الرئيسية / مدرسة الحياة المسيحيه / بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس / سرّ الإيمان الحي -الجزء التاسع- بحث عن الإيمان ومفهومه الصحيح، تابع (2) الأمانة πιστός – أمانة الله

سرّ الإيمان الحي -الجزء التاسع- بحث عن الإيمان ومفهومه الصحيح، تابع (2) الأمانة πιστός – أمانة الله

الإيمان_خبرة_وحياة

الإيمان – حياة وخبرة (الجزء التاسع– تابع الجزء الرابع من شرح الموضوع: الأمانة)
تابع المعنى الثاني للإيمان في الكتاب المقدس: الأمانة πιστός
אֶמֶת – חֶסֶד – πίστις – πιστεύω – πιστός – πιστόω
تابع 2 – أمانة الله: أولاً العهد القديم

تابع أولاً العهد القديم: (أ) أمانة الله

عموماً – كما رأينا – أن الاسم (يهوه) يدل على أمانة الله الثابتة غير المتغيرة قط [ أن كنا غير أُمناء فهو يبقى أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه – 2تيموثاوس 2: 13 ]، هذه الأمانة الذي يؤكدها العهد القديم لتثبيت الثقة في الله:
[ فأعلم أن الرب إلهك هو الله، الإله الأمين، الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل ] (تثنية 7: 9)
[ يا رب في السماوات رحمتك. أمانتك إلى الغمام (إلى الغيوم أمانتك) ] (مزمور 36: 5)
[ وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَةَ مَتْنَيْهِ وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقَوَيْهِ ] (أشعياء 11: 5)
[ وأنت فأرجع (أرجعوا وتوبوا) إلى إلهك. أحفظ (تمسك بـ) الرحمة والحق وانتظر (تقوا بـ) إلهك دائماً… وأنا الرب إلهك من أرض مصر حتى أُسكنك الخيام كأيام المواسم (أنا الرب إلهكم منذ كنتم في أرض مصر، وسأسكنكم في الخيام كما في أيام عيد المظال) ] (هوشع 12: 6و 9، وفي العبري آية 7, 10)

وبالإضافة إلى ذلك، فأن أمانة الله وعدم تغيره، تتضمنها الآيات التي تتحدث عن الله بأنه [الصخرة] باعتباره أنه هو الأساس المضمون الوحيد والأكيد للاتكال عليه وحده: [ هو الصخر الكامل صنيعُه. أن جميع سُبله عدل، إله أمانة لا جور فيه، صِدِّيقٌ وعادلٌ هوَّ ] (تثنيه 32: 4)
[ الرب صخرتي وحصني (ملاذي الخاص) (fortress قلعتي الشخصية الحصينة) ومنقذي (مخلصي الخاص بي). إلهي صخرتي به احتمي (إني على ثقه فيه، عندي إيمان فيه لأنه) تُرسي وقرن خلاصي وملجأي (برج قلعتي) ] (مزمور 18: 2)
ويقول إشعياء النبي: [ نسيتي إله خلاصك ولم تذكري the rock your stronghold صخرة حصنك ] (أشعياء 17: 10)
وهذه الصفة نفسها يتضمنها إعلان الله عن نفسه لموسى وإسرائيل بأنه إله إبراهيم واسحق ويعقوب إله آبائهم الشخصي: [ ثم قال (لموسى) أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله… وقال الله أيضاً لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم… أذهب واجمع شيوخ بني إسرائيل وقُل لهم الرب إله آبائكم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب ظهر لي قائلاً: إني قد افتقدتكم ] (خروج 3: 6و 15و 16)
ولنلاحظ أن الحق المُعلن هُنا فيما يختص بالله، ليس هو – ببساطة – أنه يقف موقفاً كريماً من الآباء الذين لبوا دعوته وأطاعوه، لكن الموقف هنا يوضح ويُظهر أمانة الله وحفظة لوعده الكريم الذي قدمه لآبائهم، فكما كان مع آبائهم والتزم بهم، فأنه سيظل كذلك بالمثل لموسى وإسرائيل.

وهذا هي عموماً الفكرة الأساسية في العهد القديم فيما يختص بأمانة الله؛ كما يُمكن لنا أيضاً أن نرى هذا في الكلمات العبرية المستخدمة للتعبير عن طبيعة الله وعمله، وهذه الكلمة هي אֱמֶת و אֱמוּנָה، وكلمة אֱמֶת (إميت) تُستخدم عادة لقول الصدق، وهي لا تعني فقط أن القول صحيح وليس كذباً، بل تعني الموثوقية، وإذ هي عادة تأتي في كلام الله الصادق صدق مُطلق، إذ تُعلن أن كلمته جديرة بالثقة لتُقام حياة الإنسان عليها، وتأتي في أغلب الأحيان بدمج عدة كلمات معها مثل: إحسان وترتبط به لتدل على ثبوته أي [ إحسان ثابت ]، والكلمة تتصل كثيراً بالبرّ وأحياناً بالعدل، والمغزى العام لهذا هو أن أمانة يهوه (إله أمانة، إيل إيموناه אֵל אֱמוּנָה) نحو إسرائيل، وتندمج مع المعنى القوي بالاستقامة الأخلاقية وليس بمعنى التساهل أو اللامبالاة الأدبية، وفي خروج 34 يُظهر بيان توكيدي بأمانة ولطف الله نحو إسرائيل غير الأمين مع مجموعة اشتراطات واضحة كالعهد المُجدد (للأهمية أنظر خروج 34: 11 – 26) وإعلان اسم الله الملتزم بعهده، وبقول آخر أنه يُعلن عن شخصه وأمانته وعدله معاً غير قابلاً للمساومة في عدم الثقة فيه [ وهذا ما أظهره القديس بولس قائلاً في عبرانيين: بدون إيمان لا يُمكن إرضاؤه ]، لذلك هناك دور على شعب إسرائيل بل وكل من يتعرف على الله الحي الذي يُعلن له ذاته إلهاً أميناً [ أخشوا الرب واعبدوه بكمال وأمانة בְּתָמִים וּבֶֽאֱמֶת ] (وهي ترجمة حرفية صحيحة جداً في كل الترجمات العربية يشوع 24: 14)، وبذلك نفهم معنى العبارة الشهيرة التي تكلم عنها بونهويفير Bonhoeffer في كتابه اتباع المسيح [ ليس هناك نعمة رخيصة ]، لأن النعمة مكلفة، وتكلفتها الطاعة والخضوع بثقة في الله الحي، وتقديم أمانة بحياة صادقة واضح فيها الإيمان ليكون الإنسان [ صريح في الإيمان ] (1تيموثاوس 1: 2).

عموماً من خلال شرح المعنى للكلمة نجدها باختصار تأتي في أصلها بمعنى أمان على نحو خاص، فمصدر الكلمة وجذرها אמן يعني أن تكون آمناً، أو ثابتاً، فهي تدل في صيغة (أسم الفاعل) على ثبات شيء يُدعم شيئاً آخر، إذ تُستخدم للتعبير عن المُربية التي تحمل طفلاً:
[ أَلعَلِّي حَبِلتُ بِجَمِيعِ هَذَا الشَّعْبِ أَوْ لعَلِّي وَلدْتُهُ حَتَّى تَقُول لِي احْمِلهُ فِي حِضْنِكَ كَمَا يَحْمِلُ المُرَبِّي الرَّضِيعَ إِلى الأَرْضِ التِي حَلفْتَ لآبَائِهِ؟ ] (عدد 11: 12)، [ وكان ليوناثان بن شاول ابن، فحملته مُربيته وهربت ] (2صموئيل 4: 4)، [ ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك ] (إشعياء 49: 23)

وفي اسم المفعول تدل على ثبات الشيء المحمول أو المدعوم، وعلى سبيل المثال:
(1) الطفل المحمول: [ يأتي بنوك من بعيد وتُحمل بناتك على الأيدي ] (إشعياء 60: 4)
(2) البيت الراسخ الأساس: [ وأُقيم لنفسي كاهناً أميناً يعمل حسب ما بقلبي ونفسي، وابني لهُ بيتاً أميناً، فيسير أمام مسيحي كل الأيام ] (1صموئيل 2: 35)، [ وأصفح عن ذنب أمتك (ابيجايل امرأة نابال) لأن الرب يصنع ليدي بيتاً أميناً، لأن سيدي يُحارب حروب الرب ولم يوجد فيك شر كل أيامك ] (1صموئيل 25: 28)
(3) الوتد الثابت بشدة: [ وأُثبته وتداً في موضع أمين، ويكون كُرسيَّ مجد لبيت ابيه… في ذلك اليوم يقول رب الجنود يزول كل الوتد المثبت في موضع أمين ] (إشعياء 22ك 23و 25)
(4) المملكة الراسخة: [ ويأمر بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كُرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد ] (2صموئيل 7: 16)
(5) القلب الأمين: [ ووجدت قلبه أميناً امامك وقطعت معهُ العهد ] (نحميا 9: 8)
والفعل عموماً يؤدي المعنى للصدق، أي أن الكلمات والتأكيدات تتفق مع الحقيقة: [ فقالوا هم لأرميا: ليكن الرب بيننا شاهداً صادقاً وأميناً אמת ונאמן، إننا نفعل حَسب كل أمر يُرسلك به الرب إلهك إلينا ] (إرميا 42: 5)
كما أن الفعل له معنى عندما يستخدم الناس: [أن يكون أميناً]، اي أنه كنتيجة لأمانته يُرسل إنسان أميناً على بيته يحمل رسالته:
[ فأعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل ] (تثنية 7: 9)
[ عيناي على أمناء الأرض لكي أُجلسهم معي، السالك طريقاً كاملاً هو يخدمني ] (مزمور 101: 6)
[ الرب الذي هو أمين وقدوس إسرائيل الذي قد أختارك ] (إشعياء 49: 7)
[ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا أُمَنَاءَ وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْسِمُوا عَلَى إِخْوَتِهِمْ ] (نحميا 13: 13)
[ وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين נאמן في كل بيتي ] (عدد 12: 7)
[ فمن هو العبد الأمين הנאמן πιστός الحكيم الذي أقامه سيده على خدمه ليُعطيهم الطعام في حينه ] (متى 24: 45)

عموماً تُستخدم كلمة אֱמֶת (إميت) للدلالة على الحق، أو مطابقة الكلمات والأفكار للحقيقة، والحالات التي تُشير إلى اتفاق الأعمال والكلمات مع النوايا، وهذا هو الإخلاص، فالكلمتين عموماً אֱמֶת و אֱמוּנָה يُستخدمان للدلالة على فكرة الأمانة التي تظهر عملياً في الإخلاص بإتمام كل الالتزامات الموضوعة على الإنسان من الله، وايضاً لا تُستخدم في وصف الناس فقط لأنها تصف الناس كنتيجة لعمل الله معهم وفيهم، وفي الأساس تُستخدم في وصف الله للتعبير عن أنه صادق وأمين لمواعيد عهده، وهذه هي الصفة التي يتحدث عنها المزمور:
[ لم أكتم عدلك في وسط قلبي. تكلَّمت بأمانتك وخلاصك. لم أُخفِ رحمتك وحقك عن الجماعة العظيمة ] (مزمور 40: 10)، [ يا رب في السماوات رحمتك، أمانتك إلى الغمام ] (مزمور 36: 5).
وهي موضوع الحمد: [ بِمَرَاحِمِ الرَّبِّ أُغَنِّي إِلَى الدَّهْرِ. لِدَوْرٍ فَدَوْرٍ أُخْبِرُ عَنْ حَقِّكَ بِفَمِي. لأَنِّي قُلْتُ: إِنَّ الرَّحْمَةَ إِلَى الدَّهْرِ تُبْنَى. السَّمَاوَاتُ تُثْبِتُ فِيهَا حَقَّكَ ] (مزمور 89: 1و 2)
[ حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَالتَّرَنُّمُ لاِسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ. أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي الْغَدَاةِ وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ ] (مزمور 92: 1و 2)

وهذه الصفة: الصدق مع الأمانة هي التي يقول عنها المُرنم، إنها يجب أن تكون موضوع الحمد والثناء من كل الناس: [ وَالسَّمَاوَاتُ تَحْمَدُ عَجَائِبَكَ يَا رَبُّ وَحَقَّكَ (أمانتك) أَيْضاً فِي جَمَاعَةِ الْقِدِّيسِينَ… يَا رَبُّ إِلَهَ الْجُنُودِ مَنْ مِثْلُكَ قَوِيٌّ رَبٌّ وَحَقُّكَ (وأمانتك) مِنْ حَوْلِكَ؟ ] (مزمور 89: 5و 8)
وهذه الأمانة من جهة الله توصف بالثبات الراسخ الذي لا يتزعزع قط وبالامتداد بلا توقف لأنها واسعه للغاية وأوسع وأشمل من الزمان كله: [ لأن الرب صالح إلى الأبد رحمته، وإلى دورٍ فدورٍ (من جيل لجيل) أمانته ] (مزمور 100: 5)

ولأن الصدق والأمانة صفة مُميزة من صفات الله، فهي مُميزة أيضاً لخلاصه، وبذلك فهي أساس الثقة في أن الله يسمع صلاة الإيمان: [ يا رب اسمع صلاتي واصغي إلى تضرعاتي. بأمانتك أستجب لي بعدلك ] (مزمور 143: 1)
وبذلك يدخل الإنسان بصلاة الإيمان لحماية الله حيث يأمن من كل شرّ لأنه أصبح في أمن وأمان [ آمنوا بالرب إلهكم فتأمنوا، آمنوا بأنبيائه فتفلحوا ] (2اخبار 20: 20)، [ أن لم تؤمنوا فلا تأمنوا ] (إشعياء 7: 9)، ولذلك يقول المرنم: [ بخوافيه (بريشه مثل الطائر) يُظللك، وتحت أجنحته تحتمي. تُرسٌ ومجن حقهُ (يكون لك حقه مجناً وتُرساً) (والمجن هو الترس، ترس الجندي في الحرب، والترادف هنا للتأكيد الشديد وترسيخ المعنى) ] (مزمور 91: 4)
وبذلك يصبح الله هو قوة معونة الإنسان وسنده الآمن: [ أخرجني من الشبكة التي خبأوها لي لأنك أنت حصني ] (مزمور 31: 4)

ويتفق مع ذلك، أننا نجد في النبوات أن خلاص شعب الرب لا يستند على استحقاق أو فضل فيهم، ولكنه يعتمد كُليةً على رحمته الثابتة ونعمته وأمانته وعدله وإخلاصه الفائق.
وعندما جلب إسرائيل على نفسه دينونة الله العادلة، بدا كما لو أن الوعد قد خاب، ولكن حاشا لله فهو أمين لكلمة وعده التي تثبت إلى الأبد حينما خرجت من فمه [ يبس العشب، ذبل الزهر، واما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ] (إشعياء 40: 8)، اي أن كلمته تظل قائمة ونافذة وسارية المفعول stand for ever
فمنذ الأزل تتميز كل مشوراته بالأمانة والصدق كما هو واضح في (إشعياء 25: 1): مقاصدك counsels (مشورتك وتدابيرك) منذ القديم أمانة وصدق faithfulness and truth = אֱמֶת = ἀλήθεια
وطبعاً الله أميناً تجاه علاقته بشعبه إسرائيل (كما هو معنا اليوم) ليس بسبب أمانتهم أو استحقاقهم، بل لأجل نفسه قد محا ذنوبهم: [ وَأَنْتَ لَمْ تَدْعُنِي يَا يَعْقُوبُ حَتَّى تَتْعَبَ مِنْ أَجْلِي يَا إِسْرَائِيلُ. لَمْ تُحْضِرْ لِي شَاةَ مُحْرَقَتِكَ وَبِذَبَائِحِكَ لَمْ تُكْرِمْنِي. لَمْ أَسْتَخْدِمْكَ بِتَقْدِمَةٍ وَلاَ أَتْعَبْتُكَ بِلُبَانٍ. لَمْ تَشْتَرِ لِي بِفِضَّةٍ قَصَباً وَبِشَحْمِ ذَبَائِحِكَ لَمْ تُرْوِنِي. لَكِنِ اسْتَخْدَمْتَنِي بِخَطَايَاكَ وَأَتْعَبْتَنِي بِآثَامِكَ. أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا ] (إشعياء 43: 22 – 25)
[ مَنْ هُوَ إِلَهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. يَعُودُ يَرْحَمُنَا يَدُوسُ آثَامَنَا وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ. تَصْنَعُ الأَمَانَةَ لِيَعْقُوبَ وَالرَّأْفَةَ لإِبْرَاهِيمَ اللَّتَيْنِ حَلَفْتَ لآبَائِنَا مُنْذُ أَيَّامِ الْقِدَمِ ] (ميخا 7: 18 – 20)
الأمانة (الحق والصدق) = אֱמֶת truth ἀλήθεια
الرأفة = mercy الرحمة – النعمة – البركة

وفي سفر الخروج يُشار لأمانة الله אֱמֶת على أنها تعني – بكل وضوح – ثابتة من جيل لجيل: [ الرب الرب إله merciful رحيم gracious ورؤوف بطيء الغضب وكثير goodness الإحسان truth والوفاء (أمانة، صدق، استقامة) ] (خروج 34: 6)
وفي التثنية نجد أيضاً أمانة الله אֱמוּנָה بالمقارنة مع أمانة إسرائيل: [ هو الصخر الكامل صنيعه. أن جميع سُبله عدلٌ، إله أمانة אֱמוּנָה لا جور فيه، صديق وعادلٌ هوَّ ] (تثنية 32: 4)
هو الصخر الكامل صنعيه his work perfect
كل طرقه حق وحكمة وعدل judicious – judgment
إله أمين truth بار just مستقيم right
فكلمة [إله أمانة] هو ما ينطبق على كلمة אֱמֶת المترجمة بكلمة حق ἀλήθεια
[فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلَهَ الْحَقِّ ] (مزمور 31: 5)
συ με ελύτρωσας, Κύριε ο Θεός της αληθείας
you are my saviour, O Jehovah God for ever true
عموماً نجد في مواضع عديدة أن رحمة الله ترتبط بحقه، حيث أن رحمة الله هي مصدر مواعيده الكريمة الصادقة: [ كل سُبل الرب رحمة وحق لحافظي عهده وشهاداته ] (مزمور 25: 10)
[ يُرسل الله رحمته وحقه ] (مزمور 57: 3)
[ (الملك) أجعل رحمة وحقاً يحفظانه ] (مزمور 61: 7)
[ الرحمة والحق التقيا، البرّ والسلام تلائما ] (مزمور 75: 10)
[ أما أنت يا رب فإله رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة والحق ] (مزمور 86: 15)

عموماً وحيث أن يهوه حافظ العهد، أمين، فالأمانة أيضاً من مُميزات العهد الجديد الذي هو عهد أبدي مضموناً بدم حمل الله رافع خطية العالم:

[ إلى الدهر (الأبد) أحفظ لهُ رحمتي وعهدي يثبت لهُ ] (مزمور 89: 28)
[ بِإِحْسَانٍ أَبَدِيٍّ أَرْحَمُكِ قَالَ وَلِيُّكِ (المُحِبُّ، والصَّدِيقُ، والنَّصيرُ) الرَّبُّ ] (أشعياء 54: 8)
but I will have pity on you with everlasting kindness, says Jehovah your Redeemer
برأفة أبدية أرحمك قال الرب فاديك (الذي يتولاك بخلاصه)
[ فإن الجبال تزول والآكام (التلال) تتزعزع، أما إحساني فلا يتزعزع قال راحمك الرب ] (أشعياء 54: 10)
[ وأخطبك لنفسي إلى الأبد، وأخطبك لنفسي بالعدل والحق والإحسان والمراحم، أخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب ] (هوشع 2: 19 – 20)
[ وأخطبك لي للأبد، أخطبك بالبرّ (وهذا يدل على المهر الذي يُقدمه الخطيب لخطيبته، وهذا دلالة على العهد الجديد الذي سيكون فيه الشعب خليقة جديدة أمينة للعهد) والحق والرأفة (חֶסֶד خِسد وهي تدل على الارتباط والالتزام والأمانة للعهد وتترجم في العادة بمعنى نعمة وإحسان) والمراحم، وأخطبك لي بالأمانة فتعرفين الرب (وهنا معرفة الرب ترافق النعمة חֶסֶד، فليس المقصود بالطبع مجرد معرفة عقلية كمعلومات. فكما أن الله يُعرَّف الإنسان بنفسه بالارتباط معه بعهد وبكشف محبته على سبيل نعمة وإحسان عظيم (חֶסֶד)، كذلك الإنسان يعرف الله بموقف يقتضي الأمانة لهذه المعرفة والاعتراف بإحسانه الخاص (نعمته)، والمحبة تُرادف في أدب الحكمة المعرفة الإلهية، بمعنى أعرف الله أي أدخل في محبته واتجاوب معه بمحبتي له بكل قلبي، وهذا يظهر في إيماني بثقتي فيه ]
[ لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أَفْعَلُ بِكِ كَمَا فَعَلْتِ, إِذِ ازْدَرَيْتِ بِالْقَسَمِ لِنَكْثِ الْعَهْدِ، وَلَكِنِّي أَذْكُرُ عَهْدِي مَعَكِ فِي أَيَّامِ صِبَاكِ, وَأُقِيمُ لَكِ عَهْداً أَبَدِيّاً. فَتَتَذَكَّرِينَ طُرُقَكِ وَتَخْجَلِينَ إِذْ تَقْبَلِينَ أَخَوَاتِكِ الْكِبَرَ وَالصِّغَرَ, وَأَجْعَلُهُنَّ لَكِ بَنَاتٍ وَلَكِنْ لاَ بِعَهْدِكِ. وَأَنَا أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكِ فَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، لِتَتَذَكَّرِي فَتَخْزِي وَلاَ تَفْتَحِي فَاكِ بَعْدُ بِسَبَبِ خِزْيِكِ, حِينَ أَغْفِرُ لَكِ كُلَّ مَا فَعَلْتِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ ] (حزقيال 16: 60 – 62)

وفي هذا الصدد ترتبط أمانة الله ارتباطاً وثيقاً ببره وعدله ومراحمه الفائقة التي تفوق كل خطايا الإنسان وتعدياته، ففي النصف الثاني من إشعياء، بل وفي كثير من المزامير ينسب البرّ إلى الله لأنه يُسرع إلى معونة وخلاص شعبه، فالبرّ يُنسب دائماً وبالضرورة إلى الله القدوس، تماماً كما تُنسب إليه النعمة والرحمة والأمانة، لأن كل هذا مرتبط ببعضه البعض اشد ارتباطاً:
[ لا تخف لأني معك. لا تلتفت لأني إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري ] (إشعياء 41: 10)
[ أنا الرب قد دعوتك بالبرّ فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم ] (إشعياء 42: 6)
[ أنا الرب مُتكلم بالصدق (بالبرّ) مُخبِّر بالاستقامة ] (إشعياء 45: 19)
[ من ذا الآتي من أدوم [ الأرض אֲדָמָה أدَمَاه ] بثياب حُمْرٍ من بُصْرَةَ، هذا البهي بملابسه المتعظم بكثرة قوته great power أنا المتكلم بالبرّ العظيم للخلاص (أو أنا عندي القوة الكافية لإنقاذكم، أو القوي الكافي لإنقاذكم) ] (إشعياء 63: 1)
Who is this coming from Bozrah in Edom with his clothes stained bright red? Who is this dressed in splendor, going forward with great strength? “It is I, the LORD. I am coming to announce my victory. I am powerful enough to save you (I that speak in righteousness, mighty to save)
ويبدو في هذه المواضع – التي ذكرناها وعلى الأخص إشعياء 63: 1 – يتسع معنى البرّ الذي هو العدل من حدوده القضائية أو الشرعية، ليدخل في إطار متسع شامل، ليُصبح صفة الله المختصة به كمخلص لشعبه، فبرّ الله الذي هو عدله أصبح ملتصق التصاقاً بالخلاص [ أنا المتكلم بالبرّ (العدل) الكثير الخلاص – إشعياء 63: 1 ]
ويستند المرنم على هذه الصفة في الله كأساس الرجاء في الخلاص والنجاة:
[ عليك يا رب توكلتُ، لا تدعني أخزى مدى الدهر. بعدلك (ببرك) نجني (خلصني) ] (مزمور 31: 1)
[ أقضِ Judge لي حسب عدلك according to thy righteousness ، يا رب إلهي O Jehovah my God يا يهوه إلهي، فلا يشمتوا بي ] (مزمور 35: 24)
[ بعدلك (ببرك) نجني وأنقذني. أمل إليَّ أُذنك وخلصني ] (مزمور 71: 2)
[ من أجل اسمك يا رب تُحييني. بعدلك (ببرك) تُخرج من الضيق نفسي ] (مزمور 143: 11)
ومن ثَمَّ ارتبطت هذه الصفة برحمة الله ونعمته [ الأمانة + البرّ والعدل + الخلاص ] كل هذا وحدة واحدة معاً: [ العدل والحق قاعدة كُرسيك. الرحمة والأمانة تتقدمان أمام وجهك ] (مزمور 89: 14)، والرب نفسه صرح وقال: [ وأنا أكون لهم إلهاً بالحق والبرّ ] (زكريا 8: 8)
[ عدلك (برك) مثل جبال الله وأحكامك (قضائك) لُجة عظيمة. الناس والبهائم تخلص يا رب ] (مزمور 36: 6)
[ يدين المسكونة بالعدل والشعوب بأمانتك ] (مزمور 96: 3)
[ بار أنت يا رب وأحكامك مستقيمة ] (مزمور 119: 137)
[ عدلك عدلٌ إلى الدهر وشريعتك حق ] (مزمور 119: 142)
[ يا رب اسمع صلاتي واصغِ إلى تضرعاتي. بأمانتك استجب لي بعدلك ] (مزمور 143: 1)
وطبقاً لهذه الآيات، كان مفهوم العهد القديم عن برّ الله أو عدله من الناحية العملية مرادفاً لأمانة عهده، لأن العهد مرتبط بالأمانة، والأمانة مرتبطة بالبرّ الذي هو العدل.

وبالنسبة لهذه العلاقة الوثيقة بين البرّ والأمانة، يجب مراعاة عدم الذهاب إلى حد اعتبار أن البرّ والأمانة مترادفان في هذه الآيات من المزامير وإشعياء، وبمعنى واحد، ولكنهما متلازمان مع بعضهما البعض.
ويبدو عموماً مما سبق وذكرناه من خلال الآيات التي تظهر قوة خلاص الله وبصفته بار وعادل ورحيم وأمين، أن إسرائيل قد أخطأ ولم يعد لهُ أي حق عند يهوه، لأنه أتعبه جداً ولم يرضى بوصاياه بل سريعاً ما ينحرف عنها تماماً وبسهولة شديدة، فلا رجاء له في الخلاص، إلا في استناده على طبيعة يهوه إلهه، اي ليس له رجاء إلا في رحمة يهوه وأمانته، فحقيقة أن يهوه الرب رحيم وأمين هي أساس رجاء إسرائيل في النجاة من أعداءه، هكذا ارتبط البرّ ارتباط وثيق في هذه الحالات بالأمانة، ولكنه ليس مرادفاً لها، ولم يفقد قط نغمته القضائية، لأن واضح من العهد القديم كله، فأن سار الشعب مع الله ورجعوا عن خطاياهم يضمهم إليه ويغفر لهم ويصفح عنهم برحمته ويظهر امانته لهم ويُنجيهم من أعدائهم، أما أن تركوه يؤدبهم بمراحمه وبره ويتركهم لأعدائهم للتربية والتأديب ليعودوا فيتوبوا إليه.

ويبدو – بوجه عام – أن هذا هو المقصود بالبرّ والعدل في المزامير والنصف الثاني من إشعياء، ويمكن أن نقول هذا أيضاً عن ميخا وزكريا:
[ وماذا يطلبه منك الرب (أو ما الذي يطلبه الرب منك) إلا أن تضع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك. صوت الرب يُنادي للمدينة والحكمة ترى اسمك (وذو الحكمة مَن يهاب اسمه). اسمعوا للقضيب (عصا قضاء) ومن رسمه ] (ميخا 6: 8و 9)
[ هكذا قال رب الجنود. هائنذا اُخلِّص شعبي… وآتي بهم… ويكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً بالحق والبرّ ] (زكريا 8: 7و 8)

ويتضح تأكيد هذه الصفة من صفات الله، في العهد القديم، في أنه في كل اجزاءه تقوم علاقة عهد يهوه بشعبه على أساس نعمته فحسب، وليس على أساس أي استحقاق فيهم.
فلو أن علاقة هذا العهد قد تأسست على أي حق لإسرائيل، لكانت كل عطايا الله واجبه وملزمة لأنها أصبحت حق من حقوقه مدفوعة الثمن وكان وقف إسرائيل بجسارة أمام الله ليطالب بحقه، ولكن حيث أن علاقة يهوه بإسرائيل ومواعيده للخلاص قد نبعت واعتمدت تماماً على نعمته وحدها، فأن هذا هو ما أعطى اليقين الأكيد بأن اختبار الماضي لنعمة الله وتذوقها كإحسان منه وعطية محبة خالصة، وأنه سيستمر في المستقبل، وهذا الاختبار الذي تذوقه شعب إسرائيل هو أمانة يهوه الثابتة الغير متغيرة، وثابته هنا تعني: مؤكد – مُخلص – مستقيم – ثابت – راسخ – قوي – مضبوط – تمام – مثالي – كامل – صادق – صحيح – certain – faithfulness – perfect – honest

ولذلك اصبح لاختبار الآباء قيمة دينية كبيرة عند إسرائيل من جيل لجيل، فكما امتدت أمانة الله [אֱמֶת = alí̱theia ἀλήθεια] من الماضي للحاضر، فأنها تربط أيضاً بين الحاضر والمستقبل، وبذلك أصبحت هي الأساس الثابت لرجاء إسرائيل، كما في (مزمور 89) الذي يبرز امانة الله في عظمتها وثباتها كأساس العهد، الذي يقوم عليه الرجاء في معونة يهوه في المستقبل، لأن رجاء عهده يدوم إلى الأبد.

وعندما ابتعد شعب الله عنه، أصبح التأكيد على أمانته أشد، حتى أن الرجاء الوحيد لشعبه لا يستند على نعمته ورحمته فقط، بل أيضاً على امانته، بالمقابلة مع عدم أمانة وتقلب شعبهن ولعل هذا هو معنى الآية الصعبة في هوشع: [ قد أحاط بي إفرايم بالكذب وبيت إسرائيل بالمكر، ولم يَزَل يهوذا شارداً عن الله وعن القدوس الأمين ] (هوشع 11: 12)

  • (ب) أمانة الإنسان

لقد رأينا أمانة الله الثابتة الغير متغيره تجاه شعبه المتغير والغير حافظ الأمانة، لأنه لم يستطع أن يثبت فيها، بل دائماً ما يتراجع سريعاً عنها، مع أن الله دائماً ينتظر رد الأمانة بالأمانة: [ … وماذا يطلبه منك الرب ؟ إلا أن تصنع الحق وتُحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك ] (ميخا 6: 8)
فالله يُطالب شعبه بالأمانة للعهد، ولم يطلب منهم شيء مستحيل حتى يتعثر عليهم احتماله أو يتعبوا من حمله، لذلك يقول: [ فالآن اخشوا الرب واعبدوه بكمالٍ وأمانة، وانزعوا الآلهة الذين عبدوهم آبائكم في عبر النهر وفي مصر واعبدوا الرب ] (يشوع 24: 14)
ويركز بالأكثر على أمانة الكهنة لأنهم مُعلمي الشعب وموجهيه لحفظ العهد بتعليم الشعب ما هي مشيئة الله وما هي وصاياه لكي يحيوا بها، لأن لو لم يحفظ الكهنة الأمانة فمن هو الذي يُسلم الشعب التعليم الإلهي لكي يحيوا وفق مشيئة الله الظاهرة في عهده معهم !!!
[ وأُقيم لنفسي كاهناً أميناً يعمل حسب ما بقلبي ونفسي، وأبني لهُ بيتاً أميناً، فيسير أمام مسيحي كل الأيام ] (1صموئيل 2: 35)
ونرى قبل هذه الآية، أنه كان يتكلم عن عقاب حفني وفِنحاس الكاهنين المكتوب عنهما [ وكان بنو عالي (رئيس الكهنة في ذلك الوقت) بني بليعال ( בליעל – worthlessness – worthless – عديم القيمة – لا جدوى منه ولا فائدة – تافه – باطل )، لم يعرفوا الرب ولا حق الكهنة من الشعب ] (1صموئيل 2: 12و 13)
فباستثناء إبراهيم وموسى اللذان حفظوا العهد وصاروا مثالين للأمانة [ أنت هو الرب الإله الذي اخترت إبرام وأخرجته من أور الكلدانيين، وجعلت اسمه إبراهيم ووجدت قلبه أمنيناً أمامك وقطعت معهُ العهد… وقد انجزت وعدك لأنك صادق ] (نحميا 9: 7و 8)
[ موسى كان محبوباً عند الله والناس… فآتاهُ مجداً كمجد القديسين وجعلهُ عظيماً مرهوباً عند الأعداء… قدسه بإيمانه ووداعته واصطفاه من بين جميع البشر ] (سيراخ 45: 1و 2و 4)
فباستثناء هذان فإن شعب إسرائيل في مجمله ومجموعه خائن للعهد وعديم الأمانة تجاه الله، وهذا يقوله المزمور: [ أقام شهادة في يعقوب ووضع شريعة في إسرائيل التي أوصى آباءنا أن يعرفوا بها أبناءهم. لكي يعلم الجيل الآخر بنون يولدون فيقومون ويخبرون أبناءهم. فيجعلون على الله اعتمادهم ولا ينسون أعمال الله بل يحفظون وصاياه. ولا يكونون مثل آبائهم جيلاً زائغاً ومارداً، جيلاً لم يثبت قلبه ولم تكن روحه أمينة لله. بنو إفرايم النازعون في القوس الرامون انقلبوا في يوم الحرب. لم يحفظوا عهد الله وأبوا (رفضوا) السلوك في شريعته. ونسوا أفعاله وعجائبه التي أراهم. فخادعوه بأفواههم وكذبوا عليه بألسنتهم. أما قلوبهم فلم تثبت معه ولم يكونوا أُمناء في عهده ] (مزمور 78: 5 – 11؛ 36 – 37)
[ أخطأنا مع آبائنا، أسأنا وأذنبنا ] (مزمور 106: 6)
وبسبب عدم أمانته مع الله هكذا أيضاً صار غير أميناً مع الناس، وأصبح من المستحيل الاعتماد على أحد، لأن دائماً عدم الأمانة مع الله تنعكس بدورها مع الناس، ويستحيل يُعتمد على هذا الإنسان بأي شكل من الأشكال، لأن طالما خوف الله خارج القلب وظاهر في عدم الأمانة وحفظ العهد فلا يُمكن الوثوق في هذا الإنسان مهما على شأنه أو كانت معرفته حتى لو مارس كل الطقوس بدقة شديدة وله كل المعارف الروحية واللاهوتية وحفظ وصايا الله عن ظهر قلب، لأنها مجرد فكر حبيس العقل ولم يتحول لحياة مُعاشه تظهر في أمانة عهد مع الله الحي:
[ يا ليت لي في البرية مبيت مسافرين فأترك شعبي وانطلق من عندهم لأنهم جميعاً زُناة، جماعة خائنين. يمدون ألسنتهم كقسيهم (قوس الحرب) للكذب لا للحق، قووا في الأرض لأنهم خرجوا من شرّ إلى شرّ، وإياي لم يعرفوا يقول الرب. احترزوا كل واحد من صاحبه وعلى كل أخ لا تتكلوا لأن كل أخ يعقب عقباً وكل صاحب يسعى في الوشاية. ويختل الإنسان صاحبه ولا يتكلمون بالحق، علموا ألسنتهم التكلم بالكذب وتعبوا في الافتراء. مسكنك في وسط المكر بالمكر، أبوا أن يعرفوني يقول الرب. لذلك هكذا قال رب الجنود هانذا أُنقيهم و امتحنهم لأني ماذا أعمل من أجل بنت شعبي. لسانهم سهم قتال يتكلم بالغش بفمه، يُكلم صاحبه بسلام وفي قلبه يضع له كميناً ] (إرميا 9: 2 – 8)

وليس الشعب هو فقط الغير أمين بل امتدت عدم الأمانة لرؤسائه ايضاً: [الشيخ والمعتبر هو الرأس والنبي الذي يعلم بالكذب هو الذنب. وصار مرشدو هذا الشعب مضلين ومرشدوه مبتلعين. لأجل ذلك لا يفرح السيد بفتيانه (يتكلم عن فتيان شعب إسرائيل) ولا يرحم يتاماه وأرامله، لأن كل واحد منهم منافق وفاعل شرّ وكل فم متكلم بالحماقة، مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدودة بعد (لأنه أمين يُريد أن يرحم الشعب لأنه يوبخ لأجل العودة بتوبة صادقة) ] (أشعياء 9: 15 – 16)
وقد أصبح هذا هو حال كُل الشعب والأنبياء الكذبة: [ لأنه شعب متمرد أولاد كذبة أولاد لم يشاؤوا أن يسمعوا شريعة الرب. الذين يقولون للرائين لا تروا وللناظرين لا تنظروا، لنا مستقيمات، كلمونا بالناعمات، أنظروا مخادعات. حيدوا عن الطريق، ميلوا عن السبيل، أعزلوا من أمامنا قدوس إسرائيل ] (إشعياء 30: 9 – 11)

ولكن لننتبه، لأن هذا الفساد لا يخص إسرائيل وحدها فقط، لأن هذا المثل اصبح ينطبق في كل مكان: [ أما صاحب الصدق فمن يجده؟ (الإنسان الأمين من يجده) ] (أمثال 20: 6)
وقد أظهر الرب أن العبادة بكل تفاصيلها لا يقبلها طالما لا يوجد إيمان بقدوس إسرائيل، إيمان مترجم لأمانة، وصلاح الله يسكن القلب ويظهر في أعمال الإنسان اليومية: [ لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب، اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما اسر. حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري. لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة، البخور هو مكرهة لي، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لستُ أُطيق الإثم والاعتكاف. رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت عليَّ ثقلاً مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وأن كثرتم الصلاة لا أسمع، أيديكم ملآنة دماً. اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشرّ، تعلموا فعل الخير، أطلبوا الحق، انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة ] (إشعياء 1: 11 – 16)
ويقول سفر المثال عن العبادة الزائفة: [ أكثر الناس يُنادون كل واحد بصلاحه، أما الرجل الأمين فمن يجده ] (أمثال 20: 6)
ويقول الرب يسوع نفسه في الإنجيل: [ فمتى صنعت صدقة فلا تُصوت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يُمجدوا من الناس ] (متى 6: 2)

أننا نجد بالربط بين هذه الفقرات إن الله يوجه إليهم – بحسب استقامة عدله [ كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب مُلكك ] (مزمور 45: 6) – اتهام خطير للغاية، فأنه ينسب إليهم نكراناً لشخصه من جهة إنكار حضوره معهم أو أنه لا يوجد إله، ولا ينسب إليهم عبادة وثن أو أي شيء آخر، إنما نسب إليهم أخطر شيء وهو [ الرياء ] وهو ظاهر في عدم الأمانة القلبية بصدق تقديم العبادة في إخلاص المحبة، فهم يُمارسون العبادة لله بدقة شديدة جداً بحرفية قاتلة، يقدمون كثيراً من الذبائح ويحفظون الأعياد بمنتهى الحرص الشديد، أما قلوبهم فبعيدة عن الله وحياتهم فاسدة تماماً، لذلك يقول الرب:
[ فقال السيد لأن هذا الشعب قد اقترب إليَّ بفمه وأكرمني بشفتيه وأما قلبه فأبعده عني وصارت مخافتهم مني a rule given them by the teaching of men وصية الناس معلمة ] (أشعياء 29: 13)
[ يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه ويُكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً ] (متى 15: 8)
[ فأجاب وقال لهم حسناً تنبأ إشعياء عنكم أنتم المرائين كما هو مكتوب: هذا الشعب يُكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً ] (مرقس 7: 6)

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ الأعمال التي تُمارس بطريقة تُضاد إرادة الله، أو تُقدم في عير وقار لائق، لا تنفع شيئاً… الله غير محتاج إلى شيء، مادام لا شيء يجعله دنساً! لقد بلغ إلى النهاية بسبب تصرفاتهم المملؤة رياء (إشعياء 1: 11) ]
ويقول الشهيد يوستين: [ الرب إلهنا يحفظ مثل هذه الأمور، إن وُجِدَ بينكم إنسان حانث بقسمه أو لصاً فليكُف عن هذا، وإن وُجِدَ زانياً فليتب، وعندئذٍ يحفظ سبوت الله العذبة الحقة. إن كان لأحد أيدٍ غير طاهرة فليغتسل ويتطهر ]

لقد اختار الله إسرائيل ليكون شاهداً لهُ، ولكن لم يُظهر هذا الشعب أمانة في خدمته، بل بقى أعمى وأصم عن إرادة الله ومشيئته الحقيقية، وهذا ما نجده في كثير من الأجيال في تحريف كلمة الله ومفهوم وصاياه للالتفاف حولها لكي لا يحيا بها بكل جديه فيزيغ عنها بالالتفاف حولها ليقول هل حقاً قال الله هذا، وهذا يدل على عمى البصيرة التي تنشأ من رغبة القلب الخفي الذي لا يريد سوى مشيئته هو لا مشيئة الله:
[ أيها الصم اسمعوا، أيها العمي انظروا لتبصروا. من هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسله، من هو أعمى كالكامل وأعمى كعبد الرب. ناظر كثيراً ولا تُلاحظ، مفتوح الأُذنين ولا يسمع. الرب قد سر من أجل بره، يُعظم الشريعة ويُكرمها. ولكنه شعب منهوب ومسلوب قد اصطيد في الحفر كله وفي بيوت الحبوس اختبأوا، صاروا نهباً ولا منقذ وسلباً وليس من يقول رد. من منكم يسمع هذا، يصغى ويسمع لما بعد. من دفع يعقوب إلى السلب وإسرائيل إلى الناهبين، أليس الرب الذي أخطأنا إليه ولم يشاءوا أن يسلكوا في طرقه ولم يسمعوا لشريعته ] (إشعياء 42: 18 – 24)

ولكن الله اختار عبداً آخر في نفس ذات الطبيعة التي للإنسان، وجعل روحه عليه (من جهة إنسانيته) وأعطاه نعمة الإصغاء وقوة الكلام (لأنه الخليقة الجديدة التي فيها يجدد طبيعة الإنسان الذي فسد ليدخل في سرّ الإيمان الحي ليُترجم لأمانة بحفظ العهد تظهر قداسة في السيرة بحياة الوصية):
[ هوذا عبدي الذي اعضده، مختاري الذي سُرت به نفسي، وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يُطفئ، إلى الأمان يُخرج الحق. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر (جمع جُزر) شريعته. هكذا يقول الله الرب خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، مُعطي الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحاً. أنا الرب قد دعوتك بالبرّ فامسك بيدك واحفظك واجعلك عهداً للشعب ونوراً للأُمم. لتفتح عيون العُمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أُعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات. هوذا الأوليات قد أتت والحديثات أنا مُخبر بها قبل أن تنبت أعلمكم بها ] (إشعياء 42: 1 – 9)

ويُعلن هذا العبد المختار الذي يُحقق وحده قصد الله متمماً مشيئته كما هي حسب القصد الأزلي، يُعلن البرّ الحقيقي بكل إخلاص وأمانة وصدق مُطلق، دون أن تفقده المحن والمشقات الموضوعة عليه، أمانته نحو رسالته من الله الآب: [ أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المُعيي بكلمة، يوقظ كل صباح، يوقظ لي أُذناً لأسمع كالمتعلمين. السيد الرب فتح لي أُذناً وأنا لم أُعاند، إلى الوراء لم أرتد. بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق. والسيد الرب يُعينني، لذلك لا أخجل، لذلك جعلت وجهي كالصوان وعرفت إني لا أخزى ] (إشعياء 50: 4 – 7)، وهذا بالطبع يدخلنا في العهد الجديد لندخل في معرفة أمانة يسوع لكي ندخل وننمو في سرّ الإيمان العظيم

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: