الرئيسية / البنيان / سرّ التوبة كخبرة وحياة – كيف نعيش التوبة
954126482

سرّ التوبة كخبرة وحياة – كيف نعيش التوبة

سر التوبة
التوبة كخبرة وحياة – كيف نعيش التوبة

“فأننا نعلم إن الناموس روحي و أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية ( بيع عبداً تحت سلطان الخطية ) ، لأني لست أعرف ما أنا افعله إذ لست افعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه افعل، فأن كنت أفعل ما لست أريده فاني أصادق الناموس انه حسن، فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في، فإني أعلم انه ليس ساكن في، أي في جسدي شيء صالح لأن الإرادة حاضرة عندي و أما أن افعل الحسنى فلست أجد، لأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه افعل، فأن كنت ما لست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة في، إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي ( الشر هو الذي بإمكاني ) ، فإني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، و لكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني و يسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي، ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت ” (رو7: 14-24)
” أيها العطاش جميعا هلموا إلى المياه ( آه يا كل الظمأى تعالوا إلى المياه ) و الذي ليس له فضة تعالوا اشتروا و كلوا هلموا اشتروا بلا فضة و بلا ثمن خمرا و لبنا. لماذا تَزِنون فضة لغير خبز و تعبكم لغير شبع ، استمعوا لي استماعا و كلوا الطيب و لتتلذذ بالدسم أنفسكم. أميلوا أذانكم و هلموا إلي اسمعوا فتحيا أنفسكم و اقطع لكم عهدا أبدياً مراحم داود الصادقة …
أطلبوا الرب ما دام يوجد أدعوه و هو قريب ، ليترك الشرير طريقه و رجل الإثم أفكاره و ليتب إلى الرب فيرحمه و إلى إلهنا لأنه يكثر الغفران، لأن أفكاري ليست أفكاركم و لا طرقكم طرقي يقول الرب، لأنه كما علت السماوات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم و أفكاري عن أفكاركم، لأنه كما ينزل المطر و الثلج من السماء و لا يرجعان إلى هناك بل يرويان الأرض و يجعلانها تلد و تنبت و تعطي زرعا للزارع و خبزا للأكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إلي فارغة بل تعمل ما سررت به و تنجح في ما أرسلتها له، لأنكم بفرح تخرجون و بسلام تحضرون ( تُقادون ) [ تُرشدون في طريق السلامة ] ، الجبال و الآكام تشيد أمامكم ترنما و كل شجر الحقل تصفق بالأيادي، عوضا عن الشوك ينبت سرو وعوضا عن القريس يطلع آس و يكون للرب أسماً علامة أبدية لا تنقطع [ ويكون ليهوه اسماً آية أبد لا تُقطع – أسماً مُخلداً لا ينقطع ] ” (إش55: 1 – 3 ؛ 6-13)
” و في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع و نادى قائلا إن عطش احد فليقبل إلي و يشرب ، من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه انهار ماء حي ” (يو 7 : 37)

أولاً معنى التوبة :
التوبة في قاموس اللغة العربية تعني : الرجوع عن المعصية أو الشر ، وهي تحمل الندم على فعل العصيان ، أو تعني الكف عن الخطية وترك الشرور … وهذا المفهوم منتشر عند الكثيرين ، ويتم تسليمه في التعليم من الخدام وغيرهم من الوعاظ …

وطبعاً هذا المعنى لا يعبر عن المعنى في الكتاب المقدس وعلى الأخص في العهد الجديد ، إذ يعتبر معنى قاصر وضعيف جداً لمعنى التوبة الحقيقي ، لأن هذه الكلمة بهذا المعنى مستحيل أن تُعبَّر تعبير دقيق عن دقة وعمق علاقة الإنسان بالله في المسيح يسوع له المجد …

أما معاني التوبة في اللغة اليونانية لغة العهد الجديد تأتي هكذا :
+ μετάνοια – metanoia  = حرفياً تأتي بمعنى تغير الفكر، ودائماً ما تأتي في سفر الحكمة للإشارة لله الذي يظهر الرحمة وطول الأناة حتى يتوب الناس :
” لكن بعقابهم شيئا فشيئا منحتهم مهلة للتوبة و إن لم يخف عليك أن جيلهم شرير و أن خبثهم غريزي و أفكارهم لا تتغير إلى الأبد … لأن قوتك هي مبدأ عدلك و بما انك رب الجميع فأنت تشفق على الجميع … لكنك أيها السلطان القدير تحكم بالرفق و تدبرنا بإشفاق كثير لأن في يدك أن تعمل بقدرة متى شئت … فعلمت شعبك بإعمالك هذه أن الصديق ينبغي أن يكون محبا للناس و جعلت لبنيك رجاء حسناً لأنك تمنحهم في خطاياهم مهلة للتوبة ” ( حكمة 12: 10 و16 و 18 و 19 )

والمعنى العام للكلمة يأتي بناء على دعوة نبوية تعلن إرادة الله ومشيئته على المستوى العام والشخصي للتحول بعيداً عن الشر والرجوع إلى الله الحي : ” هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس ( يُمزق ) فيشفينا ، ضرب فيجبرنا ( يضرب ويُضمد ) ، يحيينا بعد يومين في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه ، لنعرف فلنتتبع لنعرف الرب ، خروجه يقين كالفجر ( لنعرف الرب كل المعرفة ونتبعه فيكون ضياؤه كالفجر ) يأتي إلينا كالمطر كمطر متأخر يسقي الأرض ” ( هوشع 6: 1 – 3 )

أما في الكلمة العبرية تأتي بمعنى : يتحول ويظهر اختيار ، ويأتي المعنى بالتغيير الشامل للإنسان ، بمعنى أن يتغير الإنسان بالفكر والإرادة والعقل ، وفي هذه الحالة لها ثمرتها وهي الأفعال التي تليق بالتوبة ، وهذه هي الدعوة النبوية التي قدمها يوحنا المعمدان :
” فاصنعوا ثماراً تليق بالتوبة ” ( مت 3: 2 و8 ) ، وكانت هذه الدعوة مقدمة لجميع الناس بلا استثناء ، والتوبة هنا ترتبط بالسلوك التطبيقي في حياة الإنسان والعيش بوصية الله .

وتأتي أيضاً بمعنى μεταμέλομαι – metamelomai : بمعنى ندم وغير رأيه وفق مشيئة الله :
” كان لإنسان ابنان فجاء إلى الأول و قال يا ابني اذهب اليوم اعمل في كرمي. فأجاب و قال ما أريد و لكنه ندم أخيراً و مضى. و جاء إلى الثاني و قال كذلك فأجاب و قال ها أنا يا سيد و لم يمض. فأي الاثنين عمل إرادة الآب قالوا له الأول قال لهم يسوع الحق أقول لكم أن العشارين و الزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله. لأن يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به و أما العشارون و الزواني فآمنوا به و أنتم إذ رأيتم لم تندموا أخيراً لتؤمنوا به. ” ( مت21: 28 – 32 )
والندم الحقيقي وفق مشيئة الله : يعمل تغيير وتحول داخلي فهو يُنشئ توبة صادقة حقيقية فيها يتمم الإنسان إرادة الله ويحفظ وصاياه : ” الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم ، بل لأنكم حزنتم للتوبة لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله لكي لا تتخسروا منا في شيء. لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة و أما حزن العالم فينشئ موتا. ” ( كورنثوس الثانية 7: 9 – 10 )
فالندم الذي حسب الجسد والضمير وفق رؤية الإنسان وليس حسب مشيئة الله ووصاياه يُنشأ موتاً ، حتى أننا نجد يهوذا لم يقدم ندمه لله للتوبة ، بل قدمه للبشر بهدف أنه يريح ضميره : ” حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه انه قد دين ( حُكم عليه ) ندم و رد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة و الشيوخ قائلا : قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئا ، فقالوا ماذا علينا أنت أبصر ( دبر أنت أمرك ) . فطرح ( رمى ) الفضة في الهيكل و انصرف ثم مضى و خنق ( شنق ) نفسه. ” ( مت 27: 3 – 5 )
يقول الأب صفرونيوس : [ من يقف بعد السقوط مباشرة – إذا كانت لدية محبة – يدوم وقفوه . أما إذا كان الندم هو الذي يحركه ، فقد يسقط مرة ثانية وثالثة ؛ لأن الندم الحقيقي ليس في الخوف من العقاب ، بل في خسارة شركتنا مع الثالوث
التوبة التي يحركها الخوف ، يحركها الندم ، والندم لا يزرع المحبة ولا يرويها ، بل ماء الحياة – الذي يروي كل قلب تائب – هو الروح القدس المعزي ] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه تادرس عن المئوية الأولى في التوبة 4 – 5 صفحة 5 مترجم عن المخطوطة القبطية )

+ المعنى الحقيقي للتوبة :
شرح الآباء بعبارة عميقة واحدة كلمة التوبة ب (( عودة الإنسان إلى نفسه وإلى الله ))، وفي أعمال الرسل يتكلم عن الأمم الذين تابوا قائلاً : ” الأمم الراجعين إلى الله ” ( أع15 : 19 ) .
فالكلمة اليونانية Μετανοια لا تعني فقط تغيير الفكر كما هو شائع ، بل أيضاً تعني في الأساس العودة إلى الأصل ، أي صورة الله ، وهذه هي عودتنا الحقيقية ، لأن العودة والرجوع من الفعل اليوناني بل وفي القبطي أيضاً : هو رفع كل حاجز ومانع يمنع الإنسان من إدراك حقيقة كيانه كصورة لله …
وهذا واضح من رسائل القديس العظيم الأنبا أنطونيوس الكبير حين قال : (( من يعرف نفسه يعرف الله، ومن يعرف الله يستحق أن يعبده بالروح والحق ))

يقول القديس كيرلس الأورشليمي : [ أعرف نفسك ، أعرف من أنت – فهذه هي حالتك : فأنت بشر مكون من نفس وجسد ، والله نفسه هو المبدع لكل من النفس والجسد . وأعلم أيضاً أن لك نفساً هي سيدة لنفسها ، وهي أعجب إنجازات الله المصنوعة على صورة صانعها ، غير قابلة للموت ، من أجل الله الذي أعطاها الخلود ، فهي كائن عاقل غير قابل للفساد بسبب ذلك الذي أعطى مجاناً كل هذه النعم ، والذي له القدرة على أن يفعل ما يشاء ] ( عظات القديس كيرلس الأورشليمي للموعوظين 4: 8 )
ويقول الأب صفرونيوس : [ يقول ربنا له المجد عن الابن الشاطر ( الضال ) أنه ” عاد إلى نفسه ” ( لو15: 17) . العودة إلى النفس هي بداية عودتنا إلى الله ؛ لأن من لا يعود إلى نفسه التي هي كيانه هو غير قادر على العودة إلى الله الذي له طبيعة وكيان مختلف تماماً ، بل ويعلو على كل طبيعة مخلوقة .
قبل أن تؤمن بأي شيء ، يجب أن تحب نفسك محبة حقيقية ، لكي تُعلمك محبة الذات الحقيقية غير الكاذبة ، أن تختار الإيمان لما فيه من صلاح وخير .] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه تادرس – المئوية الثانية في التوبة – مترجم عن المخطوطة القبطية تحت عنوان التوبة وعمل الروح القدس في القلب ص 43 فقرة 41 و 42)

[ الإنسان إذ خُلق على صورة الله ، هو ظل للكلمة ابن الله ، يجب أن يتبعه بقوة النعمة الأولى ، أي عطية الخلق على صورة الله . أما إذا تبعه عن جهل ، وعن عدم إيمان ، فهو لن يصل إلى بلد السلام وميناء الخلاص ، أي الإيمان بالرب يسوع المسيح ]

ثانياً : أساس دعوة التوبة ( محبة الله الشديدة للإنسان )
الله مُحباً للبشر ، يقدم دعوته للإنسان ليُقيم علاقة شركة راسخة على قاعدة الحب وأساسه ، فنجد أنه حينما سقط الإنسان من رتبته الأولى ومجده الأصلي ، أشفق وتحنن وأراد أن يُعيده إليه ويسترجع قوة حياة الشركة له ، والذي فقدها بالسقوط وابتعد عنه ( وأول نداء للإنسان نجده منذ البداية : آدم أين أنت )

والله يصور محبته الشديدة للإنسان في صورة أقوى من طبيعة الأمومة التي دائماً ما تظهر عظم تحننها على أولادها وتعلقها بهم تعلق شديد وهي من أقوى العلاقات ارتباطاً بقوة : [ هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها ؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنســــــاك ] ( إش 49: 15 )
والله في هوشع يصف محبته العميقة للبشر الجانحين للارتداد عنه ، ويكشف عن عمق طبيعة شخصيته المُحبة جداً قائلاً : [ كنت أجذبهم بحبال البشر ، برُبط المحبة … وشعبي جانحون إلى الارتداد عني … قد انقلب عليَّ قلبي . اضطرمت مراحمي جميعاً ] ( هوشع 11: 4و8 )
وقد ظهرت لنا محبة الله المتسعة في عمق أصالة معناها في العهد الجديد :
[ ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ] ( رو5: 8 ) ؛ [ الذي أحبني وأسلم ذاته من أجلي ] ( غلا 2: 20 )
ولنا أن نعلم بيقين شديد أن محبة الله ثابتة لا تتغير إطلاقاً ، بل ومن المستحيل أن تتغير أو تتبدل ، فلا يوجد فيه تغيير ولا ظل دوران .

ويقول العلامة ديوناسيوس الأريوباغي : [ أليس حقاً أن المسيح يتقرب بودٍ شديد من الذين يحيدون عنه ، ويحاول معهم متوسلاً إليهم أن لا يستهينوا بحبه . وأن لم يُظهروا إلا النفور والتصامم عن سماع مناداته ، ألا يظل هو نفسه محامياً وشفيعاً عنهم ]

أرسل شخص ( كاهن ) رسالة للعلامة ديوناسيوس قائلاً : أنه طرد إنسان أرتد عن الإيمان مع الوثني الذي رده عن الإيمان وألقاهم خارج الكنيسة عندما رآهم فيها ، وأخذ يفتخر بهذا بصفته غيور على بيعة الله ، وقد رد على هذه الرسالة العلامة ديوناسيوس قائلاً :
[ يسوع في وقت آلامه ، كان يطلب من الآب الصفح عن أولئك الذين كانوا طغاة نحوه ، ولكنه عَنَّف تلاميذه الذين كانوا يرون أنه ينبغي أن يُعاقب بدون رحمة نفاق أولئك السامريين الذي رفضا أن يقبلوه ” ( لو 9 : 53 – 56 ) . أما إذا كنت تكرر القول مرات عديدة في رسالتك لي ، أنك لم تطلب الانتقام لنفسك شخصياً ، بل لله ، قُل لي بالحق : أيُنتَقم بالشرّ عن من هو الخير الكُلي ذاته ؟ ” أليس لنا رئيس كهنة قادر أن يترفق بضعفاتنا ” ( عبرانيين 4 : 15 ) ، بل يتغاضى عن كل سيئاتنا ويرأف بنا ، وهو الذي جعل نفسه ضحية ” كفارة لخطايانا ” ( 1 يو 2:2 ) .
ربما يُمكنك أن تبرر نفسك بأن تُردد بعض الأمثلة من العهد القديم ( عن الذين غاروا غيرة للرب وانتقموا له ) مثل فينحاس ( عد 25 : 13 ) ، وإيليا ( 1مل 18 : 40 ) . ولكن بعضاً من التلاميذ الذين لم يكن لهم شيء من روح الوداعة واللطف وأرادوا أن يتمثلوا بالسابق ذكرهم ، لم يُرضي المسيح ( وهو مُعلمهم الإلهي ) بهذا أبداً ( لو 9: 54 ) . وهكذا كان مخلصنا يُعلَّم بلطف الذين يُعارضون التعليم الإلهي ، لأنه هكذا ينبغي : أن يُهذب الجُهال ، لا أن يُعاقبوا ؛ أن يؤخذ بيد الأعمى للسير به في الطريق السوي ، لا أن يُلكز أو يُلكم ]

ولنا أن نختم هذا الجزء بما قيل في حزقيال : ” هل مسرة أُسر بموت الشرير يقول السيد الرب إلا برجوعه عن طرقه فيحيا ” ( حز 18 : 23 )

ثالثاً : كيف أتوب
أجرة الخطية هي موت ( رو 5 : 23 )
بمعنى أن طبيعة الخطية وثمرتها هي موت، فالخطية من تلقاء ذاتها تحمل قوة الموت في داخلها، أي ثمرتها أو نتيجتها الطبيعية هي الموت والانعزال عن الحياة ، فالموت دخل إلى العالم بغواية العدو وقبول الخطية والسقوط فيها ، واستحالة السقوط يقوم ، أو الموت يُقلب لحياة من تلقاء ذاته ، لأن الموت يتبعه الفساد ، والإنسان الذي يحيا في جسد الخطايا أي الإنسان العتيق المكبل بقيود الخطايا والذنوب مستحيل أن يصبح روحاني من ذاته أو يقدر أن يُثمر ثمر يليق بالروح ” هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً ” ( مت 7 : 16 ) :
” .. لما كنا في الجسد كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نُثمر للموت ” ( رو7 : 5 ) ؛ ” أنا جسدي مبيع تحت الخطية ” ( رومية 7 : 14 ) .
” فإن الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون ، ولكن الذين حسب الروح فبما للروح . لأن اهتمام الجسد هو موت ، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام . لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله ، إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع . فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله ( المقصود جسد الخطية أو الإنسان العتيق الذي يعمل فينا بروح الشر والفساد ، وليس المقصود الجسد المادي ، لأن الجسد ذاته ليس فيه شر إنما القلب من الداخل – حسب الطبع الغير متجدد بالنعمة ) ” ( رو8 : 5 – 8 )

ولكي أقدر أن أصل للتوبة الحقيقية لابد أن أعرف أن سقوطي بحريتي وإرادتي أدخلني في عذاب الجحيم وآلام النفس المجروحة بسبب انعزالي عن المحبوب وكسري لوصيته : [ الله ليس مسبباً لعذابات الجحيم ، بل نحن أنفسنا ، لأن أصل الخطية وجذرها في حُريتنا وإرادتنا ] ( القديس باسليوس الكبير )

ويقول الأب صفرونيوس عن الموت الروحي الذي أصاب الإنسان بسبب الخطية والعزلة عن الله المحب : [ الموت الروحي هو الجحيم ، والجحيم هو حياة إنسانية أُسِرت لغايات متباينة ومتفرقة ، لا تنمو ، ولا ترى ، ولا تذوق ما هو أبعد من الجسد ، أو أبعد من هذه الغايات المتفرقة التي تُمزق الكيان الإنساني ] ( عن رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس – عن نص المخطوطة القبطية – الناشر أبناء القديس البابا أثناسيوس الرسولي – صفحة 10و11 )
ومن هنا ندرك لماذا معظم الناس يهتمون بالجسديات والحسيات ويطلبوا كل ما على الأرض ، حتى طلبهم للمعجزات الحسية والجسدية هي إشارة بليغة بالاهتمام بالأرضيات والافتخار لحساب مجد الذات وليس لحساب مجد المسيح الرب ، وذلك لأن أقصى رؤية لهم هي في حدود الجسد والأرض ، لأنهم لم يتذوقوا بعد قوة قيامة يسوع من الأموات : ” إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله ، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد متم و حياتكم مستترة مع المسيح في الله ” ( كولوسي 3 : 1 – 3 )

عموماً مستحيل أن يبدأ الإنسان في التوبة إلا لو اكتشف شقاؤه وتيقن من ضعفه وتعرف على عار الخطية المشين ونخس قلبه الروح القدس حتى يستفيق من غفلته ، ولنا أن نتعرف على حالتنا من خلال كلمات الرسول :
“فأننا نعلم إن الناموس روحي و أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية (عبداً تحت سلطان الخطية ) ، لأني لست أعرف ما أنا افعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه افعل، فأن كنت أفعل ما لست أريده فاني أصادق الناموس أنه حسن ، فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في ، فإني أعلم انه ليس ساكن في ، أي في جسدي شيء صالح لأن الإرادة حاضرة عندي و أما أن افعل الحسنى فلست أجد ، لأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه افعل ، فأن كنت ما لست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة في، إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي ( الشر هو الذي بإمكاني أو هذه هي إمكانياتي ) ، فإني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ، و لكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني و يسبيني ( يأسرني ويشدني ) إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي ” (رو7: 14-24)

ولا يبدأ الإنسان في عمق أصالة التوبة إلا إذا صرخ من الألم : ” ويحي أنا الإنسان الشقي : من يُنقذني من جسد هذا الموت !!! ” ( رو7 : 24 )
وفي تلك الساعة يشق ظلمة قلبه نور المسيح الحلو فينطق من كل قلبه : ” أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ” ( رو7 : 25)
يقول القديس مقاريوس الكبير :
[ أن من يأتي إلى الله ، ويرغب أن يكون بالحق شريكاً للمسيح ينبغي أن يأتي واضعاً في نفسه هذا الغرض : ألا وهو أن يتغير ويتحول من حالته القديمة وسلوكه السابق ، ويُصير إنساناً صالحاً جديداً ، ولا يتمسك بشيء من الإنسان العتيق . لأن الرسول يقول : ” إن كان أحد في المسيح فهو خلقية جديدة ” ( 2كو 5 : 17 ) ، وهذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع ، أن يُغير الطبيعة البشرية ويُحولها ويُجددها ، ويخلق النفس خلقة جديدة ، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدي . وقد جاء المسيح لكي يوّحد الطبيعة البشرية بروحه الخاص ، أي روح الله ، وهو قد أتى ليصنع عقلاً جديداً ، ونفساً جديدة ، وعيوناً جديدة ، وآذاناً جديدة ، ولساناً جديداً روحانياً ، وبالاختصار أناساً جدداً كلية – هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذين يؤمنون به . إنه يُصيرهم أواني جديدة ، إذ يمسحهم بنور معرفته الإلهي ، لكي يصب فيهم الخمر الجديد ، الذي هي روحه ، لأنه يقول إن ” الخمر الجديدة ينبغي أن تُضع في زقاق جديدة ” ( مت 9 : 17 ) ]

( عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 44 فقرة 1 ص 332 ، الطبعة الرابعة – ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد يناير 2005 ؛ مؤسسة القديس أنطونيوس – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية – نصوص آبائية 85 )

” إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله ، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد متم و حياتكم مستترة مع المسيح في الله فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض الزنى النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذي هو عبادة الأوثان ، الأمور التي من اجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية ، الذين بينهم انتم أيضاً سلكتم قبلا حين كنتم تعيشون فيه ، و أما الآن فاطرحوا عنكم انتم أيضاً الكل الغضب السخط الخبث التجديف الكلام القبيح من أفواهكم ، لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ، و لبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه. ” ( أنظر كولوسي 3 )

رابعاً : معوقات التوبة – فكرتنا المغلوطة عن الله
أولاً : هناك حنين وشوق في قلب كل إنسان إلى الله وحياة الخلود
ثانياً : دائماً يسعى الإنسان إلى الله بحنين يشده إليه وإحساس الاحتياج

ولكن أحياناً كثيرة ننظر لله بمنظارنا الخاص ونحط قانون من عندنا لطريق الله ، بحيث نشعر بسبب خبرة الشر وما تعلمناه من آباءنا على مر السنين ، أن الله مثل الإنسان بل وأكثر ، وتحت حجة أن الله عادل نضع في أفكارنا أنه غضوب ينتقم من الشرير ، ونأتي بآيات تؤيد فكرتنا ونضع الله في مكان غير ما هو عليه بل حسب تصوراتنا الخاصة وما عرفناه من حسابات عقلية حسب قانون الإنسان وفكره الخاص ، مركزين على المفهوم القضائي والدينونة ، ونُسقط أحاسيسنا من واقع خبرتنا اليومية المعاشة على الله !!!

ولكن لابد أن نكون فكرة صحيحة عن الله :
الله يبغض الشر وليس الإنسان الذي فعل الشر ، يبغض الشرور وأفعالها المقيتة ولا يمكن أن يبغض الإنسان نفسه !!!
الإنسان هو موضوع حب الله وشغله الشاغل ، فهو الذي يشرق شمسه على الأشرار والأبرار ويدعو الخاطئ للتوبة ، والسماء تفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من 99 باراً لا يحتاجون إلى توبة .

والإنسان يسير في الطريق الإلهي ويطلب الله ليس على حساب بره الذاتي بل على حساب عطية الله ومحبته المتسعة ، ولكن الإنسان الذي لا يكمل الطريق ظناً منه : أن لما يبقى كويس وقادر أن يعمل أعمال صالحة يستطيع أن يمشي في طريق الله ، هذا هو عينه كبرياء الإنسان وعمل الشرير في إقناع كل إنسان بالمنطق العقلي وهو مقبول عندنا جداً ، وهذه هيَّ عينها سقطة آدم في الفردوس الذي أقنعه الشيطان أنه يصير إله ذاته حينما يأكل من الشجرة مخالفاً وصية الله ….

وأفضل مثل وببساطة شديدة هو مثل : الفريسي والعشار
الفريسي كان قائم بواجبة تماماً وعلى أكمل وجه ظناً منه أن أعماله تؤهله للحياة مع الله بلا ملامة ؛ والعشار ليس له أي أعمال ، بل يلجأ لبرّ الله كي ما يكون كسائه الخاص

هكذا كل نفس لا ينبغي أن تعمل عمل كي ما تكون مؤهلة للحياة مع الله بل ليس لها إلا أن تطلب الثوب السماوي أي ثوب النعمة وعمل الروح القدس
لأن أعملنا لا تؤهلنا أن نحيا مع الله ؛ بل ما يملئنا به الله ويثمر أعمال تليق بالتوبة !!!
لأن الأعمال الصالحة التي تجلب رضا الله هي ثمرة الإيمان والمحبة وعمل الروح القدس في القلب الذي يعطينا أن نطيع الوصية ونحيا بها !!!

وعلامة عمل الله في القلب هي : حياة التقوى وقوة التوبة وحب الصلاة وطاعة الوصية وعمل المحبة وقوة الإيمان وفرح الرجاء …

+ ومن معوقات التوبة : الاستهانة وعدم مخافة الله ، لأن سبب ارتكابنا حماقات الخطية عدم التقوى ، كطفل مدلل لا يحترم والده ، فقد فسد من كثرة التدليل فتعدى في النهاية على والدية ولم يحترمه : ” ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الإثم نسل فاعلي الشر أولاد مفسدين تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى وراء ” (اش 1 : 4) ، ” لذلك كما يأكل لهيب النار القش و يهبط الحشيش الملتهب يكون أصلهم كالعفونة و يصعد زهرهم كالغبار لأنهم رذلوا شريعة رب الجنود و استهانوا بكلام قدوس إسرائيل ” (اش 5 : 24)

+ الكبرياء وعدم الاعتراف بالخطية ، إذ يعتبر الإنسان أنه قام بواجبة نحو الله ولابد أن يعطيه الله ، مثل الفريسي الذي قال : ” اللهم أنا أشكرك إني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة و لا مثل هذا العشار أصوم مرتين في الأسبوع و أُعشر كل ما اقتنيه ” (لو 18 : 11و12)
وهذا ما نفعله اليوم : أروح الكنيسة واخدم ، وأعشر من أموالي وأعطي للرب وأصوم بمواظبة أفضل من ناس كتير لا يصوموا لأنهم أشرار … الخ …

اقتناء التواضع الحقيقي
يقول الأب صفرونيوس : [ التواضع الحقيقي ليس بالكلام ” أنا خاطي ” ، ولا هو بمحاولة الشعور بالخطية ، رغم من أننا لا ندرك ما هي خطايانا ، وإنما ( التواضع ) هو رؤية المحبة الإلهية التي تسحق الإنسان ، محبة المصلوب للخطاة ” لأن الله بيَّن ( أي أعلن ) لنا محبته ؛ لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ” ( رو5: 8 ) .
+ التواضع الحقيقي هو قبول صورة العبد ، أي صورة الرب نفسه الذي قَبِلَ عبودية الإنسان ولم يتذمر ، بل عاشها لكي يفتدي الإنسان ؛ هكذا يبدأ التواضع عندما نقبل صورة العبد ، ولا نحارب كبرياء الآخرين أو نتضايق منها ، بل بمحبة نقاومها دون أن يكون لدينا كبرياء خفية تدفعنا لأن نظن أننا قادرون على تجديد حياة الآخرين بالانتهار والتهديد والتشهير ؛ لأن هذه هي علامات موت روحي خفي كامن في القلب ] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه تادرس عن المئوية الأولى في التوبة 77 – 78 صفحة 29 ، مترجم عن المخطوطة القبطية )

خامساً : جهاد الإنسان وإنكار الذات
+ جهاد الإنسان كله أنه يتخلى عن ذاته وكبرياؤه وأنه يعرف أن أعماله كلها لا تؤهله لنعمة الله ؛ بل الذي يؤهله هو التوبة آي تغيير القلب كفعل نعمة من الله بقوة الروح القدس
” هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه ( إن استطاع ) فانتم أيضاً تقدرون أن تصنعوا خيرا أيها المتعلمون الشر ” (ار 13 : 23)
” إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدا ” (2كو 5 : 17)

وعمل التوبة له شقين :
+ شق سلبي على الإنسان وهو بعده عن الخطية وطلب الله …
+ شق إيجابي وهو عمل الله بالروح القدس في قلب الإنسان بالتغيير : ” و نحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح (2كو 3 : 18)

+ وإنكار الذات هو أن يلقي الإنسان نفسه على الله طالباً منه أن يعطيه قوة الموت والصلب معه حتى يموت كليهً عن الشر والفساد ، وعمل الإنسان هنا الصلاة المتواصلة لله وعمل الله أن يذبح الإنسان بقوته ويعطيه موت الصليب كي ما يحيا فيه : ” مع المسيح صلبت فاديا لا أنا بل المسيح يحيا في ، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني و اسلم نفسه لأجلي ” (غل 2 : 20)
” أم تجهلون إننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة.
لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق ( جسم الخطايا ) قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطية. لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية. فان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه. عالمين أن المسيح بعدما أُقيم من الأموات لا يموت أيضاً لا يسود عليه الموت بعد. لان الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة و الحياة التي يحياها فيحياها لله. كذلك انتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية و لكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا.
إذاً لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواتها. و لا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات و أعضاءكم آلات بر لله. فان الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة ” ( رومية 6 : 3 – 14 )

____________________

ملخص سريع لحياة التوبة للأب صفرونيوس :
[ قال واحد من الشيوخ : ” لن تتوب توبة حقيقية حتى تكف عن الإفراط في محبة ذاتك ” ، لأنك إن كنت تحب ذاتك أكثر من الله ، تعذر عليك أن تتوب ، لذلك جاء ابن الله وسكب حياته ذبيحة حية لله الآب لكي يفتح طريق الحياة للتائبين الذين يشتركون معه في بذل الصليب .

+ لا ينزع الكبرياء من القلب إلا ذاك الذي أخلى ذاته ومات على الصليب . وعندما صار في ” صورة عبد ” ثبت أول أساس للتوبة بترك الكبرياء وطرحها تماماً …

+ لا تترك قلبك مثل الأرض الفضاء ، أو كحقل بلا حارس أو مالك ؛ لأن الإنسان إذ خُلق على صورة الله ، هو ظل للكلمة ابن الله ، يجب أن يتبعه بقوة النعمة الأولى ، أي عطية الخلق على صورة الله . أما إذا تبعه عن جهل ، وعن عدم إيمان ، فهو لن يصل إلى بلد السلام وميناء الخلاص ، أي الإيمان بالرب يسوع المسيح .

+ التواضع في القلب لا يزرع الخوف من الموت ، أو الخوف من نار جهنم ، أن الخوف له أُم خفية هي الكبرياء ، وهي دائماً تلد أولاداً هم النجاسة ، وتعظم المعيشة والتسلط ، فكيف يلد الخوف التواضع ، بينما أمه ( الكبرياء ) تحيل من القوة ، وترقد مع هذا الزوج لكي تلد دائماً أبناء للشيطان .

+ ابن الله يزرع التواضع بالتشبه به ، فقد ترك المجد وأخذ الهوان ، وقَبِلَ الضعف وهو القوي ، وداس الموت بقبوله ، فجرده جهاراً على الصليب من قوته . ولذلك هو يتودد إلى النفس ويضع بذرة الإيمان في القلب حتى تثمر التواضع الحقيقي .

+ قد تسألني … عن التواضع الحقيقي والتواضع الكاذب ؟
أقول لك : أن الأول ( التواضع الحقيقي ) من يسوع رب الحياة ، والثاني ( التواضع الكاذب ) من الشيطان . وإذا نزعت قناع التواضع الكاذب تجد تحته محبة القوة والسيادة وقهر الآخرين ، والتظاهر بفضائل كاذبة مثل اللين في الحديث ، والمرح وضيافة الغرباء وكل ما يجلب الصيت الحسن . أما إذا اختلفت مع المطعون بالتواضع الكاذب ، تجده مثل الوحش ، ينقض عليك بلا رحمة ، ويدوسك دون أن يترك لك فرصة ، حتى للاعتذار .
وإذا اعتذرت لا يقبل عذرك ، ويشهر بك علناً لأن محبته للقوة هي ذات رذيلة الشيطان . ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه تادرس عن المئوية الأولى في التوبة 20 – 25 صفحة 8 – 9 مترجم عن المخطوطة القبطية )

سادساً : الروح القدس يردنا إلى التوبة
[ ونحن نلاحظ إلحاح الروح القدس في قلوبنا ؛ لأنه يقودنا برفقٍ نحو الصليب . ويفتح قلوبنا لكي لا نتمسك بالحياة الحاضرة في كل صورها ، بل نضع هذه الحياة برمتها تحت أقدام المسيح . ويُعزي قلوبنا عندما يكشف لنا جمال المواعيد السمائية مؤكداً لنا أن السماء أفضل ، وأن الروح أهم من الجسد ، وأن الشركة مع الله وفيه أعظم من كل كنوز الأرض .

هذا الإلحاح نراه فينا كل يوم ، وهو الذي يردنا إلى التوبة ؛ لأن الروح القدس – بسبب شركتنا في المسيح – يتودد إلينا بذات الحنو والصلاح ويعمل فينا ناقلاً من الرب كل ما يخص صلاحه ومحبته التي أظهرها نحو الخطاة والساقطين غارساً فينا رجاءً لا يفنى .

علامات سُكنى الروح القدس فينا هي الرجاء ، والثقة في صلاح الله ، وقبوله للخطاة ؛ لأن الخطية – بسبب الكبرياء – التي فينا ، تدفعنا نحو اليأس ، وهذه هي خطية يهوذا الإسخريوطي .

برفقٍ يقودنا الروح القدس نحو يسوع المصلوب ، ويغرس الصليب في الفكر وفي القلب وفي الإرادة : في الفكر كرؤية ، وفي القلب كمحبة عميقة تدفع الإرادة نحو الغفران ونحو البذل ، وفي الإرادة حتى الرفض ، ليس فقط إغراءات الخطية ، بل حتى الأمور الصالحة التي تعطل البذل . ] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه تادرس – عن المئوية الأولى في التوبة 70- 71 صفحة 24 – 25 مترجم عن المخطوطة القبطية )

سابعاً : علامات التوبة الحقيقية – للأب صفرونيوس
[ + الالتصاق بالرب وطلب مشورته من الأسفار المقدسة والمعلمين الروحيين ، وسماع صوت الروح القدس في القلب ، وتفضيل وصايا الله على حكمة العالم .
+ سيادة المحبة على كل فكر وفعل وقول ، وهذا نراه في سرعة غفران الإساءة ورد الإهانة بروح يسوع .
+ عدم تحول القلب عن وصايا يسوع ، وحتى إذا مرت فترات تردد ، وصرخ الإنسان طالباً نعمة الرب وقوته ، فإن الصراخ من علامات التوبة . والاعتراف بالضعف ضروري .
+ تفضيل شريعة الصليب والمصلوب على كل شيء في الحياة ، حتى الحياة نفسها ، واعتبار كل شيء – كما قال الرسول – ” نفاية ” ( في 3: 8 )
+ كراهية شديدة للخطية ، وتواضع في معاملة الخطاة ؛ لأن كراهية الخطية بدون تواضع هي دفاع عن سيرتنا ، وطلب مديح مستمر ، ومحاولة الظهور بأننا أبرار بمهاجمة الخطاة والخطية علانية . ] ( من رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذة ثيؤدوروس ( تادرس ) المئوية الثانية في التوبة – التوبة وعمل الروح القدس في القلب ( الجزء الثاني ) مترجمة عن المخطوطة القبطية ، الناشر أبناء البابا أثناسيوس الرسولي تحت عنوان طبيعة الخطية ص 12 – 13 ، فقرة 10 إلى فقرة 14 )

+ سؤال هام : هل الجسد مصدر للخطية – التوبة الحقيقية
[ + الذين يتهمون الجسد بأنه مصدر الخطية ، لم يتوبوا توبة حقيقية ؛ لأنهم – بسبب عمى القلب الذي وضعته الخطية فيهم – لا يبصرون حقيقة ” التعدي ” الذي جاء من الابتعاد عن الشركة ، ومن عدم الإيمان ، ومن سيادة الشهوات على القلب والفكر .
+ لا توجد خطايا للفكر ، وأخرى للقلب ، وثالثة للسان ، ورابعة للأيدي ، وخامسة للأرجل ، بل الخطية أو الخطايا تأتي من القلب وتحرك كل أعضاء الجسد .
+ عقاب الخطية الحقيقي ليس من الله ، بل هو الخوف والشك وفقدان الرجاء وضياع السلام وخسارة الذين نخطأ ضدهم .
+ الحزن يُلازم التوبة ، أما الفرح فيحرسه الغفران .
+ لا تطلب الغفران لكي تنجو من العقاب ، أي عقاب الخطية ، بل أطلب الغفران لكي تعود إلى شركة الثالوث الآب والابن والروح القدس . ] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس عن مئة مقولة عن التوبة وعمل الروح القدس في القلب صفحة 7 و 8 مترجمة عن المخطوطة القبطية )

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: