الرئيسية / مقالات / قصتي أنا الإنسان، مأساتي ونجاتي

قصتي أنا الإنسان، مأساتي ونجاتي

الله الخالق الصالح، الله المحبة، من فيض صلاحه خلقني إنساناً مظهراً محبته العظمى في خلقتي على صورته ومثاله، خلقني من العدم حسب مسرته بكلمته ونفخه نسمه الحياة بروحه فيَّ فصرت نفساً حيه، مانحاً ضعفي الحياة الأبدية، كاسي نفسي بنعمته لكي يحفظني من العودة للعدم، واعطاني الوصية لتحفظ محبته في قلبي ولكي أعيش حريتي ويكون لي اختيار بما يتفق مع إرادتي، ومنحني الحياة الأبدية أن ابقيت معرفته في داخلي اسعى أن أنمو فيها دائماً ولا أُخالف وصيته، لأن طاعة الوصية تظهر محبتي وتحفظ حياتي من أن أعود للعدم واتعرى من نعمته، وأعطاني نعمة العقل والتعقل لكي أقيس كل الأمور بحسب الحكمة والمعرفة التي أعطاني إياها فاختار ما يتناسب مع طبيعتي الأولى التي خُلقت عليها بدون فساد، وابتعد عن كل ما هو فاسد لا يتفق مع ما خُلقت عليه، ولا يتناسب مع الحياة التي نلتها من الله، وأرفض كل ما يُخالف الصورة التي خُلقت عليها ويفقدني النعمة التي تحفظني من العودة للعدم وتراب الأرض التي أُخذت منه….

وفي هذه النعمة العظمى التي كنت أعيش فيها ظهر حسد إبليس الذي أراد ان يُدخل الموت إلى العالم المخلوق لأجلي لكي أرتقي به نحو الخير الأعظم ملك الكون ورب الحياة، فأغراني بمكر نحو الخير الغير موجود، فأطعت من القلب صوته بكامل حريتي مهملاً وصية الله، فتسرب لنفسي في التو الموت وكان سقوطي عظيماً نتاج اختياري الحر الذي ساد على كل البشر من جيل لجيل، ففقدت النعمة وصرت عارياً أخجل من نفسي وأخاف من الله ولا استطيع أن أرى وجهه أو أتراءى أمامه، وساد الموت على نفسي سيادة شرعية بل وملك على كل إنسان، فصار البشر كلهم تحت سلطان الموت، فسرى الخوف في كيان الإنسان كله حتى عاش حياته تحت العبودية يخاف من الموت ويرتعب من الدينونة…

فبعد ما خُلقت لكي أحيا في سعادة وحياة مستديمة في نمو دائم لمعرفة الله الحياة والنور، إلا اني انتهيت وانتهى معي كل البشر في حالة تعاسة وشقاء دائم، مهملين كل ما هو صالح، منجذبين إلى كل ما هو مادي، إذ ان التراب والعدم سيطر على البشرية كلها لأنها انفتحت معي على الشرير الذي أعمانا عن نور الحياة، فتنكرنا جميعاً من جيل لجيل لله ومحبته، وسلَّم الكل نفسه لشهواته الذاتية، وهكذا بابتعاد الجميع عن الله صرنا كلنا إلى الفناء، فغياب شركتنا مع الله هو الموت المطلق عينه والعودة للتراب، لأننا أصبحنا نُقيم شركة مع أنفسنا باحثين عن كل لذة مؤقته تبعدنا عن الإحساس بالدينونة والفناء فانغمسنا في التراب وانشغلنا بحب الذات وعشنا باللذة الوقتية التي تجرفنا وتورطنا في الموت والبعد عن الحياة أكثر وأعمق فصارت الخطية خاطئة جداً وتملك الموت بسلطان قوي وتبعه الفساد وعدم الحياة وتُركنا جيفة في قبور الشهوة، وصار قبرنا له شكل من الخارج جميل أما من الداخل تفيح منه رائحة الموت نتاج الفساد ….

ولكن شكراً لله القدوس الذي لم يتركنا عنه للانقضاء بل تعهدنا بأنبيائه القديسين من جيل لجيل ليؤدبنا للمسيح الرب معلناً وعد خلاصنا ونجاتنا من سلطان الموت، فأخذ يهيئنا جيلاً بعد جيل لمجيئ المخلص العظيم، فقد رأى الله مزلتنا، ورأى أن الجنس البشري العاقل يهلك، وأن الموت تملك علينا كلنا بالفناء، وفاحت منا رائحة الفساد وليس هناك إصلاح لمن فسد وأنتن، ولا يوجد قدرة لمن مات ليقوم وينهض، فاقترب منا بهدوء وتبع مسيرتنا الطويلة جيلاً بعد جيل يتلامس معنا من بعيد وأحيانا من قريب لكي يحرك قلوبنا ويشدها نحوه ويؤدبنا لكي نفهم أنه ليس بالقوة ولا بالقدرة بل بقوة رب الجنود تُعاد إلينا الحياة، فأظهر وعده وأعطانا مثال بشعب إسرائيل حتى يفتح قلبنا قليلاً قليلاً لنتعرف على قدرته ونقترب من خلاصه العظيم ونستسلم له …

فالله إذ رأى مزلتنا، وتمادينا في الشر إلى حد الإفراط، وقد زدنا فيه شيئاً فشيئاً إلى درجة لا تُطاق، وصرنا ضد أنفسنا نفعل ما لا نرغب فيه، ونستمر في ما لا ينفعنا ونحيا من مزلة لمزلة ومن ضعف لضعف ومن موت لموت، وإذ رأى الله اننا صرنا بالتمام تحت سلطان الموت باختيارنا وبسبب الظلمة التي أحاطت بنا فلم نعد نرى طريق نور ولا نجاة ووصلنا لحد الفشل التام من أن ننصلح أو يكون لنا رجاء، ولم ينفعنا شيء ولا حتى ذبيحة ولا تقدمة لأننا فسدنا إلى التمام ولم يعد لأحد قدرة على القيام، فتحنن علينا كلنا وأشفق على ضعفنا وتراءف على فسادنا، لأنه لم يرد أن يرى في خليقته فساد، ولا الإنسان الذي أحبه أنة يمكث في موت…

وإذ هو الإله لم يُفاجأ بحالنا لأنه بعلمه السابق يعلم سقوطنا وقد دبر بتدبيره الأزلي خلاصنا، وإذ قد خلقنا بشخص الكلمة، دبر خلاصنا بنفس ذات الكلمة الذي به خلق العالم أولاً والإنسان على صورته كشبهه، فقد صار لائقاً بصلاح الله أن يتدخل لإصلاح ما أفسده الإنسان، فلأجل قضيتنا تجسد الله الكلمة لكي يُخلصنا، وبسبب محبته للبشر قَبِلَ أن يتأنس ويظهر في جسد بشري قابل للموت.

ففي ملء الزمان الله ظهر في الجسد، فقد نزل الكلمة إلى عالمنا متخذاً طبعنا الإنساني، آخذاً جسداً بشرياً مثلنا في كل شيء (ما خلا الخطية وحدها) كأداة ليُخلصنا بها ويستبعد أي وسيلة أو طريق آخر يُمكن ان يكون وسيلة لخلاصنا، لأن حتى التوبة لم تكن قادرة على خلاصنا لكي نعود إلى عدم الفساد والخلود:

[ التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله، لأنه لن يكون الله صادقاً إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت (لأنه تعدى فحُكم عليه بالموت كقول الله الصادق، إذ ان طبيعة الخطية وأجرتها هو موت ويستحيل أن يُنشأ حياة لأن الظلمة لا تخرج نور ولا الموت يُخرج حياة لأن يتبعه فساد). ولا تقدر التوبة أن تُغير طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية ] (أثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة فصل7: 3)
[ لو كان تعدي الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد لكانت التوبة كافية ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة فصل7: 4)
أن ما جعل التجسد ضرورة، هو أنه بعدما حدث التعدي على وصيه الله [ تورط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم، ونُزعت منهم نعمة مماثلة صورة الله ] (تجسد الكلمة المرجع السابق). هذه النعمة التي كانت تمكنهم من أن يبقوا في شركة الحياة وعدم الفساد.
[ ولما كان من الواجب وفاء الدين المستحق على الجميع، إذ كان الجميع مستحقين الموت فلأجل هذا الغرض جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهيناً كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلم هيكله للموت عوضاً عن الجميع، أولاً لكي يبررهم من المعصية الأولى (مخالفة الوصية وعدم الطاعة)، ثانياً: لكي يثبت أنه أقوى من الموت، مُظهراً جسده الخاص أنه عديم الفساد، وأنه باكورة لقيامة الجميع ] (القديس اثناسيوس الرسولي تجسد الكلمة فصل20: 2)

والآن بسبب تجسد الكلمة استرد الإنسان مرتبته الأولى بضمان الابن الوحيد، إذ أنه [ بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً ] (عبرانيين9: 12)، فكل من يؤمن بالمسيح ويعتمد باسم الثالوث في المسيح ينال قوة الموت مع المسيح ويتذوق قيامته بنوال خليقة جديدة فيه، فيستحيل أن يقع تحت دينونة ولا يسود الموت عليه مرة أخرى، بل ولن يراه بل يجتازه ويرتفع فوقه بقوة الحياة في المسيح يسوع :

[ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (أو في المسيح حسب النص اليوناني) قد لبستم المسيح ] (غلاطية3: 27)
[ إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (2كورنثوس5: 17)
[ إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان ضعيفا بالجسد فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. ] (رومية8: 1 – 4)
وليس لنا إلا أن نقبل ونؤمن لأنه مكتوب: [ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله ] (يوحنا1: 12، 13)
[ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ] (يوحنا3: 16)
[ الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية ] (يوحنا6: 47)
[ أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة ] (يوحنا12: 46)
[ قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا ] (يوحنا11: 25)
[ وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد أتؤمنين بهذا ] (يوحنا11: 26)
وهذا هو صوت الرب لكل نفس اليوم: [ أتؤمنين بهذا ]

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: