الرئيسية / الكتاب المقدس / مصادر شرح الكتاب المقدس / سلسلة مصادر شرح الكتاب المقدس في القرن الأول وأهم الترجمات – الجزء الثالث: أهمية الدراسة عند اليهود وأهمية التلمود

سلسلة مصادر شرح الكتاب المقدس في القرن الأول وأهم الترجمات – الجزء الثالث: أهمية الدراسة عند اليهود وأهمية التلمود

تابع سلسلة مصادر شرح الكتاب المقدس في القرن الأول وأهم الترجمات [ الجزء الثالث ]
أهمية الدراسة عند اليهود وأهمية التلمود

ولنا الآن أن نعرف أهمية الدراسة عند اليهود:

يقول الكهنة اليهود أنه من واجب الإنسان أن يدرس الشريعة مسطرة وشفوية، ومن حكمتهم المأثورة في هذا المعنى قولهم (وهو هام جداً): ” إن دراسة التوراة أجل قدراً (أعظم) من بناء الهيكل “[1] وإن من واجب الإنسان وهو منهمك في دراسة الشريعة أن يقول لنفسه كل يوم:” كأنا في هذا اليوم قد تلقيناها من طور سيناء”[2]، ويعتبرون كل كلمة في الكتاب المقدس من كلمات الله بالمعنى الحرفي لهذه العبارة، وأن الشريعة وجدت لا محالة قبل أن يُخلق العالم ” في صدر الله أو عقله”[3] والتلمود هو الذي يبحث في الشريعة (هالكا) وهو أيضاً كلمات الله الأزلية، وهو صياغة للقوانين التي أوحاها الله إلى موسى شفوياً (التلمود) ثم علّمها موسى وسلمها لمن بعده، ولهذا فإن ما فيها من الأوامر والنواهي واجبة الطاعة وتستوي في هذا مع كل ما جاء في الكتاب المقدس (رغم من أنه لم يقر أي مجمع يهودي رسمي هذا الرأي التلمودي الخاص بالتلمود؛ واليهودية الحديثة ترفضه).
ومن أحبار اليهود من يجعلون المشنا مرجعاً أقوى حجة من الكتاب المقدس، لأنها صورة من الشريعة معدلة جاءت متأخرة عنها. وكانت بعض قرارات الأحبار تتعارض تعارضاً صريحاً مع قوانين أسفار موسى الخمسة، أو تفسيرها تفسيراً يبيح مخالفتها. وكان يهود ألمانيا وفرنسا في العصور الوسطى يدرسون التلمود أكثر مما يدرسون الكتاب المقدس نفسه.[4]

وعموماً نرى ملامح هذا الرفض موجود في ما يحتويه التلمود نفسه وتحديداً في سفر رأس السنة إذ يحتوي على مقدمة طويلة تتكلم عن أعداء التلمود من صدوقيين أيام الحاكم Antiochus Epiphanes والإمبراطور الروماني Nero، Domaitian، Hadrian، وغيرهم الكثيرين، ورافضي التلمود لم يكونوا فقط من الأمم بل هناك من اليهود: الصدوقيون والسامريون وبالتالي المسيحيين أيضاً، لأن التلمود يحتوي على بعض الافتراضات والتفاصيل المنافية لروح الكتاب المقدس نفسه، [ مثلما تحدث عن السقوط وحديث الشجرة مع الحية، وحديث الله مع الشيطان كالآتي: (( قال الواحد القدوس (للشيطان): أنت ظننت أنك ستقتله (آدم) وتتزوج زوجته (حواء) وتملك الدُنيا: فسأجعل بينك وبين زوجته العداوة، وظننت (أو بكونك ظننت) أنك ستملك العالم، فأنك تكون ملعون من بين الماشية كلها فلا تمشي منتصباً وعلى بطنك تذهب، واعتقدت أنك ستأكل من أطياب الرض، فلن تأكل طول أيام الحياة… الربي سمعان قال: حينها فقدنا خادماً (يتكلم عن الشيطان) كان يُمكن أن يحضر لنا اللآلئ العظيمة لو أنه لم يستطع إمالة الإنسان للمعصية، الربي يهودا قال: [ كان آدم يجلس في جنة عدن والملائكة تخدمه وتُقدم له اللحم والنبيذ، فأصابته الغيرة (يتكلم عن غيرة الشيطان من آدم)، كيف آدم خُلق، في بالساعة الأولى جُمعت غبار طينته، وبالثانية (اي الساعة الثانية) خُلِقَ، وبالثالثة اكتمل جسمه، وبالرابعة فُصِلَّت أعضاؤه، وبالخامسة ظهر، وبالسادسة أُيد بالروح، وبالسابعة ارتفع على قدميه، وبالثامنة زُوِجَ من حواء، وبالتاسعة أُسكن جنة عدن وبالعاشرة أُوكِلَت إليه القيادة، وبالحادية عشر أثمَ (أخطأ)، وبالثانية عشر طُرد ]

وهكذا احتوى التلمود في بعض التعليقات عليه والشروحات ما هو غير متفق مع الكتاب المقدس وتلقفت منه أديان أخرى نفس النظرة والكلام والأحاديث، وقد أُدخل بعضها عند بعض المفسرين وشارحي الكتاب المقدس واعتبرتها الكنيسة آثار يهودية لا يصح أن يتم بها شرح الكتاب المقدس لأنها منافيه لروحه، واعتبروا بعض الأفكار التي دخلت عن طريق بعض الكهنة والأساقفة أنها أفكار مهدت للهرطقات، وأنها دخيلة على روح العهد الجديد ولا يصح التعليم بها إطلاقاً بكونها تفسد عقول البسطاء، ولا زال بعضها موجود إلى اليوم في فكر البعض كآثار للشروحات الغير منضبطة بالروح ولا يعلم أحد أن أصلها يهودي متطرف، وقد رفضتها الكنيسة لأنها في الأصل تهدف لتهويد المسيحية، (ومن أمثلة ذلك الملك الألفي وظهور إيليا وأخنوخ، وموضوع عدم إيجاز صلاة المرأة الحائض أو مسها الكتاب المقدس … وغيرها الكثير والذي لا يمكننا كتابته بالتفصيل الآن لأنه سيطول الحديث جداً ونخرج عن الموضوع الأساسي والرئيسي) وعموماً هذا ليس بغريب أن يحدث، لأنه حدث منذ العصر الرسولي كما هو واضح في سفر الأعمال وانعقاد مجمع أورشليم الأول الذي حدد فيه الرسل الابتعاد فقط عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم (أنظر أعمال الرسل 15)… وبالرغم من كل ذلك لا نستطيع أن لا نلتفت لأهمية التلمود وبعض الشروحات الكثيرة والصحيحة اتي يحتويها والتي لها أهميتها القصوى لنا لنفهم الكثير والكثير من أسفار العهد القديم بدقة …

_____________________________________
[1] Catholic Encyclopedia, XIV, 38.
[2] Ashley. Introd, To English Economic History, II. 279
[3] “فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء ولأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” ( مت5: 18)
(أنظر مت3: 9) هذه اللفظة تعني “الحق أقول” وهذا التعبير دائماً يتصدر تصريحاً مهيباً.
اسم مؤنث مفرد في حالة الفاعل، معناه النقطة التي توضع على الحروف العبرية (dagesch داجش דּ גַ שׁ) لتميز بينها أو توضع تحت الحروف العبرية بقصد التشكيل (وهي تُشبه النقاط التي توضع فوق الحروف في اللغة العربية فحرف س في العربية يختلف عن حرف ش بوضع ثلاث نقاط فوق حرف س.. وهكذا) والمقصود هنا “أصغر جزء من الحرف”.
الحرف هو أصغر الحروف في الأبجدية العبرية اليود (י)، والنقطة هي النقطة التي كانت تُستخدم لتمييز الحروف العبرية المتشابهة. ويذكر التقليد اليهودي أن الحرف يود (י) يتعذر نقله أو إزالته، ويضيفون أنه لو اجتمع جميع الرجال في العالم لكي يزيلوا أصغر الحروف من الناموس، فإنهم لن ينجحوا، وأن جريمة تغيير هذه العلامات التي تُميز بين الحروف العبرية هي جريمة خطيرة، فإذا تمت، فإن العالم يقبل على الدمار. وهكذا يذكر السيد المسيح أنه لا يزول حرف واحد وإن كان أصغر الحروف أو نقطة واحدة صغيرة إلى أن يصير الكل.
للنفي القوي بمعنى “أبداً – لن” وخاصة مع الصيغة المصدرية للماضي فإنه يُفيد النفي المؤكد أو المشدد المتصل بالمستقبل (لن يزول أبداً) وفي غالبية استخدام العهد الجديد لهذا التكوين يعبر عن التأكيدات النبوية كما في (مت18: 3) (أنظر تحليل لغة الإنجيل للقديس متى في أصولها اليونانية إعداد الدكتور موريس تاوضروس ص140 و141)
[4] أنظر قصة الحضارة (عصر الإيمان) ج14 من ص10 إلى ص17.

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: