الرئيسية / مقالات / ما بين الفكر المقنع وخبرة الحياة وإفراز المحبة وبرهان الروح والقوة

ما بين الفكر المقنع وخبرة الحياة وإفراز المحبة وبرهان الروح والقوة

حينما يفتقر الإنسان لخبرة الحياة في المسيح يسوع ويصير مفلساً من النعمة وخبرة رؤية الله بالإيمان الحي العامل بالمحبة، ولا يُثمر ثمار الروح، فأنه يكون غير متأصل في الحق، لأن الحق ليس حق فكري ولا هو المعرفة الصحيحة، بل هو شخص الكلمة الذي قال أنا هو الحق، فالتأصل في الحق هو التأصل في شخص الكلمة الكرمة الحقيقية التي نحن أغصانها التي تمتص عصارة الغذاء الحي من الجزع المطعمة فيه، ودائمة الغذاء الحي من كلمة الحق الإنجيل، بحسب لا غذاء الفكر إنما غذاء القلب وتغيير الشخصية إلى الصورة عينها برؤية الله على مستوى الداخل [ ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ] (2كورنثوس 3: 18)
ومن ثمَّ تأتي الشهادة لله الحي أمام الجميع بالحياة والتعليم كخبرة وحياة للدخول في شركة والوصول للفرح الكامل وليس في جدل والاختلاف على الألفاظ لحشو الفكر بمعلومات وأفكار عن الله الحي : [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فأن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونُخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي مع الآب و مع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. ] (1يوحنا1: 1 – 4)

عموماً المشكلة التي تكمُن في الخروج عن هذا المنهج هو عدم التعرف على طبيعة الله، لا من جهة الفكر، إنما بإعلان الروح في القلب فينطبع شخص الله على القلب بالروح، لأن الله طبعه محبة، والمحبة هي شريعة الله النابضة بالحياة، وكل ما أُعلن في الأسفار المقدسة يجب أن يوضع على أساس إعلان المحبة أي شخص يسوع المسيح نفسه، وطبيعة المحبة أنها ليست فلسفة ولا مجرد فكر مطروح للجدل، والمحبة بطبعها لا تُجادل في معاني الكلمات الحرفية، بل تعرف غايتها، لأن لها غاية تحققها بقوتها، ولا تسعى إطلاقاً إلى جدلٍ حول كلمة أو لفظة، بل تسأل عن الحكمة النازلة من عند أبي الأنوار، ليست حكمة من هذا الدهر ولا فلسفة فكر ولا عقيدة إنسان. ولا تحدد شيئاً يُزرع الخصام والانفصال؛ هي تحفظ سرّ الله في المسيح دون مشقة؛ لأنها مُقيدة بناموسٍ واحدٍ هو الصليب، الذي فيه سرّ الحياة الذي مصدره المصلوب القائم من الأموات الغالب الموت وكاسر شوكته مبدداً كل قوات العدو بنفخه فمه.

المحبة تُجيب بقوة الله على أسئلة الشيطان نفسه دون عناء، لا لكي تكسبه أو تحوله عن طريقه، بل لكي تُقدَّم له درع التواضع الذي يجعله يهرب منها مسرعاً. وإذا ظهر الشيطان في شبه ملاك نور، ترى فيه الكبرياء والافتخار، وبذلك تهزأ به، لا بالكلام بل بالحق الذي تحمله كمترسة تصد به سهام العدو الملتهبة وترده خائباً لأنه لن يصيبها بشيء قط…

والمحبة تفرز وتفهم وتُميز الذي يطلب المعرفة من الذي يُريد العراك وتتجنبه كما تتجنب النار في الهشيم، وتفهم جيداً من عنده المعرفة الإلهية في الحق ومن يملك المعرفة البشرية وليست من الله حتى لو كانت سليمة وصحيحة تماماً وليس فيها عيب، وتميز جيداً ما بين من يستند على رأيه الشخصي ويتمسك باعتقاده وما بين من يتكلم بإشراق النعمة وكلامه مملح بطبعها الحلو الذي يُمجد الله، لذلك علينا أن ننتبه ونُميز أنفسنا ونعرف ما في قلبنا وأفكارنا من معرفة، ونفحصها على نور إشراق النعمة وملء المحبة التي من الله، فهل نحن نعرف الله كخبرة وحياة، أما أننا ندخل في كلام وجدل على لفظة ونتمسك بما لنا من فكر حسب أهل الثقة، أم لنا رؤية الإيمان الحي لوجه النور المُشرق [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)…

فلنجتهد يا إخوتي ونتشرب من نعمة الله لكي لا نوصل معرفتنا وافكارنا الشخصية، إنما نوصل حياة الله أن كانت فينا للآخرين، ولنا أن نحرص بشدة لئلا نوصل إله آخر غير ربنا يسوع المسيح الذي أعلن لنا وأظهر محبة الآب وأدخلنا في سرّ الشركة معه ومع جميع القديسين في النور، فنجعل الناس يعبدون إله صنعناه بأفكارنا حتى لو كانت صحيحة تماماً !!!
ولنا أن نعلم يا إخوتي أن الإيمان الحي والحقيقي يفرز التعليم الصحيح من التعليم الكاذب بمحبة الله للإنسان. لأن كل تعليم ينكر هذه المحبة أو يقلل من شأنها هو من الشيطان، والمحبة التي من الله مسكوبة بالروح القدس في قلب الإنسان بطبعها تستطيع أن تُفرز الشرح القويم للأسفار المقدسة على قاعدة الإيمان التي سلَّمها لنا الآباء، والتي نعترف بها في كل صلواتنا؛ لأن كل شرح يؤيد ما جاء في قانون الإيمان ويتفق معه هو شرحٌ قويم، حتى وإن لم يتفق في اللفظ؛ لأن تنوع الألفاظ هو حرية مجد أولاد الله التي تؤكد غاية كل شرح، وهي الخلاص وفرح الرجاء الحي بقيامة يسوع.
وبالطبع تنوع الشرح لنصٍ واحد لا يهدم الخلاص أو يُغير من الحدود المرسومة من الله. أمَّا الشرح الذي ينفي كرامة البنوة ويهدم الشركة، ويُقيد الإنسان بسلاسل الشك في صلاح الله أو يُظهر أن الله ظالم أو عدله غير عدل المحبة مثل الرؤساء وقضاة الأرض، فهو مرفوض، لأنه يصطدم بمحبتنا لله ومحبة الله لنا، وهي محبة واحدة من نفس ذات الروح الواحد روح الآب، روح الابن، الروح القدس الذي منه وبه محبتنا.

يقول الأب صفرونيوس: [ التسلط والقهر والخوف هم من الشيطان. لأن التسلط إنكار للتجسد، والقهر جحدٌ لمن صُلِبَ، والخوف هو رفض للمحبة. لذلك مَن يُميز هؤلاء الثلاثة الذين يسيرون معاً في أُلفة ظاهرة، فقد اقتنى الإيمان والإفراز؛ لأن مَن يُعلَّم لكي يجمع الأتباع هو محبٌ للرئاسة مثل أبيه الشيطان، ومن يزجر لكي يُخيف، هو محبٌّ للقوة مثل سيدة الشيطان ومُستعبَدٌ للقوة يحمَّل الناس أحمالاً عسرة مثل سادة اليهود، ولا يشترك معهم في حمل أثقالها لأنه مريض بداء الكبرياء .
يوجد خوف واحد مقدس نعرفه جميعاً هو خوف الإيمان (التقوى). وعلامة خوف الإيمان هي التمسك بالوصية، أما أنواع الخوف الأخرى، فهي ليس لها مكان في حياتنا . ونحن نُميز خوف الإيمان بالبحث عن غايته؛ لأنه مكتوب أن بداية الحكمة ( رأس الحكمة ) هي مخافة الله.

+ مَن طلب المحبة من الثالوث عاش في شركة مع الثالوث وبالثالوث. ومن طلب الإفراز من الثالوث أتقن فن الشركة، وعرف مكانته عند الآب السماوي؛ لأننا بالمحبة ندخل أعماق الثالوث الذي هو شركة المحبة. وبالإفراز ندرك أن شركتنا هي بالنعمة، وضمانها هو رئيس الكهنة ربنا يسوع المسيح . ] (عن رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس ( تادرس )، من كتاب التوبة وعمل الروح القدس في القلب ( الجزء الثاني )، المئوية الثانية في التوبة – مترجم عن المخطوطة القبطية، ص 64 ؛ من فقرة 83 – 84، فقرة 87)

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: