الرئيسية / مدرسة الحياة المسيحيه / بحث عن الإيمان في أصول معناه ومفهومه الصحيح في الكتاب المقدس / سرّ الإيمان الحي -الجزء العاشر- بحث عن الإيمان ومفهومه الصحيح، تابع (2) الأمانة πιστός – أمانة يسوع
1167987_10151850344541369_10420437_n

سرّ الإيمان الحي -الجزء العاشر- بحث عن الإيمان ومفهومه الصحيح، تابع (2) الأمانة πιστός – أمانة يسوع

الإيمان – حياة وخبرة (الجزء التاسع– تابع الجزء الرابع من شرح الموضوع: الأمانة)
تابع المعنى الثاني للإيمان في الكتاب المقدس: الأمانة πιστός
אֶמֶת – חֶסֶד – πίστις – πιστεύω – πιστός – πιστόω
ثانياً العهد الجديد: أمانة يســــــــــــــوع

ثانياً العهد الجديد: (أ) أمانة يســـــــوع

في تعاليم العهد الجديد المتعلقة بأمانة الله، بصورة أكثر وضوح تؤكد على الأمانة لمواعيده الكريمة التي وعد بها أنبياؤه القديسين الذين بدورهم أعلنوها لشعبه وتحققت في ملء الزمان حسب القصد الأزلي كالتدبير [على رجاء الحياة الأبدية التي وعد بها الله المنزه عن الكذب قبل الأزمنة الأزلية. وإنما أظهر كلمته في أوقاتها الخاصة … ] (تيطس 1: 2 – 3)

عموماً نجد أن القديس بولس البارع في استخدام المفردات اللغوية قد استخدم في رسائله الكلمة ἀλήθεια للدلالة على الحق truth أو الصدق Honesty الذي يعلنه الله للإنسان عن طريق استنارة العقل أو في الضمير الطاهر، ولتدل على محتوى تعليم الإنجيل، ففي رسالته إلى رومية نجد أن هذا التعبير يُعبِّر عن أمانة الله وصدقه، ففي الإصحاح الثالث يُقابل الرسول بين أمانة الله الثابتة وعدم أمانة الناس: [ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقاً true وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِباً. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلاَمِكَ وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ» ] (رومية 3: 4)، [وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ الْخِتَانِ مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ truthfulness حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ ] (رومية 15: 8)

عموماً نجد أن كلمة ἀλήθεια تدل على نفس الصفة الإلهية كالكلمة πιστιν faith المترجمة أمانة truthfulness وذلك في رسالة رومية: [ فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟ ] (رومية 3: 3)
أما في الإصحاح 15 في نفس الرسالة يُظهر أن إثبات أمانة الله هي في تتميم مواعيده للآباء وهذا كان هدف خدمة يسوع لليهود، وهذا واضح في الكلمة التي استخدمها الرسول [ خدمة الختان ]، فالرب يسوع المسيح ارتضى بأن يُختتن ويصير يهودياً لكي يكون خادم الختان ليُظهر صدق الوعد [ لم أُرسل إلاَّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ] (متى 15: 24)
وطبعاً ليس معنى ذلك أن المسيح القيامة والحياة لم يأتي للأمم، لأن الرسول نفسه الذي تكلم عن المسيح خادم الختان أكد على رحمة الأمم: [ وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ الْخِتَانِ مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ. وَأَمَّا الأُمَمُ فَمَجَّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَأَحْمَدُكَ فِي الأُمَمِ وَأُرَتِّلُ لاِسْمِكَ». وَيَقُولُ أَيْضاً: «تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الأُمَمُ مَعَ شَعْبِهِ». وَأَيْضاً: «سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ الأُمَمِ وَامْدَحُوهُ يَا جَمِيعَ الشُّعُوبِ». وَأَيْضاً يَقُولُ إِشَعْيَاءُ: «سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَالْقَائِمُ لِيَسُودَ عَلَى الأُمَمِ. عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ» ] (رومية 15: 8 – 12)

عموماً نجد بشكل عام ان القديس بولس الرسول يؤكد تأكيد قاطع على أمانة الله لمواعيده الصادقة [ لأن مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الأمين لمجد الله بواسطتنا ] (2كورنثوس 1: 20)، لذلك بتأكيد – كما رأينا – يقول عن يقين [ فماذا إن كان قوم لم يكونوا أُمناء أفلعل عدم أمانتهم يُبطل امانة الله ] (رومية 3: 3)
ولقد أكد الرسول على أن شعب إسرائيل والأمم على حدٍ سواء بالنسبة للتبرير، ومع هذا فأن لإسرائيل امتياز شخصي عظيم، إذ أنهم الشعب الذي استؤمن على إعلانات مواعيد الله، وقد تحققت هذه المواعيد كالتدبير رغم حقيقة أن بعض اليهود كانوا غير أمناء لما تميزوا به كشعب الله الخاص ليكون مثالاً لباقي الشعوب يعلن مجد الإله الحي وسط شعوب الأرض ليعرفوا الله بواستطهم، لأن إتمام هذه المواعيد لا يتوقف على السلوك البشري، ولمن على أمانة الله التي يستحيل أن يُبطلها عدم أمانة البشر أو عدم إيمانهم، حتى لو كانوا مؤتمنين على وعود الله، أو على الرسالة التي حَمَّلهم إياها.
لذلك رداً على افتراض أن عدم أمانة الإنسان يُمكن أن تُبطل أمانة الله أو تعطلها، يقول القديس بولس الرسول: [ ليكن الله صادقاً true – sure وكل إنسان كاذباً false – a liar زائف، خادع، شكلي ] (أنظر رومية 3: 4)

والرسول يعني بذلك أن من جهة إتمام مواعيد الله؛ فبالرغم من حقيقة أن الناس غير أمناء، فإن أمانة الله تتأكد بشدة وتظهر بتجلي أعمق حتى وأن ثبت أن كل إنسان عديم الأمانة والصدق وليس عنده أي التزام يُظهر إيمانه إزاء ما أعطاه الله من وعد. أي أن عدم أمانة البشر تُعطي الفرصة لإظهار أمانة الله بقوة ومجد فائق عظيم، وهذا ما حدث مع شعب إسرائيل نفسه الذي أظهر إخفاقات عظيمة أمام مواعيد الله وكيف كانوا يتحولون سريعاً عن العهد الذي قطعه الله معهم وقد وعدوا بالتزامهم به، وأظهروا عدم أمانتهم وحفظهم للوصية والتمسك بمواعيد الله بإيمان حي ظاهر في سلوكهم، وهذا كله أظهر أن أمانة الله ليست وقفاً على عدم أمانة البشر، فتدبير مواعيده لم تتعطل أو تتوقف أو حتى تتعوق بسبب عدم صدق الإنسان وأمانته، فالذي حدث هو العكس، أن كل شيء تم وفق التدبير حسب الوعد في المواعيد الخاصة المحددة من قِبَل الله الذي التزم بسبب طبيعته، لأنه مطلق الأمانة والصدق.

فأمانة الله (אמת אלוהים) هي صدق مطلق غير متغير، ووفاءه دائم لمواعيده الصادقة، وأن هذه الأمانة لمواعيده، أو حقيقة أن هباته الكريمة واختياره لا يتغير قط، لذلك نجد أن الرسول يؤكد بيقين ظاهر بأن إسرائيل ستخلص في النهاية: [ فأني لست أُريد أيها الإخوة أن تجهلوا هذا السرّ لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء أن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل كما هو مكتوب سيخرج من صهيون المنقذ ويرد الفجور عن يعقوب. وهذا هو العهد من قبلي لهم متى نزعت خطاياهم. من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم وأما من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء. لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة. فأنه كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله ولكن الآن رُحمتم بعصيان هؤلاء. هكذا هؤلاء أيضاً الآن لم يطيعوا لكي يرحموا هم أيضاً برحمتكم. لأن الله أغلق على الجميع معاً في العصيان لكي يرحم الجميع ] (رومية 11: 25 – 29)
طبعاً لا يقول قائل أن إسرائيل ستخلص في المطلق، بل من يؤمن ويصدق مواعيد الله ويدخل في سرّ الكنيسة والوحدة مع الأمم ليكونوا رعية واحدة لراعٍ واحد، مثل أن الأمم ليس كل إنسان آمن أو دخل في سرّ الإيمان، لأن الإيمان ليس للجميع، بمعنى أن ليس كل إنسان على وجه الأرض سيختار الله ويؤمن به…

عموماً نجد أن أمانة الله مؤسسة على طبيعته الشخصية، فأن رجاء القديس بولس للحياة الأبدية يستند على حقيقة أن الله المنزه عن الكذب قد وعد بها قبل الأزمنة الأزلية: [على رجاء الحياة الأبدية التي وعد بها الله المنزه عن الكذب قبل الأزمنة الأزلية. وإنما أظهر كلمته في أوقاتها الخاصة … ] (تيطس 1: 2 – 3)
ويقينه أن الله سيبقى أميناً على الرغم من عدم أمانة البشر بشكل عام، يرتكز على حقيقة أن الله يستحيل – في المطلق – أن ينكر نفسه: [ إن كنا غير أُمناء فهو يبقى أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه ] (2تيمثاوس 2: 13)، [ أعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين، يحفظ العهد والرحمة لمُحبيه وحافظي وصياه إلى ألف جيل ] (تثنيه 7: 9)
فالله مستقيم وصادق، له الإخلاص والأمانة بديمومة مطلقة، يستحيل أن ينكر ذاته أو يتبرأ من مواعيده، حتى ولو لم يؤمن أحد بهذا فهو يظل أميناً حافظاً عهده، لأنه يستحيل بأي حال من الأحوال أن ينكر نفسه، أو يغير ما وعد به أو لا يُتمم مقاصده التي قصدها في الزمن، حتى ولو لم يهتم بها أحد أو أنكرها كل الناس أو حتى رفضوه هو شخصياً، فهو يظل ملتزماً بعهده إلى دهر الدهور.
وبكون الله أميناً بهذا المعنى، فأن مواعيده في المسيح فيها النعم والأمين: [ لكن أمين هو الله إن كلامنا لم يكن بنعم ولا… لأن مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الآمين لمجد الله بواسطتنا ] (2كورنثوس 1: 18و 20)

وعلاوة على ذلك فأن هذه الصفة التي يتميز بها الله على شكل خاص، والتي لا تُقارن بإنسان، هي أساس تأكيد الرسول الراسخ بأن الله سيحفظ المؤمن في التجربة: [ لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين faithful الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا ] (1كورنثوس 10: 13)، بل سيثبته ويحفظه من الشرير حسب وعده الصادق: [ أمين faithful هو الرب الذي سيثبتكم ويحفظكم من الشرير ] (2تسالونيكي 3: 3)، [ خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني وأنا أُعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي، أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 28)

وحيث أن الله أمين ومواعيده الكريمة ثابتة راسخة، فأن هذه الصفة تنطبق على [ الأقوال الصادقة ] في الرسائل الرعوية والتي تبلور الإنجيل كله، مما يجعلها تستحق الثقة والقبول:
[ صادقة is sure هي الكلمة ومستحقة كل قبول worthy (جديرة أو مستحقة بجدارة كامل القبول وملؤه full acceptance) أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليُخلِّص الخُطاة الذين أولهم أنا ] (1تيموثاوس 1: 15)
[ صادقة אמת هي الكلمة… صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول ] (1تيموثاوس 3: 8؛ 4: 9)

Πιστός ο λόγος και πάσης αποδοχής άξιος
The word is faithful and worthy of all acceptation
Trustworthy is this word and worthy of all acceptance
C’est là une parole certaine et entièrement digne d’être recue

كما أن أمانة الله بمعنى الوفاء لمواعيده الصادقة، تظهر بوضوح كموضع الثقة الأكيدة والرجاء عند القديس بولس في الرسالة إلى العبرانيين، فهو يُعلن أن أمانة الله أساس إيمان ساره بأنها ستلد أبناً حتى بعد أن فاتها السن ولا يوجد أمل أو رجاء طبيعي من جهة حالة الجسد بحسب الطبيعة: [ بالإيمان πίστεως سارة نفسها أيضاً أخذت قُدرة δύναμιν power على إنشاء نسل، وبعد وقت السن ولدت، إذ حسبت الذي وَعد صادقاً ] (عبرانيين 11: 11)

By faith, Sarah also, who was barren, acquired energy to receive seed; and, out of the time of her years, she brought forth; because she firmly believed, that he was faithful who had promised her

ولأن الله أمين لوعده في المسيح الذي كلمنا به في ملء الزمان كالتدبير [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ] (عبرانيين 1: 1 و2)، نستطيع نحن أن نقترب إليه في يقين الإيمان الذي نشأ فينا بسبب أمانته، ممسكين بإقرار الرجاء راسخاً: [ لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً، لأن الذي وعد هو أمين ] (عبرانيين 10: 23)
كما ينسب أيضاً القديس يوحنا الرسول هذه الصفة لله، حيث أن أحد مواعيد الله الثمينة للغاية بيسوع المسيح، هي غفران الخطية بدم المسيح، فهو يتحدث عن أن أمانة الله وعدله يتجليان في غفران الخطية:
أن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل (he is faithful and righteous – fair صالح، مستقيم، منصف ) حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يوحنا 1: 9)

If we confess our sins, he is faithful, and just to forgive us our sins, and to cleanse us from all unrighteousness

وينظر القديس بطرس الرسول إلى أمانة الله من ناحية أُخرى مختلفة نوعاً عندما يقول إن الذين يتألمون كمسيحيين بحسب مشيئة الله، يجب أن يستودعوا أنفسهم لخالقهم الصادق الأمين الوفي بالعهد:

[ فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله (والمقصود: أن عُيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لأن روح المجد والله يحل عليكم أما من جهتهم فيجدف عليه وأما من جهتكم فيمجد)، فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين (faithful وفي بالعهد، مخلص – يضعوا ثقتهم التامة في خالقهم الأمين) في عمل الخير ] [ إِذَنْ، عَلَى الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ وَفْقاً لإِرَادَةِ اللهِ، أَنْ يُسَلِّمُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْخَالِقِ الأَمِينِ، وَيُوَاظِبُوا عَلَى عَمَلِ الصَّلاَحِ ] (1بطرس 4: 19)

فالأمانة التي يوضحها الكتاب المقدس كثيراً، بالنسبة لله في علاقته بالإنسان، يُظهرها من جهة أن الله مخلص الإنسان كراعيه الصالح، وكأساس الرجاء في مواعيده الكريمة، بل ويجعلها أساس التعزية في وقت الاضطهاد والآلام: [ أعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين אֶמֶת (أمين وثابت في علاقة اي تظهر أمانته وثباته على العهد في علاقته بالإنسان) يحفظ العهد والرحمة لمُحبيه وحافظي وصاياه إلى ألف جيل ] (تثنيه 7: 9)، [ ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده ] (رومية 8: 28)

لذلك نجد أن القديس بطرس الرسول واعي لهذه الحقيقة لذلك نجد أن حذف أداة التعريف في عبارة [ خالق أمين πιστόν δημιουργόν] التي ذكرها هذا الرسول الملهم، تجعل من المؤكد أن هذه الصفة من صفات الله كخالق، وترتيب الكلمات في الجملة يجعل التأكيد الكبير على صفة الله هذه كأساس التعزية وقت الآلام التي هي نتيجة قبول حمل الصليب الذي هو علامة التلمذة الحقيقية للمسيح القيامة والحياة، وكأن القديس بطرس يقول للمؤمنين المتألمين لأجل شهادة يسوع [ أنا يوحنا أخوكم وشريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس من أجل كلمة الله ومن أجل شهادة يسوع المسيح؛ ورأيت عروشاً فجلسوا عليها وأعطوا حكماً ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة ] (رؤيا 1: 9؛ 20: 4):

[ أنتم تتألمون ليس عن طريق الصدفة، بل حسب مشيئة الله (فأن كنا أولاداً فأننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح، أن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه – رومية 8: 17) فهو الخالق القدير الذي خلقكم من فيض صلاحه، وحيث أن آلامكم حسب مشيئته لمجدكم الخاص، فينبغي أن تستودعوا أنفسكم لهُ بكل ثقة عميقة بإيمان حي وتستودعوا أنفسكم بين يديه حيث أنه خالقكم الأمين أمانة مطلقة ]

ونجد هنا اقتران بين معنيين، معنى الثقة والأمانة، فإن كان الله أمين فيجب أن نشهد بأمانته ونكون أمناء له، ولنعلم يا إخوتي أن أفضل وقت يظهر فيه الإيمان الحقيقي بمعناه: [ الثقة والأمانة ] هو وقت الضيق والألم والشدة والمحنة، ولا ننسى قول الرب: [ والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح. ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين، فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثُر ] (أنظر متى 13: 19 – 23)

عموماً يُسمى الرب يسوع [ رئيس الكهنة الأمين ] تعبيراً عن وفائه المطلق لالتزامه من نحو تتميم العمل الخلاصي كالتدبير: [ من ثمَّ كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة faithful chief priestπιστος αρχιερευς أميناً في ما لله (الآب كالتدبير) حتى يُكفر خطايا الشعب ] (عبرانيين 2: 17)
[ حال كونه أميناً πιστος للذي أقامه كما كان موسى أيضاً في بيته… وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسكنا بثقة confidence الرجاء وافتخاره ثابتة إلى النهاية ] (عبرانيين 3: 2و 6)

ولكن عندما يُسمى يسوع في سفر الرؤيا [ الشاهد الأمين ] أو [ الصادق الأمين ] بصفة مطلقة، فواضح أن صفة الأمانة بمعناها المُطلق الكامل – الذي يتميز به الله – يوصف بها يسوع أيضاً:
[ وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ μάρτυς ὁ πιστός witness – faithful (لهذا أتيت إلى العالم لأشهد للحق كل من هو من الحق يسمع صوتي – يوحنا 18: 37)، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ. الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ ] (رؤيا 1: 5)
[ هذا يقوله الآمين الشاهد الأمين الصادق… ] (رؤيا 3: 14)

ἀμήν, ὁ μάρτυς ὁ πιστὸς καὶ ἀληθινός
Amen, the faithful and true Witness

[ ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويُحارب ] (رؤيا 19: 11)

وفي هذه الآيات نرى أن الرب ليس فقط [ أميناً صادقاً وحق] فحسب، بل هو يتميز بها إلى حد أن تصبح اسماً لهُ، ولهذا يظهر بكل جلاء واضح بهاء مجد ألوهيته ومساواته للآب [ قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ] (يوحنا 14: 6)، [ أنا و الآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، [ صدقوني إني في الآب والآب فيَّ وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها ] (يوحنا 14: 11).

عموماً في ختام هذا العنوان، هناك ثلاثة اشياء جديرة بالملاحظة فيما يتعلَّق بتعليم الكتاب المقدس عن أمانة الله:

1 – نجد أن أمانة الله دائماً ما ترتبط بوعده للخلاص، وهي إحدى الصفات التي تجعل الله هو المُتكَّل عليه، وكما هو الحال في كل تعاليم الكتاب المقدس المتعلقة بالله، نرى التأكيد على القيمة الروحية لأمانته.

2 – إن الصفات الأدبية – والأمانة إحداها – هي صفات جوهرية، ليكون الله موضوع العبادة الحقة كمستحق، مع سائر الصفات التي ينفرد بها الله مثل القدرة المطلقة والعلم المطلق، وعدم التغيير.

3 – بينما هذه الصفات الأدبية التي تنتمي إليها الأمانة، يُمكن أن يوصف بها الناس ولكن بشكل غير متساوي، وبالمقابلة مع الصفات التي ينفرد بها الله، فيجب أن لا ننسى أن الله – بحسب الكتاب المقدس – أمين بمعنى مطلق ولا نستطيع مهما حددنا من معنى أن نصف أمانته بشكل مُحدد، فأمانة الله تفوق كل معنى يُكتب أو يُدرك أو يُنطق به أو يُشرح تحت اي صورة أو بند، فأمانته فوق هذا كله بما لا يُقاس، نعرفها لا كمعلومة بل كخبرة تظهر في تعاملنا معه في الشركة بالمحبة والإيمان

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: