الرئيسية / الكتاب المقدس / شروحات وتفسيرات / ومن قال (يتكلم أو يقول) لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع مت 5 : 21 – 22 ؛ وما هي نار جهنم

ومن قال (يتكلم أو يقول) لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع مت 5 : 21 – 22 ؛ وما هي نار جهنم

[ فقد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. و أما أنا فأقول لكم أن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم ومن قال (يتكلم أو يقول) لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم (يكون عُرضة أن يُمسك في جهنم) ] (مت 5 : 21 – 22)

لفهم هذه الآية في إطارها الصحيح لابد من أن نفك غموض ألفاظها التي اُتخذت سطحياً ففهمت في إطار آخر على غير معناها المقصود:

يغضب على أخيه باطلاً: (يغضب – يسخط – يحنق) أي يغضب عبثاً أي بلا معنى أو يغضب عليه باطلاً أي بلا سبب.

مستوجب الحكم: أي يستحق أن يقع تحت حكم القضاء العادل، وهنا يتكلم عن المحاكم الصغرى والتي كانت منتشرة في ذلك الوقت وهذا الزمان، فيتم الحكم على الإنسان ويُسلم للشرطي لكي يقضي أيام العقوبة التي تتناسب مع الفعل المرتكب في حق الخصم في هذه القضية …

من قال لأخيه رقاً: وهي كلمة آرامية في أصولها اللغوية الأولى تعني: يا صاحب العقل المقفل أو المغلق أو فارغ الرأس بمعنى تافه، وهي لفظة استنكار واحتقار للآخر وتسخيفه، وكأنه شخص بلا وزن أو قيمه، فباختصار تعني: [ من هو خالي أو فارغ الرأس أو بدون عقل – أي من هو بلا قيمة]، وهي تُعبِّر عن ازدراء موجع ساخر، وقد وردت في القواميس السريانية بمعنى [ حقير – أبله – سخيف ]

مستوجب المجمع: المقصود هنا، مجمع السنهدرين بأورشليم وهو يعتبر المجلس الأعلى عند اليهود، أي هيئة القضاء العالي أو السلطة الداخلية العُليا والمؤلف من 71 عضواً من الكتبة والشيوخ ورؤساء الكهنة ويرأسه رئيس الكهنة، والذي كان تُعقد جلساته في أورشليم فقط، (أنظر متى26: 3، مر14: 43و 53) .

ومن قال يا أحمق: وهي أتت في الكتاب المقدس في هذا الموضع كصفة للمذكر المفرد في حالة المنادى بمعنى [ أحمق في حماقة شريرة ] وهي عادة تُشير في من يتصرف ضد إلهه (أنظر مزمور98: 8). وأتت في السريانية بمعنى [ جاهل – أحمق – أرعن – مجنون ]. وهي تعتبر في درجة أسوأ من كلمة رقا ومن الغضب الباطل، لذلك فهي تستوجب عقوبة شديدة، لأنه تعني الغباوة لا كمجرد وصف عتابي أو الاستخدام العادي للكلمة إنما تحمل معنى بلا شعور، وترتبط هذه الكلمة بالكفر أي تكفير الآخر وإفراغه من كل قيمة أو النظر إليه كأنه ليس له عهد أو صدق في إيمان، فالمعنى هنا المقصود به احتقار الأخ لأخيه والازدراء بمشاعره واعتباره الأقل وأنه مرفوض حتى من الله نفسه، أي في النهاية التقليل من شأن الآخرين واحتقارهم والازدراء والتنكيل بهم في اشد الصور من الاحتقار والازدراء المبالغ فيه، لأن الحنق عليهم من داخل القلب الذي فيه مرارة…

نار جهنم: وهي أتت من العبرية (جيهنوم) وهذه اللفظة أتت مشتقه من وادي ابن هنوم: [ وهو أوقد في وادي ابن هنوم وأحرق بنيه بالنار حسب رجاسات الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل، وعبر بنيه في النار في وادي ابن هنوم وعاف وتفاءل وسحر واستخدم جاناً وتابعة وأكثر عمل الشر في عيني الرب لإغاظته ] ( 2أخبار الأيام 28: 3؛ 33: 6)…

وهو وادي عميق ضيق يقع خارج أورشليم في جنوب المدينة، وكانت تُقدم فيه محرقات بشرية إكراماً لمولك التمثال الذي كان يعتبروه إله عظيم عند الأمم، وقد فعل اليهود أنفسهم في القديم مثل هذا الفعل المُشين على مثال الوثنيون الذي حذرهم الله من أفعالهم الذي يمقتها بشدة، وتمثال مولك الذي كان موجوداً في هذا الوادي عبارة عن تمثال نُحاسي مجوف يُجري إيقاد النار بداخله حتى يحمى لدرجة الاحمرار، ثم يقدم الآباء أبناءهم تقدمة للإله مولك فيضع الكهنة الوثنيون الأطفال الصغار على يدي التمثال المحمية بالنار مع عمل أصوات طبول وأصوات صراخ الكهنة أو أناشيد عبادتهم الوثنية للتغطية على صوت صراخ الأطفال الذين تشويهم نار ذراعي الإله مولك بصورة بشعة غير آدمية تقشعر لها الأبدان. وهكذا نرى صورة من عبودية الإنسان للشيطان، وماذا يفعل حينما يفقد إنسانيته. ولذلك أمر الملك يوشيا بهدم المكان وتشويهه تماماً وطمس ملامحه ” لكي لا يُعَبَّر أحد ابنه أو ابنته في النار لمولك ” (أنظر ملوك الثاني 23)، وقد أصبح المكان بعد ذلك، المكان العام المرفوض من المدينة وفيه كانت تُلقى أجساد المجرمين بعد إعدامهم، وجثث الحيوانات، وجميع أنواع القاذورات التي يرعى فيها الدود وتشتعل فيها النار. وبسبب عمقه وضيقه والنار والدخان المتصاعد منه، صار رمزاً لمكان عقاب الأشرار في المستقبل. وحيث أن النار كانت تُميز المكان لذلك دُعي نار جيهنوم، ومنها جاءت كلمة نار جهنم كتحريف لنطق الكلمة ونقلها من زمان لآخر…
وينبغي أن نُميز ما بين جيهنوم (جهنم) وبين الجحيم Hades، فكلمة الجحيم لم تُستعمل قط كمكان للعقاب، بل كمكان لانتظار أرواح الموتى، ولذلك فإن المسيح الرب القدوس بعد ما سلم روحه على الصليب قام بإخراج القديسين الذين رقدوا على رجاء الخلاص وانتظرت أرواحهم في الجحيم مجيء المخلص.

_________________________________________

ومن خلال هذا الشرح الموجز للألفاظ الغامضة بعض الشيء، اعتقد أن معنى الآية أتضح وزال منها بعض الغموض ..
ونأتي لسؤال هام ارتبط بالخطأ بهذه الآية وخرج عن المقصود وهو قول الرب يسوع لتلميذي عمواس: [ فقال لهما أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء ] (لو 24 : 25)؛ فهل هنا الرب يسوع يتعدى على تلمذي عمواس ويشتمهما كما هو ظاهر للبعض بربطه هذه الآية بما قيل في متى ؟؟؟

طبعاً المعنى هنا يختلف تمام الاختلاف عن ما قله الرب يسوع عن كلمة أحمق في إنجيل متى، لأن الذي يصف أخيه بالأحمق يقصد كما رأينا الازدراء واحتقار الأخ، وعدم رؤية صورة الله فيه المخلوق عليها، لأن ليس من حق أي أحد يهين إنساناً ويحتقره لأنه على صورة الله خُلِق، أما هنا المعنى الذي قاله الرب يسوع لتلميذي عمواس [ أيها الغبيان ] في الأصل يختلف تماماً، لأن هنا يتكلم عن نقص الوعي الإيماني، معبراً عن الإدراك الضعيف وضعف البصيرة، فلو كملنا الآية سيتضح المعنى، لأنه لا يتكلم عن أي غباوة، إنما عن بطئ القلب في الإيمان، وهي نقص المعرفة في الإيمان، وهذه غباوة تحتاج لعلاج من الرب نفسه وانفتاح القلب لعمله العظيم…
فقد وبخهم الرب توبيخ عنيف وقوي بسبب أن إيمانهم كان على مستوى ضعيف جداً يكاد أن يسندهم بصعوبة بالغة، فبعد كل خدمة الرب وسطهم وقال لهم كل شيء عن موته وقيامته وآلامه ونبههم انه سوف يقوم، ورغم كل ذلك يقولون: [ ونحن كنا نرجو أنه هو المُزمع أن يفدي إسرائيل. ولكن مع هذا كله، اليوم لهُ ثلاثة أيام منذ حدث ذلك. بل بعض النساء منا حيرتنا إذ كن باكراً عند القبر، ولما لم يجدن جسده أتين قائلات: أنهن رأين منظر ملائكة قالوا إنهُ حي. ومضى قومٌ من الذين معنا إلى القبر، فوجدوا هكذا كما قالت أيضاً النساء، وأما هو فلم يروه؛ فقال لهما أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء] ( لو 24: 21 – 25 )

بعد هذا الشرح الموجز والسريع والمركز جدا نستطيع أن نفهم المعنى المقصود في كل فقرة، وعلينا دائماً أن نعرف أن كل لفظة تأتي في موضعها الخاص بها وتُشرح في إطار الفقرة نفسها في ضوء الفكرة التي أتت فيها، وليس شرط أن يكون نفس المعنى المقصود في فقرة أخرى تكررت فيها نفس اللفظة أو كلمة مشابهة كما يظن البعض فيبحث في الكتاب المقدس عن لفظة واحدة ويستخدمها ويطبقها في كل موضع ومكان فيُخطأ في الفهم والمعنى، فالكتاب المقدس يفهم في معناه العميق حسب الفكر المترابط في كل سفر والموضوع الذي ذُكرت فيه في الإطار العام للكلام، لأننا لو رجعنا للقواميس وحدها في إطار هذا المعنى وطبقناه على كل فقرة دون معرفة وحدة السفر في هدفه، ومعرفة سياق الكلام في الفقرة التي تذكر فيها بعض الألفاظ، سنخرج عن المقصود ونشرح المعنى في إطار ما ظنه وما نعرفه نحن حسب منطق الفكر والدراسة وليس حسب مقاصد الله الذي يعلنها بنفسه ويُظهرها، لذلك الكتاب المقدس يحتاج إنسان تائب له حياة مقدسة مع الله في سر التقوى، يحيا الوصية، وله قلب كبير يمتلئ كل يوم محبة، وله أذنان كالرادار لتسمع همسات الروح من بين السطور …

_______________________

*** هنــــــــــوم ***
(وادي) واد قرب أورشليم، اسمه: غي بن هنوم (أي أرض بن هنوم، يش 15 :8؛ 18 :16؛ 2مل 23 :10). غي بني هنوم (2أخ 28 :3؛ 33 :6؛ ار 7 :31ي؛ 19 :6؛ 23 :25) أو: غي هنوم (يش 15 :8؛ 18 :16؛ نح 11 :30).
من كان هنوم هذا، ومن ابنه؟ قد يكون أحدَ الكنعانيين، لأن الوادي حمل اسمه قبل أن يحتلّ الاسرائيليون كنعان. يبدأ وادي هنوم عند نقطة الضهورة الجنوبية حيث كانت مدينة اليبوسيين. في هذا المكان يلتقي وادي قدرون (وادي تيروفيون) بوادي الربابة. يبدأ وادي الربابة غربي اورشليم قرب بركة محيلة الحالية (783م)، ويسير حول السفح الغربي والجنوبي لصهيون المسيحية، ويصل إلى وادي قدرون (615م). كان وادي هنوم منذ القديم مركز عبادة الاله مولك الذي كان، على ما يبدو، اله الجحيم. أحاز ومنسى أعطيا حياة جديدة لهذه العبادة التي تفرض ذبائح بشرية (2مل 16 :3؛ 21 :6؛ 2أخ 28 :3؛ 33 :6). ومع أن يوشيا نجّس المكان (2مل 23 :10)، إلا أن عبادة مولك عادت إلى الظهور بعد موته. رج ار 7 :31؛ 32 :35.

عن aymonded

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: