الرئيسية / مدرسة الحياة المسيحيه / بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس / سرّ الإيمان الحي -الجزء الخامس- بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس، تابع شرح معاني الكلمة – المعنى الأول: Παρρησίαν الثقة (2) الإيمان بالله ثقة بمحبته
91322084

سرّ الإيمان الحي -الجزء الخامس- بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس، تابع شرح معاني الكلمة – المعنى الأول: Παρρησίαν الثقة (2) الإيمان بالله ثقة بمحبته

91322084

الإيمان – حياة وخبرة (الجزء الرابع)
تابع شرح معاني الكلمة – المعنى الأول: الثقة Παρρησίαν
(أ) الإيمان بالله ثقة بمحبته؛ (ب) ما هو عدو الإيمان الأول
(2) الثقة والصلاة المتواضعة


أ- الإيمان بالله هوَّ ثقة شديدة بمحبته :

بلا أدنى شك، أن الفواجع التي تُصيب الإنسان والمصائب التي تلُّم به تبقى أحداثاً لا يُمكنه كإنسان إلا أن يشعر بمرارتها وقسوتها. ولكنه يؤمن إن الله الذي هو معه أعظم منها، [ ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر آمين ] (متى 28: 20)، وإن محبة الله لهُ أقوى من الموت نفسه وأقوى من كل ما يمكن أن يحدث لهُ: [ بهذا أُظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به ] (1يوحنا 4: 9)

وأيضاً بالنسبة للخطية والفجور، فإزاءهِ يفقد الإنسان سلامه وإنسانيته فيُهان عند ذاته ويخجل ويخشى مواجهة الله [ واختبأ آدم لأنه علم إنه.. عُريان.. فقال الله: آدم أين أنت ] (تكوين 3)؛ ولكن بالإيمان وبجراءة الثقة في محبة الله، يتقدم الإنسان واثقاً في الله بره الخاص: [ لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه ] (2كورنثوس 5: 21)، [ برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون ] (رومية 3: 22)؛ فيتوب ويعترف بخطيئته أمام الله كابن حقيقي في الابن الوحيد، فتنسكب قوة غفران في قلبك مع غسل بدم ابن الله الحي: [ ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يوحنا 1: 9)، [ أن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية ] (1يوحنا 1: 7)


ويقول القديس كيرلس الكبير عامود الدين: [ “يا جميع الأمم صفقوا بالأيادي، هللوا بصوت الحمد” (مزمور47: 1). ذلك لأن المخلّص قد أَعدَّ لنا طريقاً جديداً للخلاص لم يطأه القدماء. فالناموس الذي رسمه موسى الكلي الحكمة كان لاستنكار الخطية وإدانة التعديات: ولكنه لم يبرر أحد على الإطلاق. وها الفائق الحكمة بولس الرسول يكتب قائلاً: “من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة ” (عبرانيين 10: 28)، ولكن ربنا يسوع المسيح بعد أن أزال لعنة الناموس وأكد على عجز وعدم فاعلية الوصية التي تُدين، صار رئيس كهنتنا الأعظم حسب قول المغبوط بولس (عبرانيين 6: 20) لأنه صار
يُبرر الفاجر بالإيمان ويُطلق أسرى الخطية أحراراً وهذا ما قد سبق وأعلنه لنا على فم أحد أنبيائه القديسين: ” في تلك الأيام وفي ذلك الزمان يقول الرب: يُطلب إثم إسرائيل فلا يكون، وخطية يهوذا فلا توجد، لأني أغفرّ لمن أُبقيه.” (إر50: 20)


أما تحقيق هذا الوعد فقد صار لنا عند تجسده، كما تؤكد لنا الأناجيل المقدسة ذلك. فعندما دعاه أحد الفريسيين، ولكونه ودوداً ومُحباً للإنسان “ومُريد أن كل الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون” (1تيموثاوس 2: 4) لبَّى رغبة الداعي وحقق لهُ أُمنيته.

وإذ دخل إلى عنده واتكأ على مائدته، للوقت دخلت امرأة تلطخت حياتها بالعيوب المُشينة: وكمن أفاق بصعوبة من الخمرّ والسُّكر، هكذا بدأت هيَّ تحس بتعدياتها وقدمت توسلاتها إلى المسيح كقادر على تطهيرها وتخليصها من كل عيبها وتحريرها من كل خطاياها السابقة ” كصفوح عن الآثام وغير ذاكر الخطايا ” (عبرانيين 8: 12). وإذ تجرأت على الاقتراب إليه، غسلت رجليه بدموعها ومسحتهما بشعرّ رأسها ثم أيضاً دهنتهما بالطيب. وهكذا نجد أن امرأة كانت من قبل خاطئة ومنغمسة في الخطية، لا تخفق في أن تجد سبيل الخلاص؛ لأنها لجأت لمن يعرف كيف يُخلِّص، ولهُ القدرة أن يرفع من أعماق النجاسة. فهيَّ إذ لم تُخذل في تحقيق غايتها..

..فهبات المسيح تصعد بالبشرية إلى قمة الرجاء الذي طالما انتظروه، وإلى أبهج الأفراح. فها المرأة التي كانت ملطخة بأدناس عديدة ومستحقة لكل ملامة بسبب أفعالها الشائنة تتبررّ، حتى يكون لنا نحن أيضاً ثقة أكيدة بأن المسيح سيرأف بنا عندما يرانا مُقبلين إليه، جاهدين أن نفلت من أشراك الإثم..

لا تضطرب إذا ما تفكرت في جسامة خطاياك السابقة، بلّ أعلم تماماً، أن النعمة ما زالت تفوقها عِظماً، فهيَّ الكفيلة بأن تُبرر الأثيم وتغفر ذنوب الفاجر.

فالإيمان بالمسيح هوَّ ضامن لنا بكل هذه البركات العظيمة: لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الحياة: ويدعونا للانطلاق إلى المنازل العلوية: ويرقى بنا لميراث القديسين: ويجعلنا أعضاء في ملكوت المسيح: الذي به وله مع الله الآب ومع الروح القدس المجد والسلطان إلى الأبد الآبدين آمين. ]
ونجد أنه عندما أراد يوحنا الإنجيلي التعريف بالله لم يلجأ إلى تعبير فلسفي نظري أو فكري، بل قال: [ إن الله محبة. فمن يثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه ] (1يوحنا 4: 16). وفي تعريفه بالمحبة يقول: [ على هذا تقوم المحبة: لا أننا نحن أحببنا الله، بل هوَّ نفسه أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا ] (1يوحنا 4: 10)، لقد عرفنا القديس يوحنا الرسول بالله من خلال علاقة الله بالبشر. وتلك العلاقة هيَّ علاقة محبة.
ويقول القديس كليمنضُس الروماني في رسالته إلى أهل كورنثوس (101م) : [ في المحبة استحوذ علينا السيد الرب. ومن أجل المحبة التي لهُ من نحونا، بذل ربنا يسوع المسيح، بمشيئة الله، دمه من أجلنا، وجسده من أجل أجسادنا، وحياته من أجل حياتنا! ]
ويجد هذا التعريف بالله “المحبة”، صدى في قول جبران خليل جبران: ( أما أنت إذا أحببت الله فلا تقل: الله في قلبي، بل قُل: أنا في قلب الله )


وهذا هوَّ موقف المؤمن الحقيقي إزاء الحياة والكون وكل ما يُمكن أن يحدث لهُ في اليُسر والضيق، في الفرح والحزن، في السعادة والشقاء، في الحياة والموت، يؤمن إنه ليس وحيداً في هذا الكون ولا غريباً في هذه الحياة. فالله قد أحبه واختاره وقَبلهُ. أنه في قلب الله إلى الأبد، والضامن لنا تجسد الكلمة، فالله الكلمة أتخذ جسدنا مسكناً لهُ، ولا يُمكن أن يتخلى عنه أبداً..

وتلك هيَّ البشرى الصالحة التي بشرنا بها ربنا يسوع المسيح في كلامه عن الله الآب، وفي حياته كلها وموته وقيامته: [ الله نفسه يحبكم..الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا.. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.. أنظروا أي محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله..،،،،،،،،، ]

ب – عدو الإيمان الأول هوَّ: الخوف

الخوف دليل على التمسك بالنفس والعطف والإشفاق على الذات (وهذا عكس المعنى = الثقة)، وهذا الخوف مظهر من مظاهر حُب الذات، لذلك فهوَّ يقف ضدّ الإيمان ويضعفه ويحرم الإنسان من ثمراته الحلوة.
لأن الإيمان في ذاته هوَّ خروج عن الذات وإنكار للنفس بدافع محبتنا لله والناس، والمؤمن الحقيقي هوَّ الذي سلَّم نفسه وجسده لله (بثقة)، وهوَّ لا يخشى شيئاً قط، مُلقياً كل ثقته على مواعيد الله الصادقة: [ من آمن بي ولو مات فسيحيا ] (يوحنا 11: 25). هكذا قدم إبراهيم ابنه: [ إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات ] (عبرانيين 11: 19)؛ كذلك تقدم الفتية الثلاثة إلى أتون النار غير خائفين، واثقين أن الله يحفظهم من لهيبها: [ يا نبوخذ نصَّر لا يلزمنا أن نُجيبك عن هذا الأمر، هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن يُنجينا من أتون النار المتقدة، وأن يُنقذنا من يدك أيها الملك. ] (دانيال 3: 16و17)

ودانيال أيضاً لما ألقوه في جُب الأسود وثق بإلهه: [ فأُصعد دانيال من الجُب ولم يوجد به ضرر لأنه آمن بإلهه. ] (دانيال 6: 23)
ولكي نُدرك خطورة الخوف وضرره على حياتنا الروحية، يجب أن نتأمل هذه الآية: [ أما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هوَّ الموت الثاني. ] (رؤية 21: 8)

ربما نتعجب أن الخائفين وُضعوا في رأس هذه القائمة المشؤمة، ولكن سبب ذلك: أن الخوف هوَّ الذي يُسقطنا في جميع هذه الخطايا ويجعلنا تحت العبودية لذلك أتى المسيح الرب ليُخلصنا منه [ ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ] (عبرانيين 2: 15)


2الثقة والصلاة المتواضعة:

إن الثقة بالله، التي تتأصل في هذا الإيمان، تزداد رسوخاً على قدر ما تزداد تواضع؛ فليس المقصود بالثقة أن نتجاهل عمل القوات الشريرة في العالم، وهيَّ القوات التي تدَّعي أنها تُسيطرّ عليه من جهة روح الفساد التي تعمل في أبناء المعصية:

[ ثمَّ أخذه أيضاً إبليس إلى جبلٍ عال جداً وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال لهُ أُعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي ] (متى 4: 8-9)
[ نعلم أننا من الله والعالم كله وضع في الشرير ] (1يوحنا 5: 19)
[ التي سلكتم فيها قبلاً حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية ] (أفسس 2: 2)

ولا من باب أولى أن ننسى أننا خطاة. بل المطلوب الاعتراف بقدرة الخالق ورحمته المتسعة جداً، ونتيقن من أنه هوَّ الذي يُريد أن يُخلّص كل البشر: [ الله الذي يُريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون ] (1تيموثاوس 2: 3و4)، وأن يجعل منهم أبناء لهُ بالتبني بيسوع المسيح: [ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قُدامه في المحبة إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته ] (أفسس 1: 3 – 5).


عموماً.. نجد في العهد القديم دعوة إلى الثقة غير المشروطة، ونجد هذه الثقة في أوج معناها عند يهوديت، التي أعطتنا عنها مثالاً لا يُنسى قط، مثالاً ينبغي أن نحتذي به: فقد تكلمت إلى شيوخ الشعب عندما سمعت أن عُزّيا وعد أن يُسلم المدينة إذا لم يتدخل الله بعد خمسة أيام قائلة، وهذا ما نراه عند البعض حينما يضعوا شرطاً أمام الله أن لم يتدخل وينقذهم أو يُتمم ما يطلبونه في الصلاة :
[ من أنتم حتى تُجربوا الرب
، ليس هذا بكلام يستعطف الرحمة، بل بالأحرى يُهيج الغضب ويُضرم السخط فإنكم قد ضربتم (حددتم) أجلاً لرحمة الرب وعينتم لهُ يوماً كما شئتم (إذ أنهم قالوا: إن لم تأتينا معونة بعد خمسة أيام نُسلّم المدينة) ولكن بما أن الرب طويل الأناة فلنندم على هذا ونلتمس غُفرانه بالدموع المسكوبة.إنه ليس وعيد الله كوعيد الإنسان ولا هوَّ يستشيط حنقاً كابن البشر لذلك فلنذلل لهُ أنفسنا ونعبده بروح متواضع ولنسأل الرب باكين أن يؤتينا رحمته حسب مشيئته لنفتخر بتواضعنا مثلما اضطربت قلوبنا بتكبرهم ] (يهوديت 8: 11-17)، وطبعاً – هنا – واضح التأكيد على كلام الرب نفسه الذي قال : [ لا تجرب الرب إلهك ]، وهذا بالطبع يوضح أيضاً ضعف الثقة في الله واليأس من تدخله وهذا لا يُرضي الله لأنه بدون إيمان يستحيل إرضاؤه !!! ((( وطبعاً نجد البعض قد فهموا خطأ كلمة أعطوني العشور وجربوني أن الله سمح للناس أن تجربه في العشور فقط، كما نسمعها من بعض الشراح [ أن الحاجة الوحيدة اللي سمح فيها الله ان نجربه بإعطاء العشور ]، وهذا تفسير مُغالط تماماً للكتاب المقدس لأنه يضع في أذهان الناس أن لهم حق أن يجربوا الله إذ يعطوا العشور لكي يتمم لهم شيء معين وهذا خطير وعكس الإيمان الحي، لأن نص الآية في العبرية معناه [ أعطوني العشور واختبروا (تذوقوا) حناني ] )))


عموماً فإن هاتان الفضيلتان: [ الثقة والتواضع ]، يُعبَّر عنهم في صلاة المساكين الذين مثل سوسنة العفيفة، هؤلاء الذين يحيوا دون حماية وفي خطرّ الموت، تكون قلوبهم واثقة بالله الذين يحبونه ويحيوا في طاعته، فسوسنة عندما اتهمت بالزنا وشهد عليها شهادة زور، لم تُدافع عن نفسها بلّ: [ فرفعت طرفها (طرف عينيها) إلى السماء وهيَّ باكية لأن قلبها كان متوكلاً على الرب ] (دانيال 13: 35)

ومن ثمَّ فإنه من أعماق الهاوية ينطلّق نداء المزامير بثقة:
[ أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي أنت يا إلهي لا تُبطئ ] (مزمور 40: 17)
[ وأما أنا فعلى رحمتك توكلت يبتهج قلبي بخلاصك ] (مزمور 13: 5)
[ كثيرة هيَّ نكبات الشرير أما المتوكل على الرب فالرحمة تُحيط به] (مزمور 32: 10)
(وللأهمية الشديدة أنظر مزمور 2: 12، مزمور 130 كله والمزمور 131، الذي هوَّ تعبير واضح وصادق عن هذه الثقة المتواضعة التي سوف يُعطيها ربنا ومخلصنا الكلى الصلاح الفائق، كمالها الأخير في تجسده)

فالرب يسوع مخلصنا، دعا – في الواقع – تلاميذه للانفتاح كأطفال لعطية الله: [ الحق الحق أقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد لن يدخله ] (مرقس 10: 15)

حينئذٍ، فقط، ستكون الصلاة إلى الآب السماوي على يقين من ينال كل شيء، والآب نفسه سيُعطي أثمن عطية للإنسان بما يفوق اي تصور أو عطايا جيدة يُعطيها الآباء لأبنائهم، لأن الآب نفسه يحبنا في المسيح يسوع لأننا صرنا أبناء في الابن الوحيد: [ وأنا أقول لكم أسألوا تُعطوا، أطلبوا تجدوا، أقرعوا يُفتح لكم، لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح لهُ. فمن منكم وهوَّ أب يسأله ابنه خبزاً أيعطيه حجراً، أو سمكة أيعطيه حية بدل السمكة، أو إذا سأله بيضة أيُعطيه عقرباً، فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يُعطي الروح [1] القدس للذين يسألونه ] (لوقا 11: 9-13)

عموماً، نستطيع أن نقول بكل يقين وتأكيد أنه بواسطة الصلاة الواثقة بإيمان حي ينال الخاطئ التبرير والخلاص: [ فقال للمرأة إيمانك قد خلصك. أذهبي بسلام ] (لوقا 7: 50)، ” وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينية نحو السماء بل قرع على صدره قائلاً اللهم أرحمني أنا الخاطئ؛ أقول لكم إن هذا نزل إلى بيته مبرراً.. ] (لوقا 18: 13و14)

وبواسطة هذه الصلاة الواثقة بإيمان حي في من يُقيم الميت وقد أنتن وفسد ولا يصلح لأي علاج، يستعيد الإنسان مُجدداً سلطانه على الخليقة: [ فأجاب يسوع وقال لهم ليكن لكم إيمان بالله لأني الحق أقول لكم إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون لهُ [2] ](مرقس 11: 22- 23)


ولكن بالرغم من ذلك الخضوع [ خضوع الطبيعة للإنسان المؤمن إيمان حي بيسوع ]، فإن على أبناء الله أن يتوقعوا من غير المؤمنين ألواناً مختلفة من الهُزأ والسخرية والاضطهاد، وذلك بسبب ثقة البنوة ذاتها، أي ثقتهم كبنين في الله أبوهم بالحقيقة، فالرب يسوع نفسه قد اختبر ذلك – كما نعلم من الأناجيل والتاريخ ( وإلى الآن طبعاً ) في الهزأ منه وقت صلبه : [ قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراد، لأنه قال أنه ابن الله ] (متى 27: 43)، [ فإنه إن كان الصدّيق ابن الله فهوَّ ينصره وينقذه من أيدي مقاوميه ] (حكمة 2:18)

عموماً، أمام الاضطهادات والسخرية والمشاكل اليومية التي يُثيرها عدو كل خيرعلى من يحب الرب بكل قلبه في عدم فساد، عن طريق كل من هم يقودهم بالشر في ظلمة الفساد والعائشين تحت عبودية الموت، ينتصر المؤمنين بقوة الثقة في المسيح الرب الذي عبر على السخرية بثقة لأنه هو ابن الله بالطبيعة، ولكونه اتخذ جسم بشريتنا فوهبنا نفس الثقة التي له لنفوز ونغلب وننتصر، لا بالشكل الإنساني المعروف بأن يُرفع الألم أو الضيق، أو ينتقم من مضطهدينا، بل بأن نتمجد معه كما تمجد أيضاً بصفتنا أننا أولاد الآب السماوي في شخصه القدير الحي، القائم من الأموات منتصراً على الموت لحسابنا نحن ومعطينا سلامه الذي يفوق كل عقل؛ ولنصغي لسخرية الناس التي نراها في كل زمان ونتعلم كيف تكون الثقة في الله الحي في أشد ساعات الظلمة والاضطهاد فمكتوب في إنجيل متى وهو مستند على سفر الحكمة :

[ قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده لأنه قال أنه ابن الله ] (متى 27: 43)
[ فإنه إن كان الصدّيق ابن الله فهو ينصره وينقذه من أيدي مقاوميه ] (حكمة 2: 18)
وبينما يتمم الرب ذبيحته لأجل حياة العالم، أسلم روحه بصرخة حُب وثقة صارت منه وامتدت لكل من يؤمن به ويقع تحت نفس ذات الاضطهاد عينه: [ ونادى يسوع بصوت عظيم وقال: يا أبتاه في يديك أستودع روحي ] (لوقا 23: 46)
ونرى نفس ذات الثقة في أعمال الرسل ظاهرة للقديس استفانوس وهو يدعو ويقول: [ أيها الرب يسوع أقبل روحي ] (أعمال 7: 59)
ويقول القديس بولس الرسول موضحاً هذا الاضطهاد: [ فإنكم سمعتم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهودية أني كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأُتلفها ] (غلاطية 1: 13)

ونجد صدى هذه الثقة في الله وقت الاضطهاد واضحة في المزامير، إذ يقول المرنم: [ أبغضت الذين يراعون أباطيل كاذبة. أما أنا فعلى الرب توكلت. أبتهج وأفرح برحمتك لأنك نظرت إلى مذلتي وَعَرفتَ في الشدائد نفسي ولم تحبسني في يد العدو بل أقمت في الرحب رجلي …أما أنا فعليك توكلت يا رب. قُلتُ إلهي أنت. في يدك آجالي [ مفردها أجل: نهاية زمن – والمقصود ساعة الموت ]. نجني من يد أعدائي ومن الذين يطردونني. أضئ بوجهك على عبدك. خلصني برحمتك …
ما أعظم جودك الذي ذخرته لخائفيك. وفعلتك للمتكلين عليك … تسترهم بستر وجهك من مكايد الناس …
لتتشدد ولتتشجع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب ] (مزمور31)

يقول الأب يوحنا الدرجي: [ الإيمان هو وقفة النفس ثابتة لا تزحزحها أية بلية أو محنة. ذو الإيمان الحق ليس هو الذي يفتكر أن كل شيء ممكن لدى الله، بل الذي يرى وجوب قبول كل شيء من يد الله ]

[ الله لنا ملجأ و قوة عونا في الضيقات وجد شديدا.

لذلك لا نخشى و لو تزحزحت الأرض و لو انقلبت الجبال إلى قلب البحار.

تعج و تجيش مياهها تتزعزع الجبال بطموها …

نهر سواقيه تفرح مدينة الله مقدس مساكن العلي.

الله في وسطها فلن تتزعزع يعينها الله عند إقبال الصبح.

عجت الأمم تزعزعت الممالك أعطى صوته ذابت الأرض.

رب الجنود معنا ملجأنا إله يعقوب …

هلموا انظروا أعمال الله كيف جعل خربا في الأرض.

مُسكن (تسكين – تهدئه) الحروب إلى أقصى الأرض يكسر القوس و يقطع الرمح المركبات يحرقها بالنار.

كفوا و اعلموا إني أنا الله أتعالى بين الأمم أتعالى في الأرض.

رب الجنود معنا ملجأنا اله يعقوب – مزمور 46

ويلزمنا أن نعرف أن عدو صلاة الإيمان الواثق هو الشك، لأن الشك هو السبب الرئيسي في عدم استجابة صلواتنا أو رؤيتنا الداخلية لله القدوس الحي أو سبب عدم قدرتنا على احتمال المشقات وفقدان الفرح و السلام وسط التجارب والضيقات وكما هو مكتوب: [ احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة. عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً. و أما الصبر فليكن له عمل تام لكي تكونوا تامين و كاملين غير ناقصين في شيء. و إنما أن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء و لا يعير فسيعطى له. ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة لأن المرتاب يشبه موجاً من البحر تخبطه الريح و تدفعه. فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئا من عند الرب. رجل ذو رأيين هو متقلقل في جميع طرقه ] (يعقوب 1: 2 – 8)


_____________________

[1] بالنسبة لعطاء الروح القدس في هذه الآية، يذكر متى “ما هوَّ صالح” أما لوقا فإنه يذكر “الروح القدس” الذي هوَّ، في نظره، العطية المثالية المملوءة صلاحاً يفوق كل صلاح يعرفه الإنسان بما لا يُقاس، والذي غالباً ما يوهب في سفر أعمال الرسل؛ والآية ” فكم بالحري الآب الذي من السماء يُعطي الروح القدس للذين يسألونه؟!” مقصود بها هوَّ إن كان آباؤنا الأرضيين يهتمون أن يقدموا خبزاً وسمكة وبيضة لكي نقدر أن نعيش على الأرض، فإن الآب الذي من السماء يُعطي الروح القدس الذي هوَّ وحده روح الشركة، يُثبتنا في الابن الوحيد الكلمة المتجسد، منطلقاً بنا (الابن) بالروح القدس إلى حضن الآب السماوي.
فعمله أن يهبنا ” الحياة الجديدة” الحاملة للسمة السماوية. لكي نعود إلى الحضن الأبوي..
وليس المقصود هُنا، إننا في كل مرة نطلب من الآب، نأخذ الروح القدس، فهوَّ يُأخذ مرة واحدة للسُكنى، بعد المعمودية بالميرون، ولكن ما نناله هوَّ الامتلاء “امتلئوا بالروح”، وبه نزداد ثباتاً وتوبة وإيماناً ومحبة..

[2] طبعاً المقصود هنا ليس قدرة الإنسان في حد ذاتها، ولكن المقصود هوَّ قدرة الله لتلبية إيمان الإنسان بحسب مشيئته، وليس حسب هوى الإنسان ورغباته، مهما كانت صالحة في شكلها، وتهدف إلى الخير الأسمى، لأن الأمور تكون صحيحة وتامه حينما تكون حسب مشيئة الله، وعلى الإنسان ان يطلب روح إفراز وتمييز وقيادة بالروح القدس حتى يتصرف وفق مشيئة الله وصلاحه لأجل مجد الله الواحد الحي الحقيقي، لأن المعجزات ليست شو إعلامي، وليست لظهور الإنسان أمام الناس وتكريمه كما يفعل البعض حينما يسمعوا معجزات تمت عن طريق القديسين [ فالجموع لما رأوا ما فعل بولس ( شفاء الرجل المولود عاجز القدمين ولم يستطع المشي قط) رفعوا صوتهم بلغة ليكاونية قائلين أن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا.فكانوا يدعون برنابا زفس وبولس هرمس إذ كان هو المتقدم في الكلام.فأتى كاهن زفس الذي كان قدام المدينة بثيران وأكاليل عند الأبواب مع الجموع وكان يُريد أن يذبح. فلما سمع الرسولان برنابا وبولس مزقا ثيابهما واندفعا إلى الجمع صارخينوقائلين: أيها الرجال لماذا تفعلون هذا نحن أيضاً بشر تحت الآم مثلكم، نُبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيه ] (أعمال 14: 11 – 15)

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: