الرئيسية / مقالات / غاية التعليم المسيحي وهدفة الحقيقي

غاية التعليم المسيحي وهدفة الحقيقي

هناك فرق ما بين التعليم المدرسي كمنهج علمي فكري لتلقين العقل لتثبيت المعلومة، فيمتلئ عقل التلميذ بالمعلومات والتي قد لا تنفع في التطبيق العملي في حياته، لأن هدف التعليم هو التثقيف والمعرفة، أما التعليم المسيحي يختلف عن العلم المدرسي الفكري، لأن التعليم المسيحي ليس للثقافة ومجرد المعرفة في ذاتها لحشر العقل بالمعلومات، وللأسف الشديد يظن البعض أن هدف التعليم المسيحي هو الجدال وإقناع العقل بالمنطق والفلسفة عن وجود الله وطبيعته، ويتم شرح العقيدة على مستوى المعرفة العقلانية وقناعة الفكر البشري الذي دائماً ما يختلف من شخص لآخر وحسب الذكاء العقلي لكل واحد !!!

فأي تعليم حقيقي وجاد عن الله : له غاية وهدف واضح من خلال الكتاب المقدس وكل كتابات آباء الكنيسة، وهي العبادة الحسنة بالروح والحق، فمهما قلنا وتكلمنا عن الله بكل معرفة حتى لو صحيحة تمام الصحة، فهذا ليس بهدف قائم بذاته، لأن غاية التعليم ليس التكلم عن الله وإقناع العقل، أو حتى لإقناع الآخرين بوجوده وطبيعته وصفاته، لأن غاية التعليم هو شركة في الحياة الإلهية. وهذا واضح من الإنجيل نفسه، لأنه يبشر بالحياة الأبدية: [ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16) – و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يوحنا 17: 3) – وهذا هو الوعد الذي وعدنا هو به الحياة الأبدية (1يوحنا 2: 25) – و نعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية (1يوحنا 5: 20) – فان الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا (1يوحنا 1: 2) ]

ولنا أن نعلم يقيناً أن الإيمان بالآب والابن والروح القدس هو توحيد وشركة وحياة أبدية على مستوى الخبرة، وبالطبع التوحيد ليس على المستوى العددي وبحسب فكر وظن البشر، بل حسب الإعلان الإلهي في يقين الإيمان باستعلان الابن ذاته في القلب ليعلن الثالوث القدوس بالروح القدس سراً، لا بإيضاحات كلامية فكرية عقليه، إنما بروح التقوى والوقار في دائرة المحبة حينما يدخلنا فيها بنفسه، فنرى ونبصر وحدانية الله، وذلك رغم من أننا لا نقدر أن نُعبر عنها بدقة، إنما نستوعب السرّ على مستوى الخبرة ورؤية الله، حسب قدرته وإعلانه عن ذاته في قلب كل واحد فينا، وحسب انفتاح ونمو كل واحد في النعمة الموهوبة له من الله مجاناً !!!

ويقول الأب صفرونيوس: [ ما هي منفعة الجدل حول طبيعة الله، إذا كان التعليم عن طبيعة الله لا ينتهي بالسجود؟ لأننا نحن المسيحيين … نعبد الله الواحد الذي لا آخر معه ولا شريك له في جوهره، ونسجد للآب في ابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح بنعمة الروح القدس حسب كلمات الرب المُحيية ” الله روح والذين يسجدون له، فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا ” (يو4: 24). وحسب كلمات الرب نفسه نحن نسجد لمن أعلن عن ذاته في جوهر واحد ولاهوت واحد وربوبية واحدة، وهكذا نحن لا نسجد لإله مجهول، بل لمن أرسل ابنه الوحيد وأنار عقولنا بتجسده ونقلنا من موت الخطية وعبادة الأوثان وحررنا من رباطات العبودية بموته المُحيي بالصليب المكرم، وثبَّت فينا هبة الحياة الأبدية بالقيامة، ثم فتح لنا كنوز حياة الحق بروح الحق المعزي الذي يقودنا نحو حق الله في ابنه يسوع المسيح ويغرس فينا كلمة الحق وشهادة الحق. ] (من رسائل الأب صفرونيوس – الثالوث القدوس توحيد وشركة وحياة – الطبعة الأولى أبريل 2010م؛ من صفحة20 إلى 21)

فهذا هو غاية التعليم المسيحي الحقيقي: هو معرفة الله، معرفة الله كشخص حي، شخص كائن بذاته يهب لنا حياة، يكلمنا، يتحرك نحونا، يجذبنا إليه، يتفاعل معنا ونتفاعل معه، ومعرفة الله تعني استعلانه في داخل القلب بالروح، أي يمتلئ الإنسان من حياة الله كل يوم، إذ ينظر للرب كما في مرآة ويتغير لتلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح، فعلياً، فتنطبع صورته على النفس، ويكتب هو بنفسه، يكتب بروحه سيرة يسوع في القلب، وينفتح الذهن بالنور الإلهي فيرى ويُبصر بالإيمان الله القدوس الحي، ويعكس نوره وسط العالم كله ليتمجد اسمه كل حين !!!
[ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)

فالله ليس نظرية تُشرح أو عقيدة معقده في بنودها لا تُفهم، أو قواميس وفهارس ومعاجم تُدرس، ولا لغة تُعرف أصولها، ولا جدل لاهوتي وفكري حول طبيعته وصفاته، ولا قناعة عقل وتصديق فكر، أو وضع نظريات والتكلم عن لاهوت نظري ولا هوت عملي ولاهوت تحريري، ولا هو يتواجد في من يعرف أكثر أو يتعامل مع من يدرس بعمق أكبر، لكن الله شخص حي بذاته، يعلن نفسه، ويعطي حياة أبدية لمن يُريد، ويحرر الإنسان من سيادة الخطية ويعتقه من سلطان الموت، ويعطيه حياة نصره فعلياً ليرتفع فوق كل ضعف وقصور الجسد بالروح، ويُعطى هذا كله فقط للذين يتوبون ويعودون إليه ليطلبونه إله حي وحضور محيي وقوة شفاء لنفوسهم، طالبين ان يعرفهم ذاته ويكشف لهم عن نفسه [ والتفت إلى تلاميذه وقال: كل شيء قد دفع إلي من أبي، وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب، ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له ] (لوقا 10: 22) …

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: