نعرفه إلا بالوحي مِن قِبل الله بإعلان، وبالتقبل والمشاركة من قِبَل الإنسان، بعكس ما نبلغه من معرفة بالتفكير الدماغي وحده.
فسمو الله، يُستخلص منه أن لا مجال إلى معرفته من الخارج وأنه لا يُمكن السعي إليه إلا انطلاقاً منه ومن الوجود فيه ومن تحسس قربه منّا، وبقدْر ما تمسنا قُدراته المؤلهة [ شركاء الطبيعة الإلهية..] (2بطرس 1: 4)
وعلى هذا الضوء نتبين أكثر، عمل الصلاة في التحديد الذي يُعطيه القديس إيفاغوريوس البنطي للاهوت إذ يقول: (( إذا كُنت حقاً مصلياً، فأنت لاهوتي، وإذا كُنت لاهوتياً فستكون مصلياً حقاً ))

فاللاهوت هوَّ طريقة سرية تقود إلى الوحدة مع الله أي الاتحاد به، وهيَّ قريبة بطبعها من سرّ الإفخارستيا، وبالتالي هيَّ الاكتمال الإفخارستي للكلمة بتتميم السرّ نفسه.
ففي رؤية الآباء، يبرز اللاهوت بوصفة خدمة ينتدب لها الله من يشاء [ وبينما هم يخدمون الرب ويصُومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه (أعمال 13: 2) ] إذ لا يُمكن أن يعرف الله إلا من علَّمه الله، ولا سبيل لمعرفة الله إلا الحياة فيه، ويقول القديس غريغوريوس النزيزى: [ فالكلام عن الله شيء عظيم، إلا أن تنقية ذواتنا لأجل الله شيء أعظم ]، وهذا ما تعتبر عنة طروبارية الساعة التاسعة أيام صوم الأربعين المقدسة عند الروم الأرثوذكس: [ لقد ظهر صليبك بين اللصين ميزان عدل، فهبط الواحد إلى الجحيم بثقل التجديف، وارتفع الآخر من الزلات إلى معرفة اللاهوت. أيها المسيح الإله المجدُ لك. ]

فاللص التائب لاهوتي من الدرجة الأولى، لأنه خَبَر الله مباشرةً وعرفة وارتفع إليه بالصلاة.

والدعوة إلى اللاهوت تحثنا على تجاوز محدودية علم موسوعي محض بالإيمان، لأن اللاهوت ليس علماً يعتمد على العقل الطبيعي وإنما جذوره في نور الكلمة، والآباء في تعليمهم، يبرزون أنكار الذات وحمل الصليب على أساس أنه المدخل إلى علم اللاهوت، ويبرزون الصلاة على أساس واقع يعيشه الفهم وينفتح على الوحي الباهر الذي يفيض به الله فيتقبله المُصلى خاشعاً، و يعوزنا الوقت والورق لنكتب عن خبرات الآباء وأقوالهم في هذا الاختبار الرائع..

..عموماً،أدرك الآباء إن هُناك عجز نابع من مفارقة مدهشه وهيَّ الأزلي الأبدي والمحدود الزمني.
وليس الكلام هُنا على ضعف الإنسان الطبيعي فحسب، وإنما على العمق الذي يعجز التعبير عنه، عمق الجوهر الإلهي الفائق الإدراك. فالله غامض[1] لا يُمكن إدراك طبيعته، (( عظمتك مختبئة فيك )) حسب تعبير قداس يوحنا بن الرعد.
فالله يُمكن أن نتكلم عنه بنعم أو بلا؛ فيُمكن أن أقول: ما هوَّ الله، ما هيَّ صفاته
وأن أقول: ما ليس الله وما لا ينطبق عليه !! وبالطبع هذا يستلزم معرفته والدخول في شخص المسيح الكلمة المتجسد بسر الإيمان وعمل النعمة …

فالله وراء كل الموجودات فأعرفه أن شبهته بالموجودات، لأن كل ما هوَّ موجود يُعبر بصورةٍ ما عنه لأنه خلق جميع الأشياء: [ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أمورهُ غير المنظورة تُرى مُنذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته.. ] (رومية 1: 19و20)
(وفي هذه الآية يأتي فعلين مرادفان “تُرى”، “مُدركة”، فأعمال الله في الخليقة ومصنوعاتها تُرى بالعين وتُفهم بالعقل. ولكن من خلال هذه الرؤية العينية يتم إدراك آخر واعٍ بالروح يظهر فيه الله بعظمة وهيبة لاهوته كخالق.)[2]
.. وأعرف الله أيضاً إن أنكرت ما هوَّ دونه أو ما ليس لهُ،[3] أو ما لا ينطبق عليه، فبالتقرير أعرفه وبالجهالة أعرفه!!
أي من خلال آثاره في الموجودات أعرفه وأيضاً بنكران الحسيات والمعقولات أستطيع أن اتحد – بالنعمة – مع من كان فوق كل كيان وكل علم ومعرفة.

بالتطهير والقداسة نصل إلى المجهول[4] الذي لا نعرفه بكل قدراتنا الخاصة، إلى سُكنى من كان فوق كل الموجود في داخلنا. فنحن مع الله، هذا يفوق كل إدراك وكل تعبير وكل موجود. والإنسان في هذه الحال غريب عن كل شيء وحتى عن نفسه (الساقطة والضعيفة) لأنه أصبح خارج طبعه[5] ومتحد بخيرٍ ما، فوق السمو عنده، متحد بمن يعلو فوق كل علو، ومن يسمو فوق كل سمو، ومن يفوق بطبعه كل معرفة أو فحص أو إدراك. وهذا هو اللاهوت التنزيهي. أُنزه الله عن كل الموجودات وعن صفات كل موجود أو الصفات التي أدركها بعقلي ومعرفتي، وهكذا أرتقي إليه وعندئذٍ أعرفه بالحب!

لا شك أن هُناك الطريقة التقريرية، أي الذي أُقرر فيها شيء عن الله، وهي طريقة المواقف، أي موقف حدث كخبرة بيني وبين الله ومن خلالها استطيع أن أُقرر شيئاً عنه، لأنه كشف لي ذاته بيقين، وأعلن لي ما هو فيه، وبالتالي استطيع أن أقول شيئاً عنه بإقرار صحيح يتفق مع الكتاب المقدس ومضمونه، وهذه سُلم نازلة من فوق، أي هذه هيَّ ظهورات الله لنا: الله يُظهر لنا ذاته أي يكشف لنا ذاته، لذلك يُمكن أن نُقرر عنه شيئاً.

  • ولكن كما قال القديس ديونيسيوس الأريوباغي: [ في ناسوت المسيح الفائق الجوهر، ظهر في الجوهر البشري – هذا نزول إلينا فنستطيع أن نُقرر عنه شيئاً – ولكنه ما زال خفياً، بعد هذا الظهور أو في هذا الظهور نفسه (فلا نستطيع ان نُقرر كل شيء أو نتكلم عن الجوهر الإلهي الفائق في كماله) ]

وهذا ما يجعلنا لا نستطيع أن نُقرر شيئاً إلا بالسلب وهذا هوَّ اللاهوت التنزيهي. فالألوهية التي تفوق الجوهر في المسيح بعد التجسد بقيت خفية – سرية – بالرغم من الظهور أو في هذا الظهور عينه.

والظهورات الإلهية تظهر الله فيما ليس هوَّ عليه، بل حسب ما يُمكننا أن نستوعب لنتقرب منه، ومثال ذلك يكفي أن ننظر إلى سفر الرؤيا لنعرف ذلك.

ومثلاً أيضاً، أسماء الله، هيَّ صفات الله،[6] وليست معلومات عقلية، أو مجرد مفاهيم تُعطينا علماً إيجابياً عن طبيعة الله، ولكنها صور لتُكيف قوانا العقلية وتقودنا إلى رؤية ومشاهدة وإدراك على نحوٍ ما، من يفوق العقل بالإيمان، وهذا التأمل النابع من الإيمان بالله الحي الحاضر يجعل العقل والقلب يتفرس في الله برؤيا تتسع يوماً بعد يوم، وذلك على قدر نمو الإيمان والمحبة في القلب، وعلى قدر نقاوة القلب وطهارته بكلمة الله.

ولذلك إن ظننا إن الله عظيم على طريقة عظماء هذا الدهر أو أن الله صالح ولكن صلاحه خير بكثير من صلاحنا، فنحن نكون مُخطئين جداً وبالضرورة، بل وأننا لم نصل بعد إلى الإيمان الحي الحقيقي، الذي يُعطي رؤيا حقيقية لله؛ فالله صالح أو مُحب..الخ، بطريقة ما، تفوق العقل ومدركات البشر كثيراً جداً، وتُعرف بالخبرة وحدها أي بالعشرة والشركة مع الله الحي..

لذلك هذه الأسماء أو أية صفة لله، إنما هيَّ درجات نرتقي عليها عن طريق التصور أو بمعنى أدق التأمل = الرؤيا الإيمانية، لنصل إلى المجهول الذي لا نعرفه، لنصل إلى الاتحاد، لنصل للالتصاق به.
وهذا ما يقودنا إلى القول بأن الكتاب المقدس فيه آيات تجعلنا نقول أن الله يُدنى منه أي نستطيع أن نقترب إليه، وآيات تجعلنا نقول أن الله لا يُدنى منه ولا نستطيع أن نقترب إليه.

وهذه هيَّ الطريقة التقريرية التي تجعلنا ننزل من فوق إلى أسفل أي نُقرر حقيقة قد رأيناها بسبب قرب الله الذي تنازل إلينا بمحبة، فنستطيع أن ننطق ونتكلم[7] عن الله حسبما كشف لنا عن ذاته.

وهُناك طريقة التجريديات أي تجريد الشيء أي طريقة التنزيه، فنصعد من الموجود إلى الألوهية غير القابلة للإدراك. ومن هذه الناحية، الناحية التجريدية أي التنزيهية ليس الله واحدً عددياً، هوَّ فوق التمييز بين الواحد والمتعدد، لأن الله في المفهوم الإيماني ليس وحدة عددية!!
بل هوَّ الأسمى من السمو ذاته، هوَّ الثالوث القدوس المطلق، والثالوث القدوس ليس مفهوماً حسابياً، بل هوَّ الله الذي أعلن لنا ذاته وأظهرها لنا ثلاثة أقانيم في جوهر واحد. هذا هوَّ الوجه الذي يُعَبِرّ به عن نفسه للإنسان،[8] أو الذي فيه أعلن نفسه للإنسان. فالله في حقيقته كما أعلنها لنا ثلاثة أقانيم ولكن في نفس الوقت لا نستطيع أن نقول أن الله واحد عددياً أو الله ثلاثة في نفسه، أي أن الله ليس واحداً و أثنين أو ثلاثة..الخ. كل مفهوم الحساب لا يُمكن أن ينطبق عليه. فالله ليس واحداً أو ثلاثة عددياً، فالله ليس مثله شيء.

إن المفاهيم التي نكونها عن الله حسب عقلنا البشري وبالاستناد إلى التصور العقلي الصرف، فهذه كلها تُعتبر أصنام صنعها عقلنا عن الله، لأنني لن أستطيع أن أصور الله حسب مفهومي ورؤيتي الخاصة، فالنفس ترتقي من مفهوم لمفهوم كالعروس في نشيد الإنشاد التي تطلب من لا تستطع الوصول إليه وهيَّ تعي تماماً إن الاتحاد لا نهاية لهُ والارتقاء لا حد لهُ.

يقول القديس إغريغوريوس النزينزي بلسان موسى في تأمل بديع: [ كنت أتقدم لأعرف الله ولذلك انفصلت عن المادة وعن كل ما هوَّ جسدي، جمعت نفسي ما استطعت في داخلي وصرت أرتقي إلى قمة الجبل.[9] ولكن عندما فتحت عيني، بصعوبة استطعت أن أراه من خلفه لأنه كان مغطى بالحجر أي بناسوت الكلمة المتجسد من أجل خلاصنا. لم أستطع أن أتأمل الطبيعة الأولى والكلية النقاوة التي لا يعرفها إلا نفسها أي الثالوث القدوس لأني لا أستطيع أن أتأمل ما هوَّ وراء الحجاب الأول الذي يخفيه الشاروبيم، ولكن أستطيع أن أرى ما ينزل إلينا، البهاء الإلهي الذي يجعل نفسه منظوراً في المخلوقات. ]

فاللاهوت من هذه الناحية ليس معلومات عن الله ولكنهُ خبرة ما يفوق العقل أي إشراق الله على عقل الإنسان بالنعمة فيصير المصطلح اللاهوتي نور النفس وإشراق للعقل، فيصبح عقل الإنسان مستنير بنور الله، بل والنفس أيضاً تشع نوراً، فتتحول المصطلحات اللاهوتية من مجرد معلومات وأفكار عن الله إلى إشراق نور النعمة وفرح القلب الذي رأى الله في داخله ففرح جداً وابتهج للغاية فانطلق ينطق بمجده ويُخبِّر عنه..

وعلى ذلك لنا أن نُدرك أنه ليس لاهوتياً من يحمل شهادة من معهد لاهوتي،[10] فاللاهوتي الحقيقي – في الأساس والجوهر – إنسان يحيا حياة التوبة، ويحيا في حالة تجديد دائم ومستمر بقوة المعمودية المقدسة ومسحة الميرون وقوة الإفخارستيا ونور الإنجيل المقدس والصلاة المستمرة والصوم المقدس..
وطريق التكلم بالإلهيات هوَّ التأله نفسه أي اتحادنا بالكلمة أي بشخص المسيح كلمة الله[11] بالتقديس وتكريس القلب، ولذلك أعطت الكنيسة اسم لاهوتيين إلى أشخاص لم يدخلوا معاهد جامعية مثل: القديس يوحنا الرسول والقديس غريغوريوس والأنبا أنطونيوس الكبير والأنبا مقاريوس الكبير… وغيرهم، من الذين امتلئوا من الروح القدس وتشبَّعوا من النور الإلهي الذي أشرق عليهم بإشراقات نوره البهي..

عموماً مما سبق نستطيع أن نفهم ونُدرك ما هوَّ لاهوت الآباء الشرقيين، أي اللاهوت التنزيهي، فالطريق السلبي[12] أو التنزيهي، على حدّ التعبير العميق الذي للأب دوليباك، ليس إنكاراً، كما أن السلبية هي الدواء الوحيد للعجز عن التعبير إذ تُرغم على التسامي. ولذا فليس هيَّ من قبيل التصحيح البسيط، وليست دعوة إلى الفطنة، أو دعوة لاستخدام مفهوم جديد أو لفظٍ جديد، إنما هيَّ بلوغ لله الحي، هيَّ دعوة لتذوق الله “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”.
فالعبارات التي نصف بها الله أنه ” الأكثر صلاحاً” أو “الأكثر حضوراً”..هيَّ نفي وإيجاب في آنٍ واحد، فهيَّ تحمل نوعاً ما من وصف لمن لا يُمكن إدراكه، وصفاً يقع في خبرة تُنشئ الوحدة. فنحن نقرّ بحقيقة الله بقربه منا فنراه صالح، ولكننا حينما نقترب إليه نجده صالح ليس على مستوى علمنا ومعرفتنا، بل نجده يفوق في صلاحه كل ما نعرفه عن الصلاح، فيصير لنا أكثر من صالح، لذلك ندعوه بأنه أكثر صلاحاً، وهذه اللفظة لا يُمكن أن تخرج من قلبنا إلا إذا اقترب منا الله واقتربنا منه، وهذه هيَّ الخبرة..

عموماً كُلَّما اختفى الله في سمو كيانه أمكن اختباره في قُربه الداخلي بصفته حاضر وقريب، متجسد، ولكنه في داخلي يُنير عقلي ويشُدني إليه.
[ والكلمة صار جسداً وحل بيننا (فينا حسب النص اليوناني) ورأينا مجده..ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا نعمة فوق نعمة ] (يو1)
هذا هوَّ المقصود باللاهوت السلبي أو التنزيهي، الذي نُعبر به عن إيماننا الحي ذو الخبرة الواعية بالله، وإزاء هذا اللاهوت نجد إننا لا بُدَّ أن نَعبُرّ هِوة سحيقة بين المحدود وغير المحدود، بين الزمني والأزلي، بين المُعبرّ عنه وغير المُعَبرّ عنه، فنلتقي بالله في انسجام عَبر المسيح الرب في الروح القدس، وهذا هوَّ قصد الآباء في لاهوتهم السلبي. فمثلاً – كما قلنا سابقاً – عندما يُعَبرّ القديس كيرلس الكبير عن التجسد قائلاً: [ اللاهوت اتحد بالناسوت بطريقةٍ ما، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ] فلا يُمكن أن نسبُر غور التجسد ونفهم هذا الاتحاد بحسب قصد القديس كيرلس الكبير، إلا بالعبور، من عالم إلى عالم، من الذي يُرى إلى الذي لا يُرى، من المنظور للغير منظور، فنُدرك العمق بالمشاهدة السرية الفائقة الشرح، وهذه المشاهدة هيَّ الإيمان عينه.

[ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهيَّ مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً ] (1يوحنا 1: 1-4)

وهكذا يكون المسيحي الحقيقي، الذي يعيش الفضائل الإلهية، الإيمان والرجاء والمحبة، يشتاق ويستمرّ في الشوق لمعرفة أدق لله، تحوَّله من الداخل، وتوطّد اتحاده بالله، وتجعله بالتالي أقدر على المحبة. وإذ يسعى ليجد الله، الله هوَّ الذي يجده؛ وإذ يسعى إلى الحقيقة الإلهية فهيَّ التي تسود عليه وترفعه إلى مستواها.
لِذا يقول القديس إغريغوريوس النيصي: [ أن تجد الله يعني أن تبحث عنه بلا انقطاع.. والحقّ أن من لا يشبع من الشوق إلى الله فهوَّ الذي يعرف الله.. فالله هوَّ من يُبحث عنه أبدا ]

  • عموماً وباختصار:

إن اللاهوت التنزيهي، كأسلوب هوَّ الذي يُعلّم الموقف الصحيح الذي يجب أن يقفه كل لاهوتي، أي كل من يؤمن إيمان حقيقي؛ فإننا لا نتفلسف وإنما نتغير، وهذا التغيير الدائم يكون لصورة الله، أي التشبع بشخص الكلمة حتى نصير معهُ واحداً: [ نتغير لتلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ] (القديس بولس الرسول)
وفي هذا التحول المستمرّ الدائم، يُشاهد الإنسان بعقل مستنير بنور الحق الإلهي: الثالوث القدوس الواحد الوحيد الله محب البشرّ، أي يرى الله ثالوث وأيضاً يراه الله الواحد في أنٍ معاً، هذا الذي من شأنه أن يبقى خفياً في تجليه لذاته!!

وهذه الخبرة اللاهوتية لا تُمارس إلا بالصلاة التأملية الرؤيوية، التي هيَّ ثمرة الإيمان والمحبة!!
إلاَّ أنها أي الصلاة، تُغذي بدورها هاتين الفضيلتين وتقوياهما، وبالتالي تزداد الصلاة كمالاً، حتى تُصبح النفس أقرب إلى الله.

لكن هذا الأمر لا يتمّ بفعل جُهد الإنسان، بلّ بفعل الروح القدس، الذي يُحوّل النفس المؤمنة من الداخل، وهيَّ بدورها تطيع عمل الروح القدس بمساهمة حُرة ومسئوله.

عموماً الكل يشترك في هدف واحد هوَّ الامتلاء من الله والاتحاد به، عن طريق الصلاة التي لا يُمكن لغيرها أن يُهيئ قلب ووجدان الإنسان لاستقبال شخص الله الكلمة، والصلاة بعمقها هذا تبقى مرتبطة بالحياة والعمل، وليست تهرباً من الواقع والمسئولية فهيَّ إذ توحدنا بالله، تجعلنا أكثر قدرة على محبة جميع الناس مهما كانوا وأينما كانوا..

هذا هوَّ عمق الإيمان العقائدي، الذي يضع مسئولية على عاتق كل مسيحي إذ ينبغي أن يكون ذاك الوجه الذي يظهر به الله اليوم لبني جيلنا هذا..
___________________

[1] المقصود أن الله غير مُدرك للإنسان بسبب عظمة طبيعته وتفوقها وتميزها.
[2] أنظر تفسير رومية للقمص متى المسكين ص165
[3] مثال ذلك قول القديس كيرلس الكبير (اللاهوت اتحد بالناسوت بطريقة ما، بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير) ومعنى بغير هوَّ المقصود به ما هوَّ ليس لهُ أي ما ليس لله.
[4] طبعاً الله ليس بمجهولٍ أبداً ولكن المقصود هُنا هوَّ أنه مجهول بالنسبة لمعرفة الإنسان.
[5] طبعاً المقصود هنا ليس تحول طبيعة الإنسان ولكن المقصود هوَّ خروج الإنسان من سلطان طبيعته المتسلطة عليه أي غير مشدود للأرض أو خاضع لفحص العقل ومدركاته الطبيعية إذ قد امتلاء من روح الله الغير قابل للفحص أو الإدراك، فيترك الإنسان نفسه في يد الله باستسلام عجيب غير مهتماً بالفحص بل مهتماً بالله أكثر من أي شيء آخر، بل يصبح مشدوداً إليه بالقلب والعقل وكل كيانه….
[6] طبعاً أسماء الله ليست مجرد صفات للمعنى الدارج للكلمة فهيَّ تُعبر عن الله بشخصه، أي كشخص وليست مجرد صفة!!
[7] بالرغم علمنا أننا نتحدث بما لنا أي بلغتنا الضعيفة التي لا تستطيع أن تُعبر عن الحقيقة في كمالها!!
[8] ونحن نعلم بالطبع أن الثالوث القدوس ليس مجرد تعبير بل هوَّ شخص الله نفسه الواحد المثلث الأقانيم!!
[9] يتكلم عن صعود موسى إلى الجبل عندما أخذ الشريعة.
[10] طبعاً الدراسة مهمة للذين وهبهم الله حب الدراسة وهي وزنة لديهم ليعملوا بها، ولكن من المهم هوَّ أن لا تكون الدراسة مجرده من الإيمان الحي وعمل الله وإشراقات الله الرائعة على القلب والفكر، فمباركة هي الدراسة التي تُمزج بالإيمان ومحبة الرب من كل القلب والفكر والوجدان، فالمصطلح اللاهوتي لن يبقى حبيس العقل بل سيتحول لقوة نور إلهي يفتح البصيرة ويقوي النفس ويُشعل الحب، وذلك ليس فقط للإنسان الدارس بل لكل من يرى فيه نور النعمة..
[11] وطبعاً المقصود هوَّ أننا نصير مع الله واحد وليس تحول طبعنا إلى طبيعة الله أو طبيعة الله إلى طبيعتنا. والله أعطانا طريقة الاتحاد به وهوَّ من خلال أروع سرّ أعطاه لنا هو سرّ الإفخارستيا وسرّ الكلمة، والصلاة.
[12] طبعاً المقصود ليس اللفظة في حد ذاتها بل المقصود أننا كيف نُعَبرّ عن الله بأدق ما يُمكن أي في إطار الخبرة وإعلان الله عن شخصه، عموماً آن الأوان أن نسمو فوق اللفظ، ومهما كانت المسميات واختلفت فالمعنى المقصود واضح على ضوء ما قلناه سابقاً،

_____________________________

(4) كيف نفهم العقيدة:

إن أردنا أن نعرف شيئاً عن المسيحية، يجب أن نعرف أن المسيحية كل عقائدها متضادة ولم تكن متناقضة قط مع نفسها، بل وتُعتبر مُعضلة حقيقية وغير مفهومة بل وأحياناً تُسبب إشكالية أمام العقل الغير مستنير ومتسربل بالنعمة، وقد تكون حجر عثرة وصخرة شك [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله (2كورنثوس 4: 4) ]: فنحن نُقرر أن الله واحد ونقرر أنه ثالوث! نُقرر أن الله يُدنى منه ونُقرر أنه لا يُدنى منه، وذلك كله بآنٍ واحد! وهذا ليس تناقضاً ولكنه تضاد..

فهذه الأقوال يجب أن تُقال معاً بآنٍ واحد، وإذا قيلت معاً فالحقيقة هيَّ بالتقائها. فالحقيقة هيَّ بجمع المتضاد، ولكن الجمع بين المتضاد لا يتوفر للإنسان على المستوى العقلي، ولكنه فوق العقل، لا يأتي بالشكل المنظور في حسابات بشرية دقيقة، بل هو قفزة من المنظور للغير منظور، نقله من الأرض للعلو السماوي، وهذه القفزة لا تأتي على حساب قدرات بشرية ولا حسب طاقة إنسانية، بل هي قفزة تأتي بقوة الله بالإيمان الحي، فالحقائق المسيحية كلها لا تُدرك إلا بالحس الروحي الذي بالإيمان، بخبرة لقاء الله في الصلاة والكلمة والإفخارستيا وممارسة الأسرار المقدسة التي ترفعنا لله حسب مسرة مشيئته، بعلاقة الحب بيننا وبين الله، التي تظهر في طاعة وصاياه.

إننا نجد في العقيدة، إن الكنيسة منظورة وغير منظورة بآنٍ واحد. هذا أيضاً تقرير لاهوتي متضاد. وأسرار الكنيسة مادية وغير مادية في نفس ذات الوقت، فكيف تجمع المادة ما هوَّ ليس مادة ؟!! ( هذه ليست فلسفة جديدة نعتنقها ونطرحها للمناقشة ولكنها عقيدة حية قوامها وسرها الله الذي نتمتع بها برؤية الإيمان الحي بعقل مُستنير ناظر الله)

إذن نستطيع أن نخرج بنتيجة وهيَّ:
إن مفتاح اللاهوت المسيحي كله هوَّ الإيمان بشخص الرب يسوع المسيح، إيماناً قلبياً واعياً، فيه يُصبح الرب يسوع المسيح نفسه هوَّ الشارح [1] للاهوته بفتح ذهن متلقي العقيدة وأسرار الكنيسة من الله الحي بالإيمان:[ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب ] (لوقا 24: 45)

  • أي أن يؤمن الإنسان بشخص الله إيمان حقيقي وعلامته الطاعة لوصاياه. وبذلك يستمتع بفتح الذهن وفهم الكتب!!

عموماً أن كل الدراسات التي يأتيها الإنسان لمعرفة العقيدة الإيمانية، بل وحتى كل المبادئ التي يستقرّ فيها الإنسان ذهنياً فيما يختص بلاهوت المسيح تظل واقعة تحت الظلمة العقلية الكثيفة – مهما كان العلم على درجة دقيقة من الصحة [2]– إلى أن يدخل المسيح بشخصه داخل القلب فينيره، وحينئذٍ تتبدد الظلمة وتُستعلّن الحقيقة، بدون أي جهد أو برهان: [ أنا هوَّ نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ] (يوحنا 8: 12)
كما لا يُخفى على الإنسان أن التعبير عن الحقيقة الإلهية المعلَّنة في شخص الرب يسوع المسيح وحياته، بلّ وكل الحقائق الإلهية على وجه العموم، من العسير غاية العُسرّ أن توضحها للعقل الكلمات والمصطلحات بنفس القدر التي تكون فيه واضحة للقلب.

فإنه على قدر ما يكون الإنسان في أقصى حالات النشوة الروحية والاستعلان والرؤيا القلبية، بقدر ما ينحصرّ الفكر ويعجز اللسان عن التعبيرّ والوصف: [ أعرف إنساناً في المسيح.. اختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا يُنطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها ] (2كورنثوس 12: 2 – 4)

لذلك، كان من النتائج الواضحة والحتمية لهذا القصور في التعبير عن الحق الإلهي الكائن في شخص المسيح الكلمة، أنه أصبح من الصفات اللازمة للعقيدة المسيحية، فكان اعتمادها الأساسي على الإلهام الذي يتدفق في القلب بمجرد قبول شخص الرب يسوع المسيح، لذلك بعدما تجد الكنيسة أن المسيح الرب ملك على القلب تُسلم أولادها علم اللاهوت دون خوفٍ من كبرياء أو تعالي يُصيب القلب، لأن المسيح النور الحقيقي بشخصه في القلب يسكن، وروحه القدوس يُعطي الرؤيا والإلهام والفهم الواعي في عقل مستنير وقلب مستقيم، لتتحول المعرفة لحياة، فيخرج التعليم مُعاشاً قبل أن يكون كلاماً وألفاظاً، لذلك نجد أن المعلم الأمين الذي تذوق عمل الله ونال الموهبة السماوية، فهو يعمل أولاً ثم يُعلِّم، ولكن تعليمه ليس جامداً متمسكاً بالحرف الذي يقتل أو يدخل في جمود الفكر متمسكاً بلفظ يُعادي به الآخرين، بل بحرية وإلهام يشرح بألفاظ متنوعة، وقد يحفر ألفاظاً لاهوتية وروحية جديدة بالروح عينه الذي ألهم الآباء، فتظهر قوة عمل الله فيه، هذا الذي لا ينقطع من جيل لجيل، فيظهر أن إلهام الروح لا يتوقف قط في أي عصر أو زمان، لا بالمنطق بل بالروح والقوة في حياة مقدسة تعلن مجد الله الحي فيه، بل وتظهر مع الأيام والنمو ملامح الله الحي فيه.

  • وسؤلنا الآن:

ما هوَّ هذا الإيمان الحي؟ ما هيَّ أصوله؟ ما معناه؟ كيف نحيا به؟ كيف نناله؟

سوف نبحث حسب قصد الله في الكتاب المقدس، الذي فيه يُستعلن سرّ الله وقصده، علنا نَسبرّ غوره، فننال قوته ونحيا به بكل أصالة، لنرضي الله، لأنه بدون إيمان لا يُمكن إرضاؤه، ونُميز بين الإيمان الحي الذي ينمو، الذي هوَّ حسب عطية الله وقصده الذي فيه طاعة مطلقه لله وتنفيذ وصاياه بكل لهفة وحب صادق، وبين الإيمان الميت الجامد الذي هوَّ حسب الناس، البعيد كل البعد عن حياة الطاعة والبذل والعطاء والاكتفاء بالشعارات والكلمات المزوقة، والتفلسف والانفعال النفسي الذي يجعل الحياة في تقلب وعدم استقرار روحي أصيل !!

وينبغي لنا أن نعلم إننا لا نُريد أن نتفلسف أو نضع مبدأ جديد، أو إننا إزاء موضوع عقيم قدّ عفا عليه الزمان، أو موضوع معروف عندنا وسمعنا عنه الكثير ونُريد موضوع جديد وفكرة جديدة، لكننا الآن نبحث عن الأساس الذي تُبنى عليه حياتنا كلها، فالمؤمن الحقيقي يزداد إيماناً، والغير مؤمن يضع قدميه على الطريق طالباً من الله أن ينال هذا الإيمان الحي الفعال بالطاعة، مُميزاً ما هوَّ من الله وما هوَّ من العقل البشري الجامد الغير مستنير والذي لا ينظر الله.

إننا – في الواقع – نبحث عما فُقِد في زماننا وجيلنا هذا، الذي معظمه وغالبيته العُظمى يحيا حياة انفعالية عابرة تتسم بالسطحية والبرودة والاكتفاء، وعدم التدقيق، فقد فقدنا في هذا الزمان – للأسف – كل أبعاد الحياة الروحية الأصلية والأصيلة واكتفينا بالفلسفة وكثرة المعارف بدون أن نحيا ما نقوله، أو يظهر فينا قوة الإيمان الحي الذي نتكلم عنه كثيراً، ويكفي أن نُلقي نظرة على شباب الكنيسة، وأيضاً على خدامها وسلوكهم ومعرفتهم !!! وأيضاً على حال معظم الشعب الذي عند أدنى مشكلة يخور إيمانه ويحزن ويكتأب كأنه بلا رجاء، وكف عن أن يسمع صوت الله الحي الذي قال للتلاميذ حينما خافوا: [ ثم قال لهم أين إيمانكم فخافوا وتعجبوا قائلين فيما بينهم من هو هذا فانه يأمر الرياح أيضاً والماء فتطيعه ] (لوقا 8: 25)، وللأسف بسبب ضعف التعليم وكثرة الشعارات والكلام بدون حياة، وقلة المؤمنين الأحياء بقوة الله يُسلَّمون الإيمان الحي فلم تُفتح عين الناس بعد ليروا أن من هو معهم أقوى من الذي عليهم:

  • [ لا تخف لأن الذين معنا أكثر من الذين معهم ] (2ملوك 6: 16)

  • [ جميع عظامي تقول يا رب من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه والفقير والبائس من سالبه ] (مزمور 35: 10)

  • [ لأن الرب فدى يعقوب وفكه من يد الذي هو أقوى منه ] (أرميا 31: 11)

للأسف كثيراً ما نَدَّعي أننا مؤمنون، ولكن مكتوب من ثمارهم تعرفونهم؟!! ولن نُعَلّق على هذا، فالأمرّ متروك لكل واحد فينا ليسأل نفسه ويبحث عن أبديته ويهتم بحياته، لأن من يعرف أعماق الإنسان إلا روح الإنسان، فمن يعرف عاره يعرف كيف يطلب مجده، ومن يعرف كيف يطلب مجده، يصل لله بسهوله، ومن يصل لله ينال منه قوة يلبسها ويرتفع بها للعلو الحلو الذي للقديسين، فيحيا من مجد إلى مجد كما من الرب الروح…

عموماً سنبحث عن الإيمان في الكتاب المقدس وعند آباء الكنيسة، علنا نستطيع أن نُصغِ إلى قول القديس بوليكاربوس الشهيد ونجتهد أن يكون قوله فينا:

[ من بوليكاربوس والشيوخ الذين معه إلى كنيسة الله المقيمة في فيلبي سلام ورحمة من الله الكلي القدرة ومن يسوع المسيح مخلصنا فلتكن معكم.
إني أُهنئكم جداً بيسوع المسيح ربنا على استقبالكم لصور المحبة الحقيقية وعلى توديعكم، كما هوَّ مفروض عليكم، لمن حملوا السلاسل الجديرة بالقديسين، هذه السلاسل التي هيَّ أكاليل لمن أختارهم الله ربنا حقيقة.
إن الجذور الراسخة لإيمانكم والمعرفة منذ القديم ما زالت تُثمرّ بيسوع المسيح سيدنا الذي تحمل الموت من أجلنا وأقامه الله ناقضاً آلام (أوجاع) الموت.
الذي وإن لم تروه تحبونه، لذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يُوصف ومجيد، هذا الإيمان يرغب الكثيرون أن يصلوا إليه، إنكم تعرفون، ولا يُخفى عليكم، إن خلاصكم ما كان بأعمال عملتموها، بل بنعمته خلصكم على حسب رضا مشيئته بيسوع المسيح.
لذلك منطقوا حقويكم، واتقوا الله بالمخافة والحق، طارحين جانباً كلام الثرثرة الفارغ وضلال الأمم، موطدين الإيمان على من أقام ربنا من الموت، وأتاه المجد، وأعطاه أن يجلس عن يمين عرشهُ وأخضع لهُ كل ما في السماء وما على الأرض ويُطيعهُ كل من لهُ نسمة حياة. وسيأتي ليُدين الأحياء والأموات وسيطلب الله حساباً عن دمه من أولئك الذين يرفضون أن يؤمنوا بهِ.
كما أقامه من بين الأموات كذلك يُقيمنا إذا فعلنا إرادته وسلكنا حسب وصاياهوأحببنا ما أحبه وابتعدنا عن كل مظلمة وطمع وبُخل ونميمة وشهادة زور..] (عن رسالة القديس بوليكاربوس أسقف أزمير الفصل الأول والثاني)

________________________
[1] طبعاً لا يجوز فهم أن المسيح يجلس أمامنا وجهاً لوجه أو يُرسل ملاكاً ليشرح لنا، طبعاً مضطر اكتب هذا التوضيح لكي لا يفهم كلامي أحد خطأ كعادة البعض، فالمقصود هوَّ أن الرب يسوع يفتح الذهن كما فتح ذهن التلاميذ ليفهموا الكتب، والكنيسة على مرّ العصور لم تُستحدث كلمة لاهوتية من ذاتها، بل نطقت بما تسلمته من الرسل والقديسين الذين استلموا من الرب نفسه بإلهام الروح القدس، وتشربت كلمة الله على مستوى الإيمان والمحبة بالنعمة، ونطقت، وكرزت، بعمل الله، بقوة سلطان الروح الذي عمل ويعمل وسيستمر يعمل فيها على مدى العصور والأزمنة، لذلك نحتت ألفاظ لاهوتية جديدة ولكنها في ذات الوقت من نفس ذات الإلهام والامتداد الرسولي بالروح الواحد عينه.

[2] طبعاً لا نقصد أن العلم غير ضروري أو نستهين به باي حال من الأحوال، ولكننا نقول أن العلم بدون نور الله في القلب يُصبح نقمة على الإنسان نفسه لأن العلم ينفخ كما قال بولس الرسول، والعلم مهما كان دقيق بدون لبس شخص الكلمة يسوع المسيح وحضوره في القلب مُعطياً استنارة للذهن، ويحيا الإنسان منقاداً بروح الله يُصبح بلا معنى، لأنه كيف أدرس طبيعة شخص المسيح الحي وليس لي أي علاقة تربطني به، وليس لهُ أي دور في حياتي اليومية المٌعاشة ولا أطلب مجده وألتمس وجهه ؟!!!، فلا بُدَّ لي – قبلما أدرس وأعرف – من أن يكون لي إيمان حي حقيقي به، أي علاقة حقيقية قائمة على إيمان حي أساسه الثقة فيه وطاعة وصاياه، وثمر الروح القدس واضح في حياتي..

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: