الرئيسية / مقالات / لقاء حي وحضور يروي عطش النفس – لقاء السامرية
18595357by9

لقاء حي وحضور يروي عطش النفس – لقاء السامرية

” لأن شعبي عمل شرين تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا
لأنفسهم آباراً ، آباراً مشققة لا تضبط ماء ” (ار 2 : 13)

لكل إنسان عالمه الخاص الذي يعيش فيه، فهو منذ مولدة يستيقظ وعيه على عالم يسير فيه متجولاً في برية قاحلة، شمسها حارقة تلهب جلده أحياناً بتقرحات تحتاج لبلسم يشفيها، وتتشقق شفتي قلبه ويشتهي أن يشرب من نبع حلو في بقعة ظليلة إذ في أعماقه دائماً يشعر بالعطش، فيسافر في هذه الدنيا متجولاً يبحث عن ماء ليرتوي وترتاح نفسه في ظلال الراحة من شمس الآلام التي تجرح نفسيته كل يوم، من آلام ومشقات وأحزان وأوجاع وفراق أحباب، وإهمال أصدقاء وسعي متواصل لا ينتهي أبداً ، بل حزن يسلم ضيق ، وضيق يبعث اليأس ويطفئ الرجاء !!!
وخلال رحلة التيه، نراه كلما أقام خيمته في مكان ليستقر فيه، يحفر بئراً ليجد ماء يروي به نفسه، والعجيب وما يُدهش فعلاً، أن تاريخ الخلاص في الكتاب المقدس يبدأ دائماً من هنا: حفر بئر ماء !!!
لذلك حينما نقرأ الكتاب المقدس ونقطع رحلة في أوائل الأسفار ، نتعجب من أحداث إقامة آبار ماء عند الآباء ، فنسمع :

+ ” و فتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت و ملأت القربة ماء و سقت الغلام ” (تك 21 : 19)
+ ” و حفر عبيد اسحق في الوادي فوجدوا هناك بئر ماء حي ” (تك 26 : 19)
+ ” فعاد اسحق و نبش آبار الماء التي حفروها في أيام إبراهيم أبيه و طمها الفلسطينيون بعد موت أبيه و دعاها بأسماء كالأسماء التي دعاها بها أبوه ” (تك 26 : 18)

وحينما نجد هذا نعبر عليه عبور الكرام ، دون أن ندرك المغزى ونعرف عمق الكتاب المقدس وتركيزه على الأحداث ، لا عبثاً ولا مرور العابرين ، بل لأهمية هذا الحدث البسيط العميق ، الذي لا يُرى إلا لمن تفتحت بصيرته الداخلية على ماء الله الحي وبنعمته …
وتكتمل الصورة في إرميا ونسمع قوله الشهير : ” لأن شعبي عمل شرين تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم آباراً، آباراً مشققة لا تضبط ماء ” (ار 2 : 13)
فنحن كبشر صرنا غرباء في ميراثنا الخاص . كل واحد فينا يشرب من بئره الخاص ، وكل واحد مستقر قلبه عند بئره المحفور ، ويُشيد بجواره إلهه الخاص : دينه – ماله – سلطانه – حبه – معرفته … الخ ؛ ولكن لا زال عطشاناً ، لذلك فهو يحفر حيث يظن أنه سيجد ماء ليشرب ويرتوي !!!
ويواصل الإنسان الرحلة ، وحينما يكتشف أن البئر فارغ لا ماء فيه ، أو إن وجد ماء يجده شديد الملوحة ، ليزيد عطشه بل ويحرق جوفه ويلهبه ؛ فالحنين يأخذه إلى أمل الوصول إلى ماء حي يرويه ولا يحتاج أن يبحث عن غيره ، وأحياناً الألم يعتصرنا حينما نسمع من داخلنا أو من الآخرين قائلين :

* هذا ليس ينبوعاً
* هذا ليس ماء
* هذا ليس مفهومنا عن الماء والينبوع
* الماء لا وجود له

ولكن الإنسان الواثق من نفسه ، ومصدر ثقته نبعها الله الذي رسم ملامحه فيه ، لا يمكنه أن يتخلى عن البحث أو مواصلة الانتظار : فعدم الإحساس بالعطش يعني اقترابه من رقاد الموت .
ولكن لا ينعس ولا ينام ذاك الذي يحفر في أعماق قلب الإنسان العطش والانتظار . فهو العطشان الأول بالأساس . وهو الذي يسعى في المسير إلينا منادياً النداء الأول : آدم أين أنت ، لأن كل آدم مستخبي هارباً من وجهه !!!
فهو لا يهدأ أو يسكت إلى أن يلتقينا عند آبارنا السخيفة :
فلنقم الآن من جوار آبارنا ، هاربين من أفكارنا وميولنا وشكل عبادتنا الهزيلة ، ومعرفتنا المشوشة ، وارتكازنا على ذواتنا ، ونتجول في أرجاء الكتب المقدسة بحثاً عن الآبار حتى نصل إلى الأناجيل ، وهناك نجد البئر التي عليها استراح المخلَّص ، بعد عناء سفر ، عندما أتت السامرية لتستقي منه وتأخذ المياة … ومن يشرب منه لا يعطش أبداً أو يُفتش عن آخر

+++ سرّ لقاء ينبوع الحياة

عند البئر الذي نأتي عنده لنشرب ونروي أنفسنا ، ينتظرنا هناك الرب ليلتقينا في مكان احتياجنا الخاص ، فمن منا لا يذهب ليستقي لأنه عطشان ، فهناك اللقاء بالمسيح الحي ، الذي غالباً ما ينتهي لقاءنا به من خلال هروبنا منه ، وتحوير اللقاء للسؤال عن لماذا العطش الدائم ولماذا هذا الألم الموجع للنفس في الداخل ، والهروب من المواجهة على نفس منوال آدم الذي هرب من الله ليختبئ من وجهه …
ويأتي السؤال الذي يخرج من أعماق القلب والفكر معاً :

أين ألتقي بالله لقاء حقيقي ، كيف أعيش كالقديسين ، كيف أتخلص من الخطية والشر والفساد عملياً في حياتي ، كيف لا أحتاج أن أذهب لأرتوي من بئري الخاص الذي أحفره بيدي لأسد حاجتي من العطش !!! أليس من حقي أن أتأمل وأبحث وأدرس وأرتوي من ما درست وعرفت !!! فأين الحل الحقيقي الذي لا يعوزه حل آخر !!!

ففي لقاء الرب يسوع بالسامرية على بئر المياة قالت له ما يدور في أذهاننا نحن أيضاً عن المواضع المقدسة حتى ننال من الله البركة والخيرات :
” آباؤنا سجدوا في هذا الجبل و انتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه ” ( يو 4 : 20 )
ويأتي رد ربنا يسوع قاطع ومحدد جداً في الصميم :
” قال لها يسوع يا امرأة صدقيني انه تأتي ساعة لا في هذا الجبل و لا في أورشليم تسجدون للآب. انتم تسجدون لما لستم تعلمون … و لكن تأتي ساعة و هي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح و الحق لان الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. ” ( يو 4 : 21 – 22 )
دائماً ما ننسى عن دون دراية أننا في احتياج لا للشكل إنما للروح ، في أعماق القلب من الداخل ، وصوت الرب يوبخ قلوبنا : ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون – الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق ”
على بئر مياه القلب ينتظر الله ليأخذ بيدنا للينبوع الحي كي ما نعي عبادتنا العميقة بالحب ، ويسد عطش النفس بماء حياة مجاناً يدوم إلى الأبد ولا يعوزنا بعده ماء آخر …
الرب ينتظر سامرية اليوم ، وكل نفس هي سامرية لها دعوة لقاء عند البئر ، فعند البئر يوجد الينبوع الذي ينبض ويفيض متفجراً بالماء الحي ، هنا عند الرب يسوع ولقاءه الحي ، بصخة النفس ، أي عبور ، عبور من الموت للقيامة وانفجار روح الحياة في داخل النفس !!!

لنقرأ وندقق ونربط هذه الآيات بدقة وملاحظة عظيمة :
+ ” فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب مني لتشرب و أنت يهودي و أنا امرأة سامرية لان اليهود لا يعاملون السامريين. أجاب يسوع و قال لها لو كنت تعلمين عطية الله و من هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا. قالت له المرأة يا سيد لا دلو لك و البئر عميقة فمن أين لك الماء الحي. العلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر و شرب منها هو و بنوه و مواشيه ،أجاب يسوع و قال لها كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. و لكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية. ” ( يو 4: 9 – 14 )
+ ” و في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع و نادى قائلا إن عطش احد فليقبل إلي و يشرب ” (يو 7 : 37)
+ ” و جميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم و الصخرة كانت المسيح ” (1كو 10 : 4)
+ ” أنا هو الألف و الياء البداية و النهاية أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانا” (رؤ 21 : 6)
+ ” لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم و يقتادهم إلى ينابيع ماء حية و يمسح الله كل دمعة من عيونهم ” (رؤ 7 : 17)
+ ” من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي ” (يو 7 : 38)

ولننظر في حديث الرب للسامرية ، أنه عند البئر كشف لها زيف حقيقة شربها من هذا البئر كالتزامها بشكل العبادة – كما نفعل أحياناً كثيرة – في الشرب من بئر يعقوب ، فكشف كل خطايا قلبها الخفية لتقدر أن تترك بئر القلب الخاص بإشباعه بما هو غريب عن طبعها الإنساني الأصيل ، وأيقظ الوعي بقيمتها الحقيقية ، لأنها صورة الله ومثاله ، فانتبهت لعار القلب وفرحت بأنها وجدت ينبوع الحياة حتى أنها تركت جرتها لتنادي :
” فتركت المرأة جرتها و مضت إلى المدينة و قالت للناس. هلموا انظروا إنسانا قال لي كل ما فعلت ألعل هذا هو المسيح. فخرجوا من المدينة و أتوا إليه. ” ( يو 4: 28 – 30 )
يا إخوتي هذا هو سرّ الخدمة والكرازة كله، هو سرّ لقاء ينبوع الحياة، وخبرة معرفته في أعماق القلب، وللنظر لهذه المرأة المطوبة بل والسعيدة جداً، لقد تركت جرتها، فلا حاجة لها لماء بئر يعقوب، لأنها شربت من الينبوع الحي …
هذه هي الخبرة الحقيقية لكل نفس تريد أن تعرف المسيح له المجد …

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: