الرئيسية / الكتاب المقدس / مصادر شرح الكتاب المقدس / سلسلة مصادر شرح الكتاب المقدس في القرن الأول وأهم الترجمات – الجزء الخامس: المفاهيم الأساسية في علم المدراش؛ مدرسة الإسكندرية المسيحية

سلسلة مصادر شرح الكتاب المقدس في القرن الأول وأهم الترجمات – الجزء الخامس: المفاهيم الأساسية في علم المدراش؛ مدرسة الإسكندرية المسيحية

+ يجدر بنا الآن – باختصار أن نُركز على المفاهيم الأساسية في علم المدراش[1]، لِما كان لها أثر على أسلوب شرح الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى:

يتناول علم المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:

1-   التفسير الحرفي للنص أو “البيشات” (Peshat)

2- التفسير الرمزي للنص القانوني أو “الرميز” (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.

3- التفسير الرمزي للنصوص التاريخية والشعرية والنبوية أو “الداروش” (Darush) وهو الأسلوب المتبع في (الهَجَدة).

4- التفسير الصوفي للنص أو “السود” (Sod) وقد أنتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام71 للميلاد عندما أسس المعلم “هلّيل Hillel” مدرسة “الكابالا Cabala” خارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.

5- علم تفسير الأرقام أو “الجيماتريا Gematria” (ومثال على الجيماتريا علامة الوحش في سفر الرؤيا “17”)

6- علم تفسير الألفاظ أو “النوتاريكون Notarikon” وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استُخدمت في المدراش لتلخص عبارة ما أو جملة بكاملها:

والعبارة (إيكتوس “Ichthys” مثلاً التي استُخدمت في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله (Iesous Christos Theou Yios Sotir)، وهذا أفضل مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون.

7- علم تفسير الألفاظ التي تقوم على استخدام كلمة واحدة لتضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة. (وهذا الأسلوب استُخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابية وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً) وهذا العلم يُسمى “التيمورا Temoorsh” ومثال ذلك: “في سفر الرؤيا عدة ألفاظ، مثلاً: (رؤ16: 16) “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانية هرمجدون “. هرمجدون = روما هجدول أي روما الكبيرة.

مدرسة الإسكندرية:

1- نشأة المدرسة:

أ- يقول ألكسندر روبرت (Alexander Robert):”وجد أول كرسي للتعليم المسيحي…وصارت الإسكندرية عقل المسيحية…في الوقت الذي كان فيه الغرب مجرد متقبل يُبسط يديه وساعديه للشرق طالباً استنارة أعظم”[2]

تُمثل الإسكندرية عقل العالم المسيحي، الذي قدم له تراثاً صبغ كل فترات تاريخه الفكري، وكانت هناك أفكار كثيرة ظهرت متأثرة بالفكر الفلسفي وحاولت أن تشوش الفكر اللاهوتي للكنيسة وبخاصة عند البسطاء، لذلك كان لا بد من الرد على هذه الأفكار، وكان على الآباء – آباء الكنيسة الأوائل – أن يستخدموا نفس الأسلحة التي يستخدمها ويشهدها الفلاسفة الوثنيون.

وحمل لواء هذا الاتجاه الجديد مدرسة الإسكندرية المسيحية، أو مدرسة الموعوظين Catechesis التي ذاع صيتها باسم مدرسة المدافعين Scola apologetica وهي تُعد دون شك أول معهد علمي ذا أهمية كبرى للدراسات اللاهوتية في عالم المسيحية الأول، وأضحى آباء هذه المدرسة مسئولين عن صياغة اللاهوت المسيحي. ووضع التفسيرات والشروح والتعريفات المحددة للأرثوذكسية.

“وطبعا” من الخطأ حصر اهتمامات هذه المدرسة في الجدل اللاهوتي وحده. فقد كانت تقدم عديداً من الدراسات الإنسانية والعلوم والرياضيات، وان كان اهتمامها الأول في عصر الإيمان، الإيمان أولاً، حتى يُمكننا أن نُشبهها بالجامعة في احتواءها على فروع المعرفة الإنسانية المختلفة، بل أن أورجين Origenes  (185- 254) نفسه، أشهر أساتذتها كان ضمن دروسه محاضرات في المنطق والجدل والعلم الطبيعي والهندسة والفلك[3].

فقد حرصت – مدرسة الإسكندرية – أن تدخل في برامج دراستها مختلف فروع المعرفة الإنسانية في العلوم والآداب إلى جوار مهمتها الأصلية في المسائل اللاهوتية، حتى تجذب إليها فكر الناشئة والدارسين.[4]

ب‌ –       بدأت مدرسة الإسكندرية بداية متواضعة، فكان الأستاذ يستقبل في منزله كل طارق مسيحياً كان أو وثنياً ويُعلمه بلا أجر. وأغلب الظن أن التعليم كان في بادئ الأمر دينياً صرفاً ولكنه اتسع بعد ذلك حتى احتوى على الفلسفة والعلوم.

 وأصبحت الدراسة بها تستغرق ثلاث سنوات، والأغنياء من الطلبة يقدمون العطايا للمحاضرين (وذلك تطبيقاً للكتاب المقدس: “الفاعل مستحق أجرته” 1تي5: 18 )، وكان برنامج التعليم يبدأ بعلوم اللغة وينتقل منها إلى العلوم الرياضية والطبيعية ثم الفلسفة والأخلاق، وينتهي بشرح الكتب المقدسة.

 وقد كان هذا الاتساع في البرنامج التعليمي ضرورياً فيما يبدو نظراً لأن معلمي المدرسة والدارسين فيها كانوا يستهدفون الدفاع عن العقيدة ضد الديانات والمذاهب الفلسفية المختلفة[5] والبعيدة كل البعد عن عمل الله وحياة التقوى والبرّ وقوة الخلاص والفداء.

ويُحدثنا القديس إغريغوريوس النازيانزي Gregorius Nazianzenus (الناطق بالإلهيات) عن أخيه Caesarius قائلاً أنه جاء إلى الإسكندرية ليتلقى تعليمه في مدرستها التي تُعَد مركزاً لكل فرع من فروع المعرفة[6]، كما أن القديس إغريغوريوس نفسه أتى إلى الإسكندرية ليستكمل دراسته.[7]

ت‌ –        اهتمت مدرسة الإسكندرية بالفلسفة اليونانية، وهذا عمل على نزع أي نظرة ضيقة نحو المسيحية كتراث إقليمي يرتبط بجماعة محلية أو ثقافة خاصة. وبهذا ربحت الكنيسة نفوس كثيرة للرب يسوع من عينات مختلفة، على كافة المستويات الفلسفية والفكرية. ولهذا عندما تحدث فارار Farrar عن اللاهوت المسيحي في مدرسة الإسكندرية قال: ((الكرازة بالمسيحية أشبه بالطريقة التي تحدث بها الله قديماً مع الآباء. تحمل سمة التعدد والتنوع. لقد قدمت للعالم حكمة غنية متنوعة. إذ وقفت الكنيسة أمام العالم كابنة للملك التي ذكرها المرتل أنها ملتحفة بثياب مزركشة. تستطيع أن تكون بسيطة مع غير المتعلمين. وكيهودية مع اليهود، وكيونانية مع اليونانيين، وبمعنى صالح ولطيف إنها كل شيء مع كل أحد، هكذا تحدث القديس بولس بطريقة معينة مع فلاحي لسترة، وبطريقة ثانية مع الأبيقوريين Epicurian وأتباع أرسطو Aristotle بأثينا، وبطريقة ثالثة في سنهدريم أورشليم. قليلون هم الذين وهبوا هذا التنوع السامي، لكن ما لا يقدر إنسان بمفرده أن يفعله قام به معلمون مسيحيون متنوعون… لقد لمسوا أوتاراً كثيرة لقلوب الكثيرين.))[8]

وقد وصف شاف Schaff قدرة المدرسة على الكرازة بين الفئات المتباينة خلال اتساع نظرتها قائلاً: ((كانت من جهة حصناً للكنيسة ضد الأشرار… ومن جهة أخرى كانت جسراً للعبور من العالم إلى الكنيسة.))[9]

+ مؤسسي المدرسة ورؤسائها +

لقد شهد القديس ﭽيروم أن القديس مرقس الرسول قام بتأسيس مدرسة الإسكندرية المسيحية لتثبيت الإيمان على أساس راسخ، سواء بالنسبة للذين من أصل أممي أو من أصل يهودي.

ويختلف بعض المؤرخون مع رأي ﭽيروم الذي أعتمد في رأيه (أن القديس مرقس الرسول هوَّ من أسس مدرسة الإسكندرية) على يوسابيوس القيصري في كتابه المشهور “تاريخ الكنيسة” بالرغم من أن يوسابيوس لم يذكر صراحة القديس مرقس الرسول بل كتب قائلاً:” ونحو هذا الوقت ( حكم كومودس، ورسامة يوليانوس أسقفاً للإسكندرية بعد أغريباس الأسقف في 17 مارس سنة180م) عُهد إلى بنتينوس – وهو شخص بارز جداً بسبب علمه – إدارة مدرسة المؤمنين في الإسكندرية. إذ قد أُنشأت بها منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدسة، ولا زالت حتى يومنا هذا. وكان يُديرها – كما وصل ألينا – رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات. وقيل انه برز من بينهم في ذلك الوقت بنتينوس.” (يوسابيوس القيصري الفصل العاشر (1) )[10]

عموماً قد قال البعض أنه لم يكن هناك شيء معروف عن مدرسة الإسكندرية قبل بنتينوس (بانتاينوس Pantaenus)، وعلى ذلك يكون بانتاينوس (179 – 216م) أول رئيس لمدرسة الإسكندرية وكان أصلاً من الفلاسفة الرواقيين[11] Stoicism قبل أن يؤمن.

وطبعاً هذا الاعتقاد نتيجة أن بنتينوس Panthenus نال شهرة فائقة جداً في هذا الزمان حتى أن البعض اعتبر أن المؤرخ يوسابيوس Eusebius قال عنه أنه أول رئيس للمدرسة مع أنه يؤكد في كلامه “أنه أحد هؤلاء المعلمين”.. إذ قال: ((في ذلك الوقت كانت مدرسة الإسكندرية للمؤمنين يرأسها رجل ذو شهرة عالية جداً كدارس، يدعى بنتينوس. فقد وجدت عادة راسخة أن توجد بينهم أكاديمية في العلوم القدسية. ولا تزال هذه الأكاديمية قائمة حتى يومنا هذا. وبحسب فهمي الذين يديرونها على مستوى عالي. لاهوتيين ذو قدرات خاصة. لكننا نعرف أن بنتينوس هو أحد هؤلاء المعلمين الذي كان أكثر معلمي عصره قدرة وسمواً.))[12]

ولكن البعض الآخر من المؤرخين وجميع الكتاب الكنسيين يؤكدون مع القديس ﭽيروم على أن القديس مرقس الرسول هو من أسس مدرسة الإسكندرية ويقول نيافة الأنبا غريغوريوس:

 ((…فنحن نعلم أن القديس مرقس St. Marc عين يسطس Justus أول عميد للمدرسة، وقد سار البطريرك السادس…))[13]

عموماً لما اعتلى يسطس (الأسقف السادس) كرسي مار مرقس أصبح أومانيوس مديراً لها. ثم ارتقى أومانيوس هذا إلى الكرسي ألرسولي (وهو السابع من أساقفة الإسكندرية)، فأدار المدرسة القديس مركيانوس الذي أصبح فيما بعد الأسقف الثامن على كرسي الإسكندرية.

* مؤسسي المدرسة على مر العصور باختصار:

عموماً لو سرنا حسب الترتيب المعروف تاريخياً وبحسب الدراسة الحديثة للتاريخ نستطيع أن نرتب رؤساء المدرسة كالتالي:

إن المؤسس الرئيسي لمدرسة الإسكندرية هو القديس مرقس الرسول الذي أسند رياسة المدرسة للقديس إنيانوس الذي رسمه سنة 62م وساس الكنيسة بحكمة مدة 22 سنة[14]، وقد تولى إدارتها في أواخر سني القديس مرقس الرسول، وفي عهد الأساقفة الأربعة الذين خلفوه القديس يسطس. لما اعتلى يسطس (الأسقف السادس) كرسي مار مرقس أصبح أومانيوس مديراً لها. ثم ارتقى أومانيوس هذا إلى الكرسي الرسولي (الأسقف السابع) ، فأدار المدرسة القديس مركيانوس الذي أصبح فيما بعد الأسقف الثامن على الكرسي السكندري.

أما في أيام البابا ديمتريوس الكرام فقد تعاقب على إدارتها ثلاثة من كبار الفلاسفة هم على التوالي بنتينوس (180م) وكان أصلاً من الفلاسفة الرواقيين[15] قبل أن يؤمن وتلميذه الشهير أكليمنضس السكندري الذي خلفه في إدارة المدرسة (202م) ؛ ثم أوريجانوس أو أورجين (232م)ن وفي أيامه – كما هو معروف – وصلت المدرسة لقمة مجدها.[16]

عموما نستطيع أن نصنف مدرسيها وتلامذتها كالآتي:

أولاً : مديرين مدرسة الإسكندرية الذين أصبحوا بطاركة:

** البابا الأنبا يسطس البطريرك الـ 6

** البابا الأنبا أومانيوس البطريرك الـ 7

** البابا الأنبا مركيانوس البطريرك الـ 8

** البابا الأنبا ياروكلاس البطريرك الـ 13 (وهو أول من سميَّ بالبابا)

** البابا الأنبا ديونسيوس البطريرك الـ 14

ثانياً : تلاميذ مدرسة الإسكندرية الذين أصبحوا بطاركة:

** البابا الأنبا يوليانوس البطريرك الـ 11

** البابا الأنبا بطرس خاتم الشهداء البطريرك الـ 17

** البابا الأنبا أرشلاوس البطريرك الـ 18

** البابا أثناسيوس البطريرك الـ 20

** البابا كيرلس الكبير البطريرك الـ 24

** البابا ديسقوروس البطريرك الـ 25

مديرو ورؤساء مدرسة الإسكندرية

أولاً : بنتينوس:

 كان مدير للاكليريكية  كرز في الهند بالخلاص احضر من الهند مخطوطة إنجيل البشير متى .
كتب الهـيروغلـيفية بحـروف يونانية (اللغة القبطية) .
قام بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية .

ثانياً : أكليمنضس السكندري:

  حل محل بنتيوس بعد نياحته وأصبح مدير الإكليريكية (المدرسة اللاهوتية الشهيرة بالإسكندرية ).
* كان وثنيـا ولم يجد في الفلسفة شبع نفسه فاعتنق المسيحية.
* بقي من مؤلفاته الكثيرة 3 كتب.
*عمل على تشـجيع الوثنـيين لاعتـناق المسيحية.

 ثالثاً: العلامة أوريجانوس:

 من أعظم من أنجبته الكنيسة القبطية ولد سنة 185م وتنيح سنة 254 ولعلمه وعقلة أصبح مدير الإكليريكية في سن 18[17].
* قام بتفسير الكتاب رمزيا وروحيا.
* كرز للوثنيين وعلم في عـدة بلاد منها:
أ – روما   ب – الجزيرة العربيـة   ج – فلسطين   د – إنطاكية    هـ – اليونان

  • رسـمه أسقف قيصرية كاهنا، فحرمه البابا.

    * القـي في السـجن وعـذب وتنيح.

    هناك جدل كبيـر بخصـوص تعاليمه حيث حرم من الكنيسة القبطية ولكنه ما زال يحتل مكانة بارزة في قلوب جميع الدارسين ومحبي المسيح الرب حتى الآن ، حيث يشعر الكثيرين بالفخر من انتماء هذه العقلية الفذة إلى الكنيسة .[18]

مديرو مدرسة الإسكندرية منذ تأسيسها باختصار

البطريرك المعاصر

أسم المدير

م

مار مرقس وأنيانوس وميليوس وكرنونوس وبريموس

يسطس

1

في بطريركية يسطس

أومانيوس

2

أوملنيوس

مركيانوس

3

يوليانوس الـ 11 ديمتريوس الـ 12

بنتيتوس

4

ديمتريوس الـ 12

اكليمنضس الأسكندرى

5

ديمتريوس الـ 12

العلامة أوريجانوس

6

ديمتريوس الـ 12

ياروكلاس

7

البابا ياروكلاس أول من سميَّ بالبابا

ديونسيوس

8

البابا ثاؤونا البطريرك الـ 16

ثاوغست

9

البابا بطرس خاتم الشهداء الـ 17

بيروس

10

 

أرشلاوس

11

البابا أرشلاوس البطريرك الـ 18

بطرس

12

 

سرابيون

13

البابا أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20

مقار السياسي

14

 

ديدموس الضرير

15

البابا كيرلس الكبير البطريرك الـ 24

رودون

16

** عموماً يعتبر أوريجانوس و أثناسيوس الرسولي قمة مجد مدرسة الإسكندرية, فيرجع الفضل لأوريجانوس في الانتصار على الوثنية وعلى الغنوصية[19] مستخدماً في ذلك أسلحتهم ، كما استطاع أن يزود الكنيسة بما يُسمى ” بالوعي العلمي “

ويُعتبر أحد المفكرين الأصليين الذين شهدهم العالم ، وقد وصفه القديس جيروم قائلاً:(إنه أعظم معلم في الكنيسة بعد الرسل) نقلاً عن القديس ديديموس الذي وصفه في مقدمة ترجمة (عظات حزقيال) بمعلمه العظيم ، ولقد لُقب أوريجانوس بلقب (أومانتوس) أي (الرجل الفولاذي) مشيراً بذلك إلى قوة حجته التي لا تنهزم وإلى مثابرته التي لا تقف عند حد[20].

وأيضاً يقول القديس أغريغوريوس صانع العجائب : (لقد جذبنا بأعماله التي فعلها أكثر من تعاليمه التي علمنا إياها)، ويقول المؤرخ يوسابيوس: ( أن سلوكه كان يتفق مع تعاليمه، وكانت تعاليمه تتفق مع حياته، ولذلك فإن القوة الإلهية التي كانت تعمل فيه دفعت الكثيرين جداً إلى غيرته )[21].

** وأيضاً القديس العظيم أثناسيوس الرسولي الكبير الملقب بأبي الأرثوذكسية والشخصية الرئيسية في العصر النيقاوي[22] قد اثر في التعليم أثر عميق ستظل أثاره لمجيء المسيح الثاني وانتهاء العالم، فقد بلور التعليم اللاهوتي على أدق وجه، وكان له أثر واضح على التعليم ليس فقط في مدرسة الإسكندرية بل في العالم أجمع..

يقول عنه فيليب شاف Philip Schaff المؤرخ الكنسي (1819 – 1893) في كتابه: “تاريخ الكنيسة المسيحية” – الجزء الثالث، صفحة885 :

{ … دعاه المؤرخ ثيئودوريت (393 – 460) وهو قريب من زمن أثناسيوس، دعاه “المنبر الأعظم” ودعاه يوحنا الدمشقي “حجر الزاوية في كنيسة الله”…

وأثناسيوس، على كل حال، واحد من أنقى وأجلّ الشخصيات ذات الوقار العظيم في تاريخ الكنيسة. وهذا هو الآن حكم التاريخ المأخوذ به بصفة عامة }[23]

ويقول العالم دين ستانلي[24] (1815 – 1881) مؤرخ انجليكاني ذائع الصيت:

{ … وبالاختصار، فإن أثناسيوس هو أبو الأرثوذكسية بكل معنى، فقد أثرى الكنيسة أكثر مما ورَثته من أعمالها في الماضي أو حتى من منطوق قانونها الأرثوذكسي الأساسي. فهو المحسوب أنه منشئ الأرثوذكسية بحق، إذ يلزم أن نعرف أن قبل أثناسيوس، بل وقبل مجمع نيقية الذي اشترك فيه، كان التعليم الأرثوذكسي كقانون متكامل غير معروف…

إن كتابه عن ((تجسد الكلمة)) يمتد بصلاحياته ليغطي ما بعد زمانه ويصبح (حتى اليوم) صالحاً لاستخدامات لاهوتية متعددة – ليكون في النهاية واحداً من أفضل البراهين على (( الحق )) ! }[25]

 


[1] (Midrash) يعني “الدرس” وكان شائعاً في القرن الأول الميلادي، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التلمود. ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية وهي تتناول شرح الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم ويُسمى هذا القسم ب “هَجَدة” (Haggadah) “(وهو اسم عبري مشتق من الفعل العبري “دَرَش” ويعني بالتحديد” “دَرَسَ وبحث وفحص بدقة تامة”)

[2] (عن سلسلة آباء الكنيسة ص9)

[3]  كان يرى أوريجانوس أن (كل حكمة هيَّ من الله) سواء كانت معرفة خاصة بالفلسفة أو الرياضيات أو الطب أو الموسيقى، ولذلك لا يُدهشنا أننا نجده يمتدح الفلسفة أحياناً، فيقول على سبيل المثال في رسالة بعث بها إلى القديس إغريغوريوس صانع العجائب:” أن الفلسفة اليونانية أشبه بالجواهر التي حملها بنى إسرائيل من مصر، ولكنهم بدلاً من أن يستخدموها في تزيين الهيكل صنعوا بها العجل الذهبي. وفي موضوع آخر يرى أن موسى النبي قد قبل مشورة والد زوجته يثرون الكاهن الغريب، هكذا فإننا (“إن وجدنا كلمة حكمة على شفتي وثني لا نزدري بها على الفور بسبب الناطق بها” فإنه ليس من الصواب أن نتصف بالكبرياء محتقرين كلمات الحكمة بحجة وجود الشريعة التي أُعطيت لنا من الله وإنما بالحري يليق بنا أن نختبر ونقبل ما هوَّ صالح كقول الرسول. (وذلك حسب قول أوريجانوس نفسه).

ولكنه في – في الوقت نفسه – يُحذرنا من الفلسفة لأن الوثنيين أفسدوها بإدخالهم أباطيلهم إلى الحق الذي فيها. ومن عبارات التحذير التي قالها أوريجانوس: (( لا تقتات بطعام الفلسفة الخادع، فإنه قد يبعدك عن الحق)) وأيضاً ((إذا امتنعنا عن أن نطلب لمرضانا عوناً من فلسفة أبيقور والأطباء الأبيقوريين الذين خلبوا عقول الوثنيين ألا نكون محقين في ذلك؟؟ أننا بهذا ننقذهم من المرض القاتل الذي سببه أطباء كلسوس بإنكارهم الغاية الإلهية واعتبارهم اللذة هي الخير الأعظم. كما أود أن أحذر الذين جذبناهم… من العودة إلى استخدام أدوية الفلاسفة الآخرين)) (راجع كتاب مدرسة الإسكندرية اللاهوتية – أوريجانوس، تأليف المستشار الدكتور/ زكي شنودة – مدير معهد الدراسات القبطية ص16و17).

[4] أنظر الدولة والكنيسة للدكتور رأفت عبد الحميد – الجزء الثالث – ص21و22 وأيضاً مدرسة الإسكندرية الفلسفية بين التراث الشرقي والفلسفة اليونانية ص86

[5] مثل عبادات الربة كيبلى Cybele والأم الفريجية العظيمة Magna mather و إيزيس المصرية، ومترا الفارسي، وآراء الغنوصيين والديانات الأخرى في فارس والهند والحبشة وكذلك أفكار الخارجين على الكنيسة ومقاومي التقوى وأضداد المسيح رب المجد (أنظر مدرسة الإسكندرية الفلسفية بين التراث الشرقي والفلسفة اليونانية ص86.

[6] GREG. NAZ. ORAT, VII, 6, 7

[7]  Tbid. XVII, 31. أنظر الدولة والكنيسة للدكتور رأفت عبد الحميد الجزء الثالث صفحة 23

[8]   Farrar, vol 1p 352

[9]  Schaff

[10] أنظر تاريخ الكنيسة تأليف يوسابيوس القيصري ترجمة القمص مرقس داود الطبعة الثانية 20مايو 1979 صفحة 256 و257، أنظر أيضاً مدرسة الإسكندرية الفلسفية بين التراث الشرقي والفلسفة اليونانية صفحة86.

 [11]وهم تلاميذ الفيلسوف اليوناني زينون (336 – 204ق.م) وأُطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى رواق بوليجنوتس المزخرف بلوحاته والمسمى الرواق المصور، بأثينا، الذي اتخذه زينون مقراً له يجتمع فيه بمريديه فدعيَّ أصحابه بالرواقيين.

وقد أسس زينون هذه المدرسة في أثينا 294ق.م، وفلسفتهم هيَّ محبة الحكمة، والحكمة هيَّ العلم بالأشياء الإلهية والإنسانية، والمعرفة عندهم حسية، وكانوا ينشدون السلام الروحي، ويتمسكون بالفضيلة، ويرفضون تعدد الآلهة. والتناقض الذي لم يتوصلوا لحله أبداً هو: (كيف يكون الإنسان حُراً للسعي وراء المثال الأسمى، وهوَّ – بالضرورة – مُقيد) (راجع المعجم الفلسفي تأليف الدكتور عبد المنعم الحفني ص135 وص136 وأيضاً دائرة المعارف الكتابية الجزء الرابع ص158)

[12]  أنظر آباء الكنيسة الكتاب الأول صفحة 117

[13] أنظر آباء الكنيسة الكتاب الأول طبعة أولى 1992 صفحة 18و19

[14] انظر تاريخ الكنيسة المصرية تأليف لويزا بوتشر ترجمة دياكون د.ميخائيل مكس اسكندر ص15

[15] الرواقيين: stoicism ، أصلهم ( هم تلاميذ الفيلسوف اليوناني زينون 336 – 204ق.م) انظر الهامش 32و  أيضا (أنظر أعمال الرسل:17: 18، 28، 32 ) {راجع المعجم الفلسفي ص 136، دائرة المعارف ص 158 الجزء الرابع}

[16] راجع دائرة المعارف الجزء الأول ص275 وأيضاً موسوعة الأنبا غريغوريوس – الدراسات الفلسفية ص31

[17] أنظر الدولة والكنيسة للدكتور رأفت عبد الحميد الجزء الثالث ص27 والحاشية رقم 60

[18] عن سلسلة تاريخ البطاركة (1) ما ر مرقس الرسول ومدرسة الإسكندرية – إعداد أمير نصر – تقديم الأنبا موسى

[19] الغنوصية: Gnosticism وهيَّ تشتق من كلمة Gnosis بمعنى المعرفة، وفلسفتها توفقيه تمزج بين الديانات والأساطير، وقال رواجها أنه يوجد إلهين أحداهما خير والآخر شرّ ، وأن النفوس تفيض من إله الخير ، والإنسان يخلُص بالمعرفة. { أنظر المعجم الفلسفي ص229}

[20] انظر مدرسة الإسكندرية اللاهوتية أوريجانوس تأليف المستشار/ زكي شنودة ص22

[21] نفس المرجع السابق ص20

[22] المقصود بالعصر النيقاوي: نسبة لمجمع نيقية المعروف في القرن الرابع الذي أُقيم بسبب البدعة الأريوسية والذي انبرى له القديس أثناسيوس الرسولي مدافعا عن الحق مستخدماً كلمة homoousion أي من جوهر الله أي أن الكلمة (المسيح الرب) هو من جوهر الله. يقول المؤرخ جيبون: { إن أسم أثناسيوس الخالد لا يمكن أن ينفصل أبداً عن عقيدة الثالوث التي كرس لها حياته وكل قدراته العقلية وكل كيانه… وقد شهدت كل ولاية من ولايات الإمبراطورية الرومانية ما كان يتحلى به أثناسيوس من فضائل وما كان يعانيه من آلام في سبيل قضية واحدة الإبن مع الآب في الجوهر التي أصبحت عمله الوحيد وهمّه الوحيد.؛ } أنظر القديس أثناسيوس الرسولي البابا العشرون للقمص متى المسكين ص47

[23] أنظر المرجع السابق ص10 وص11

[24] Dean Stanely, Lectures on Hist. of East. Church

[25] Dean Stanely, op., p. 229 – 237

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: