الرئيسية / المرشد الروحي / الارشاد الروحى / ما معنى الشهيد، وكيف أكون شهيد حقيقي لله على مستوى الواقع العملي المُعاش

ما معنى الشهيد، وكيف أكون شهيد حقيقي لله على مستوى الواقع العملي المُعاش

الصليب_الطريق_والحق_والحياة

من الذي يستطيع أن يحوِّل الألم من كونه قوة هدَّامة إلى قوة خلاَّقة !!!
أو ما الذي يستطيع أن يحوَّل الموت نتيجة استعمال العنف غير المبرر وكنتيجة الظلم البين، إلى فعل شهادة حية تتحول لبذار تُثمر مجد وغنى فائق عظيم مملوء مجداً !!!
أو ما الذي يحوَّل إخفاق العدالة الأرضية والذي قد يصل لليأس منها إلى ذبيحة شفاعة حية !!!
أنه صليب ربنا يسوع وحده، الذي أن قبله الإنسان المسيحي الحقيقي الحي بالله ولأجل الله، بإرادته، يتحول فيه لفعل شهادة حيه بمجد قيامة يسوع، ليصير هو نفسه في شركة الصلب مع مسيح الحياة والمجد، فتتحول آلامه لشهادة، وموته لحياة، ودمه الذي سفك نتيجة الظلم لكونه مسيحي حقيقي، وديع ومتواضع القلب، إلى صلاة صامته نحو السماء تتشفع وتتوسل لأجل الأعداء ليرحمهم الله وينجيهم، ومن أجل سلام الكنيسة، فيعم السلام في النهاية وتتقوى الكنيسة جداً، لأن دمه يعتبر بذرة قوية تُزرع في باطن الكنيسة لتنمو وتتقدم في القامة والنعمة عند الله والناس، وأيضاً المجتمع نفسه يتغير وتدخل فيه شهادة بذرة إيمان حي توجهه وتؤهله لقبول مجد الله المستتر في القديسين…

يا إخوتي الأحباء، اليوم لا أُكلمكم كلام عادي، أو لكي أشجع من يرون الظلم ويشعرون ببعض الإحباط أو كثيراً منه، ولا حتى لكي يحتمل كل من وقع عليه ظلم ويقدم شكر لله، أو حتى لكي يظن ان الله معه وربنا موجود ويرى كل شيء.. الخ، وكل ما هو من مثل هذا الكلام المُعتاد والذي يُقال في هذه المواقف والظروف للتشجيع وتقوية الصبر.. فأنا لا أُريد أن أُصِّبر أحد ولا أن أجعله يقبل الموضوع لأن لا حول له ولا قوة، لأني لا أتكلم كلام العجائز ولا كلام القاصرين، ولا حتى الكلام الطفولي للنفوس التي لم تدخل بعد في مجد قيامة يسوع، ولم تحيا له وتكرس القلب لشخصه القدوس، لأنهم رءوا أن فيه حياتهم ….

فأنا اليوم أتكلم بأسرار عظيمة فائقة، لن يشعرها سوى من يحيا فعلاً مع الرب يسوع، ليست مجرد حياة روحية عادية فيها خير وحب مثل دعوة باقي الأديان والأفكار المعروفة، بل حياة السرّ كالتدبير المُعلن في ملء الزمان والظاهر بقيامة يسوع في صليب مجده، فأنا اليوم أُريد أن أتكلم عن سرّ الشهادة والمجد المخبوء فيها، لا بمجرد كلمات تشجيعية للناس، بل لأكشف طريق الدخول فيها، لأن الأسرار لا تُكشف في العلن، ولا يُكتب عنها نظريات، لأنها ليست أسرار بشرية تخص العامل المادي والفاني الذي بحسب كل ما هو ظاهر، فكلامنا اليوم هو عن كيفية الدخول في المذهلات وكيفية التمتع بأسرار المجد الفائق للطبيعة، مجد ربنا يسوع المستتر في صليب قيامته.

فتعالوا معاً بإيجاز شديد نَعبُر عل حياة الإنسان ونبين كيفية خلاصة في المسيح يسوع، ثم كيف يلبس ثوب مجده الخاص المُعطى له من الله، ليبلغ قوة الشهادة لله الحي، ويكون دمه، بل حياته كلها بذرة من بذار الكنيسة، لكي تنمو وتتقدم إلى الأمام مع جميع الأعضاء الحيه فيها بنعمة الله وقوة روحه القدوس، لأن الكنيسة مثل البناء تعلو وترتفع طالما فيها حجارة حية تنضم لها كل يوم وكل ساعة وفي كل زمان ليكون كل من فيها أشجار البرّ، غُرس الرب للتمجيد (أشعياء 61: 3): [ فلستم إذاً بعد غرباء ونُزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مُركباً معاً، ينمو هيكلاً مُقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح ] (أفسس 2: 19 – 22)

الإنسان في وضعه الطبيعي – يا إخوتي – هو مائت، فاسد، قابل للألم، متبدل، وهذا بحسب الجسد الذي له، لذلك سماه الرسول بولس [ إناء خزفي ] أي أنه إناء سهل كسره، فالإنسان بطبعه سهل الكسر جداً، سواء على المستوى الجسدي أو حتى النفسي، وهذه الحقيقة لا تحتاج توضيح أو إثبات، لأنه لا يوجد واحداً منا إلا ومَرَّ بهذه الحالة، ولا يوجد استثناء لأحدٌ قط، لأن جميعنا شعرنا بذلك في كل مراحل حياتنا، وبخاصة أن كان الإنسان يحيا في الموت بعيداً عن مصدر حياته ووجوده، لأن الإنسان بطبعه الساقط هو ميتاً عن الحياة، متسلط عليه الموت بالعبودية:
[ الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ] (عبرانيين 2: 15)
[ عبيد الفساد، لأن ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضاً ] (2بطرس 2: 19)
[ كنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء، غير طائعين، ضالين، مستعبدين لشهوات ولذَّات مختلفة، عائشين في الخبث والحسد، ممقوتين، مُبغضين بعضنا بعضاً ] (تيطس 3: 3)

هذه هي حياتنا كلنا باختصار شديد، الذي فاح منها رائحة الموت، لذلك أظهر الله ذاته لنا لكي يبدل حالنا هذا بحال جديد، لأنه لا يُصلح القديم، بل يجدد الإنسان بتمامه، لذلك قال لكي نفهم سرّ عمله فينا، ونعي كيف نؤمن وكيف نسير قائلاً: [ وقال لهم أيضاً مثلاً: ليس أحد يضع رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق، وإلا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد ] (لوقا 5: 36)، [ وليس أحد يجعل خمراً جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تشُق الخمر الجديدة الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمراً جديدة في زقاق جديدة ] (مرقس 2: 22)
لذلك يا إخوتي الكنيسة كانت حريصة على مر العصور، في عطاء التعليم المناسب للناس، فالبعيد والذي لم يدخل بعد في سرّ النعمة ولا زال تحت العبودية وفي مزلة الإنسان العتيق، لا تُعطيه طعام البنين ولا تُعطيه ما يتناسب مع الطبع الجديد، لأن الحياة بالية، مُمزقة، فالقديمة لا يُعطى لها الجديد، لأنه بمثابة أن تُعطي الطعام القوي من لحم إلى رضيع، لذلك يُخطأ خدام كثيرين يتكلمون عن العشور والطقوس وكل الممارسات التي تناسب الحياة الجديدة في المسيح، إلى أُناس لم تبدأ طريق التوبة بعد، ولم يدخلوا في سرّ الإيمان الحي والحياة الجديدة، لأن لا عبادة لله ولا علاقة صحيحة في أرض أوثان ولا خليقة عتيقة، لأن في بداية دعوة الله في العهد القديم قال الله لإبراهيم: [ وقال الرب لإبرام: أذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك ] (تكوين 12: 1)، [ وتكلم الله هكذا أن يكون نسله متغرباً (يتكلم عن نسل إسرائيل) في أرض غريبة، فيستعبدوه ويسيئوا إليه أربع مئة سنة ] (أعمال 7: 6)، [ كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة ] (مزمور 137: 4).

فيا إخوتي حذاري من أي ممارسة روحية للقديسين، تُقدم لمن لم يتب أولاً ويحيا بالإيمان، وينمو وسط جماعة مقدسة تحيا لله، وتحت إرشاد أب روحي محنك له خبرة في توجيه النفوس في شركة القديسين في النور، كما أنه حذاري من تعليم أن الرب يسوع يُصلح الحياة القديمة، لأن لا إصلاح للقديم بل خلع وإحلال ثم تجديد، لذلك لابد من الإقلاع التام عن الحياة القديمة بالتوبة أولاً: [ أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون ] (لوقا 13: 3)، وقد سبق وشرحنا معنى التوبة في موضوع كامل مستقل، لأن التوبة لا تعني فقط ترك الخطية، بل العودة للنفس والعودة لله: [ فرجع إلى نفسه وقال كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعاً ] (لوقا 15: 17)، [ ارجعوا إليَّ أرجع إليكم، قال رب الجنود ] (ملاخي 3: 7)…

عموماً، علينا أن نعلم أن الر ب يسوع لم يأتي ليُصلح حياتنا القديمة، إنما ليُجدد طبيعتنا، لأنه أبطل كل الأشياء القديمة والعتيقة، لذلك يقول الرسول بوضوح: [ إذاً أن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً ] (2كورنثوس 5: 17)، فالمسيح قام بالحقيقة قام، ولنا هذا اليقين، وهذا اليقين ان لم يتحول لإيمان فنحن مائتين حتماً لا محالة: [ وأن لم يكن المسيح قد قام، فباطل إيمانكم، أنتم بعد في خطاياكم ] (1كورنثوس 15: 17)

فنحن في وضعنا القديم لن نصلح لملكوت الله الذي لا يدخله عتيق، أو واقع تحت سلطان الموت لذلك يقول بولس الرسول: [ فأقول هذا أيها الإخوة أن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد ] (1كورنثوس 15: 50)
[ ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر (الذي يمثل الفراق) لا يوجد فيما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء، من عند الله مُهيأة كعروس مزينة لرجلها. وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم (ليس اي اُناس بالطبع بل يتكلم على المولدين من الله – أنظر إنجيل يوحنا الإصحاح 1؛ 3-، الذين صاروا رعية مع القديسين وأهل بيت الله كما قال الرسول في رسالة أفسس الإصحاح الثاني). وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد، لان الأمور الأولى قد مضت. وقال الجالس على العرش: ها أنا أصنع كل شيء جديداً، وقال لي أكتب، فأن هذه الأقوال صادقة وأمينة. ثم قال لي قد تم، أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، أنا أُعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً. من يغلب يرث كل شيء، وأكون له إلهاً وهو يكون لي ابناً. وأما الخائفون، وغير المؤمنين، والرجسون، والقاتلون، والزناة، والسحرة، وعبدة الأوثان، وجميع الكذبة، فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت، الذي هو الموت الثاني ] (رؤيا 21: 1 – 8)

[ طوبى للذين يصنعون وصاياه ((( الذين تجددوا: أنتم الذين تبعتموني في التجديد – متى 19: 28) ))) لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة. لأن خارجاً الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان وكل من يحب ويصنع كذباً. أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس، أنا أصل وذرية داود، كوكب الصبح المنير. والروح والعروس يقولان تعال، ومن يسمع فليقل تعال، ومن يعطش فليأتِ، ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجاناً ] (رؤيا 22: 14 – 17)

ففي الوضع الجديد الذي دشنه المسيح القيامة والحياة، صار الإنسان غير مائت ولا فاسد، ولا متبدل، لا يخضع للألم ولا يقع تحت الضيق يائساً أو يفشل في شيء ما قط، أو يفقد الأمل في شيء: [ لأن الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنُصح ] (2تيموثاوس 1: 7)، فقد زال الموت وانتهت آثاره المُدمرة وانتفى الفساد، وانتهت الشهوات، والنُصرة أصبحت أكيدة سهلة ومضمونة بنعمة الله ولمن يمسك في الحياة الأبدية، ويدخل في سرّ الخليقة الجديدة ويحيا بها: [ شوكة الموت فهي الخطية وقوة الخطية هي الناموس. ولكن شكراً لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح ] (1كورنثوس 15: 56، 57)، [ لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان ضعيفا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد ] (رومية 8: 1 – 3)، [ عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبُطل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية ] (رومية 6: 6)، [ إذاً نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجيناً جديداً، كما أنتم فطير (بدون خمير الشرّ) لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا ] (1كورنثوس 5: 7)، [ لأن من دُعيَّ في الرب وهو عبد (من جهة وضعه في المجتمع، لأن في زمان القديس بولس كان يوجد عبيد) فهو عتيق الرب، كذلك أيضاً الحُرّ المدعو هو عبد للمسيح ] (1كورنثوس 7: 22)

وكل ما علينا فعله اليوم بعد ما آمنا بمسيح القيامة والحياة هو كما قال الرسول: [ فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح، حتى إذا جئت ورأيتكم، أو كنت غائباً، أسمع أموركم أنكم تثبتون في روح واحد، مجاهدين معاً بنفس واحدة لإيمان الإنجيل ] (فيلبي 1: 27)، [ أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور ] (أفسس 4: 22)، [ إذاً لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق ] (1كورنثوس 5: 8)، وأن نتغير للصورة الجديدة التي خُلقنا عليها في المسيح يسوع: [ لأن الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم، ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين ] (رومية 8: 29)، [ ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح (القدس) ] (2كورنثوس 3: 18)، [ وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي ] (1كورنثوس 15: 49)

طبعاً نحن نلنا هنا عربون الميراث الأبدي لنحيا في تغيير مستمر نحو الصورة الحسنة جداً التي خُلقنا عليها كخليقة جديدة في المسيح يسوع، ولكنها ستُكتمل وتحقق كمالها في القيامة الثانية عند مجيئ مخلصنا الصالح [ أنظر كورنثوس الأولى إصحاح 15 ]

وبعد هذا الإيمان الحقيقي الحي، ونتاج لهذه الحياة الجديدة، تأتي قوة اسمها قوة الشهادة الحيه لله القدوس العامل فينا، طالما نحن نُريد أن نعمل (فيلبي 2: 13)، بقوة النعمة التي حلت في قلوبنا وملكت علينا فعلاً على مستوى الواقع العملي المُعاش:
[ الذي فيه (المسيح) أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس ] (أفسس 1: 13)
[ وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيداً للبرّ ] (رومية 6: 18)
[ وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية وصرتم عبيدا لله، فلكم ثمركم للقداسة، والنهاية حياة أبدية ] (رومية 6: 22)
[ ولكن الآن في المسيح يسوع، أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين، صرتم قريبين بدم المسيح ] (أفسس 2: 13)
[ وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب إذ قبلتم الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس ] (1تسالونيكي 1: 6)
[ حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي أخائية ] (1تسالونيكي 1: 7)

فالشهادة تخرج من حياة داخلية سليمة وصحيحة بحسب الإنجيل [ حاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام ] (أفسس 6: 15)، [ وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه ] (1يوحنا 5: 11)، فمن [ يؤمن بابن الله، فعنده الشهادة في نفسه، من لا يصدق الله فقد جعله كاذباً، لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله عن ابنه ] (1يوحنا 5: 10).

فالاستشهاد يا إخوتي، لا يعني على الإطلاق، مجرد الألم وحالة الضيق، بل يعني بالدرجة الأولى حياة الإيمان الصادق، أي السلوك في الحياة الجديدة مجاهدين ضد كل ما هو عتيق حتى الدم، وهذا معناه الروحي والنسكي الحقيقي هو [ بذل الذات ]، أي بحد قول الرب يسوع: [ من أضاع حياته من أجلي يجدها ] (متى 10: 39)، [ فأن من أراد أن يُخلِّص نفسه يُهلكها، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يُخلصها ] (مرقس 8: 35). هذا هو سرّ شهداء المسيح الرب…

الشهيد والشهيدة يا إخوتي، يقدم أو تُقدم نفسها لله الحي كذبيحة: [ أننا من أجلك نُمات كل النهار قد حُسبنا مثل غنم للذبح ] (رومية 8 : 36)، لأن شُهداء المسيح رب المجد والحياة، يتحول الموت فيهم إلى ذبيحة حية مقدسة، لأن معنى فعل [ يذبح لله ]، أو [ يقدم ذبيحة ]، يحمل بكل دقة معنى: [ تقديس شيئاً، تخصيصه وتكريسه، بتقديمه إلى الله بلا رجعة، وإلى الأبد ]، لأن ذبح الشيء الحي، يعني عدم استرجاعه مرة أخرى تحت أي مبدأ أو شكل، لذلك تكلم الرب عن ضياع الحياة من أجله، لذلك الرسول قال هذا المعنى بوضوح حينما قال: [ لكن ما كان لي ربحاً فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل إني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح ] (في 3: 7و 8).

هذا هو الشهيد الحقيقي يا إخوتي، لا تصدقوا من يقدم نفسه لأجل الموت، أن لم تكن حياة الله في داخله، ويحمل الشهادة بهذا المعنى الذي تحدثنا عنه، لأنه لن يستطيع ان يقدم نفسه للموت بالجسد كمجرد مبدأ أو عن تعصب، بل بحمل الإنجيل في قلبه من الداخل، وقد باع كل شيء ولا يتعلق بأي شيء في قلبه قط، فالشهيد لا يموت عن اضطرار ولا عن مجرد ظروف، ولا عن مبدأ أو فكر، ولا يجذب لنفسه عقاباً، ولا يموت لكي يُثير أي عدوانية مع أحد متعمدة أو لأجل أن يقوم الناس بثورة لينتقموا له، هذا أبعد ما يكون عن الشهادة وروح الاستشهاد المسيحي الحقيقي، ولا أن يستشهد أو حتى يشهد لله أو يتألم بسبب مجازاته عن عدل لأنه فاعل شرّ، أو متداخل في أمور غيره: [ فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق، أو فاعل شر، أو متداخل في أمور غيره. ولكن أن كان كمسيحي فلا يخجل بل يمجد الله من هذا القبيل ] (1بطرس 4: 15و 16)
وأيضاً شهود الله الحقيقيين لا ينطقون بالأكاذيب، أو يركضون هاربين من الشهادة لله الحي العامل فيهم، بل عندهم حكمة من فوق من عند أبي الأنوار، ولهم المحبة والقلب الوديع الهادئ المتواضع، والحضن المتسع للجميع، للأعداء قبل الأقرباء، وهم دائماً يحملون أحزان وأتعاب الآخرين وبخاصة كل من معهم في الجسد الواحد اي الكنيسة: [ أحملوا بعضكم اثقال بعض، وهكذا تمموا ناموس (قانون) المسيح ] (غلاطية 6: 2).

عموماً شهود الله الذين وضعوا في قلبهم أن يكونوا مكرسين لله الحي (تكريس القلب، وتقديم النفس كذبيحة لله) وضعوا في قلبهم ما قاله الرب نفسه: [ ها أنا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله ] (أنظر أشعياء 6: 8)، [ أطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي 2: 8)، فهم ليسوا مجبرين على الشهادة ولا الاستشهاد من أجل المسيح، ولكن عن إرادة واعية وبسلطان كل واحد الخاص، لأنهم تحرروا من كل قيد، وبحريتهم الكاملة اختاروا أن يقدموا أنفسهم، إذ قد سبق ووضعوا في داخلهم أنهم مكرسين ومخصصين كآنية مدشنة بالروح القدس للمسيح الحي، لأنهم قدموا أنفسهم ذبائح حيه معه على الصليب لله الآب كأبناء له في الابن الوحيد، فلم يعودوا يعرفون أنفسهم خارج شخص المسيح الكلمة، ولا يستطيعوا قط أن يكونوا لآخر، لذلك يسرون [ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي ] (2كورنثوس 12: 10)، وهذا بالطبع ليس عن مرض نفسي ولا استضعاف، أو عقل مختل، أو بسبب الرضا بقهر الآخرين لأن ليس لديهم حول أو قوة، بل لأنه مكتوب: [ أن عُيرتم باسم المسيح فطوبى لكم، لأن روح المجد والله يحل عليكم، أما من جهتهم فيجدف عليه، وأما من جهتكم فيُمجد ] (1بطرس 4: 14)

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: