الرئيسية / القاموس اللاهوتي والكنسي / القاموس الكنسي / الطقس الكنسي / يوم الخميس الكبير، يوم السر العظيم، خميس العهد، سر الإفخارستيا وسر غسل الأرجل، وصلاة جسثيماني واختتام اليوم بقبلة القلب الغاش

يوم الخميس الكبير، يوم السر العظيم، خميس العهد، سر الإفخارستيا وسر غسل الأرجل، وصلاة جسثيماني واختتام اليوم بقبلة القلب الغاش

يوم الخميس يوم السر العظيم
سر الإفخارستيا وسر غسل الأرجل
وصلاة جسثيماني واختتام اليوم بقبلة القلب الغاش

 

أولاً مُسميات هذا اليوم العظيم
يُسمى هذا اليوم في الكنيسة القبطية [ يوم خميس العهد ]، ويُسمى أيضاً [ الخميس الكبير ]، ويشترك في هذا الاسم مع الكنيسة القبطية، الكنائس السُريانية والموارنة ، وعند ابن كبر في القرن ال14(1324م) يُدعى [ يوم الخميس الكبير الذي هو العهد الجديد ] كما يُسميه أيضاً [ عيد العهد الجديد ] ، ويُسمى في الكنيسة البيزنطية [ الخميس العظيم المُقدَّس ] . وهذا هو اسمه في الشرق عموماً. أمَّا في الغرب فاسمه التقليدي في الإنجليزية Maundy Thursday وكلمة Maundy جاءت من الأنتيفونا [ وهو لحن من فريقين ] الأولى التي تُرتل في هذا اليوم باللاتينية في طقس غسل الأرجل وهي Manatum novum أي [ وصية جديدة ] ، فهو يُسمى [ خميس الوصية الجديدة ] ، ويُسمى أيضاً [ الخميس الأخضر ] Green Thursday وهو اسمه التقليدي لدى الألمان . وربما جاء هذا الاسم [ الخميس الأخضر ] من عادة منح التائبين المعترفين بخطاياهم في هذا اليوم – استعداداً للتناول من الأسرار المقدسة – أغصاناً خضراء تعبيراً عن كمال توبتهم ورجوعهم إلى كمال شركتهم مع الكنيسة على أساس أنهم صاروا أغصان خضراء في الكرمة الحقيقية، ويُسمى هذا اليوم أيضاً Sheer Thursday أي [ الخميس النقي أو الواضح ]، حيث أنه في هذا اليوم، يُعطى الحل للتائبين، أو ربما جاء الاسم أيضاً من عادة الغسيل الطقسي لمذابح الكنيسة وسوف نذكرها بالتفصيل فيما بعد …

أحداث يوم خميس العهد بين التقليد اليهودي وإقامة وليمة العهد المسيانية
في هذا اليوم أمر الرب يسوع أثنين من تلاميذه أن يذهبا ويُعدا الفصح ليأكل معهم [ متى36: 17؛ مرقس14: 13؛ لوقا22: 7 ]. وبعد الظهر توجَّه إلى المكان الذي أعدَّ التلاميذ فيه الفصح في بيت القديس مرقس الإنجيلي والرسول [ كما يذكر التقليد المتفق مع الإنجيل تمام الاتفاق ] وهو ابن أخت القديس برنابا الرسول، وذلك كان في أورشليم. وكان الفصح اليهودي يستمر إلى سبعة أيام، حيث يذبحون خروف الفصح في الرابع عشر من نيسان بين العشاءين، أي بين العصر والغروب [ خروج12: 16 ]. ومتى ابتدأ مساء الخامس عشر من نيسان، كان يُدعى هذا اليوم: [ اليوم الأول من الفطير ]، وتنتهي أيام الفطير في الحادي والعشرين منه [ لاويين23: 5 ] وكان لا يجوز لهم بمقتضى الناموس أن يأكلوا شيئاً في هذه المدة سوى الفطير فقط [ خروج12: 15 ] ولذلك سُميَّ بعيد الفطير، والفطير هو الخبز الذي يُخبز بدون خمير، ولفظة الخمير تأتي في العبرية [ חָמֵ֗ץ ح م تص ] وتعني [ مُرّ أو لاذع أو حامض ]، وهي ترمز للخطية عادة والتي تجعل حياة الإنسان مرة ولاذعة، كما أن الخميرة تجعل العجين ينتفخ، وتكون الزيادة في الحجم وليس الوزن، وهكذا غرور الخطية تجعل الإنسان ينتفخ ويُفكر في ذاته أنه أكثر بكثير مما هو في الواقع، ومن شر الخطية أنها إذا دخلت للقلب أو في مكان تتفشى مثل قطعة الخميرة الصغيرة والتي تُخمر العجين كله، لذلك الخطية خاطئة جداً وأقل تعامل معها خطير لأنها تفعل فعل الانتشار والتوغل مثل الخميرة، لذلك أقل استهانة بالخطية تطعن الإنسان بالأوجاع التي لا ولن تنتهي قط. ويقول الرسول: [ ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تُخمِّر العجين كله. إذاً نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجيناً جديداً كما أنتم فطير. لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. إذاً لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخمير الشرّ والخبث بل بفطير الإخلاص والحق ] (1كورنثوس5: 6 – 8)
وكلمة فطير بالعبرية هي : [ מַצּוֹת م تص و ت ] matzot. وهذه الكلمة تعني حرفياً [ حلواً – بلا فساد – غير نتن ]. إذاً خبز الفطير يُمثل حلاوة وكمال السيرة بدون خطية. كما أن الأمر بأكل الفطير يؤكد على حياة الطهارة والقداسة في قمة كمالها للمسيا الإله الكلمة المتجسد، والذي جاء ليُكمل كل برّ ويضع حياته كحمل الله رافع خطية العالم ومتمم الذبيحة في كمالها الذي كان سابقاً رمزاً له ولتتميم عمله الكامل لأجل خلاص العالم كله منذ آدم لآخر إنسان ….

عموماً نجد أنه كان يلزم حفظ الاحتفال بعيد الفصح في جميع الأجيال كفريضة دائمة لا يُمكن أن تنقطع قط: [ ويكون لكم هذا اليوم تذكاراً فتعيدونه عيداً للرب. في أجيالكم تعيدونه ] (خروج12: 14)؛ [ فتحفظون هذا الأمر فريضة لك ولأولادك ] (خروج12: 24)؛ [ فتحفظ هذه الفريضة في وقتها من سنة إلى سنة ] (خروج3: 10)، والكلمة العبرية يحفظ [ שמרים شمريم ]، تعني حرفياً: [ يُلاحظ بانتباه أو يسهر على ] .
وبالنسبة للعبرانيين الأوائل، كان مفهوم التذكار لديهم أكثر من كونه مجرد تذكُرّ حدث يُمثل مرحلة من مراحل التاريخ، بل لقد استخدموا التذكار لاستحضار القلب والذهن إلى حدث هام جداً وحقيقي موثق وموثوق به، وكل شخص يهودي يعتبر نفسه – شخصياً – واحداً من الذين خلَّصهم الله من العبودية في القديم، لأنه يعتبر خلاص الله ممتد منذ لحظة عمله إلى اليوم الذي يعيش فيه يهودي في كل جيل جديد. وهو أيضاً يوجه نظره نحو المستقبل إذ انه متيقن من ما سوف يعمله الله في المستقبل لأجل خلاصه وحياته في المسيا الآتي، وعموماً نجد أن الله قد وضع نظاماً محدداً لهذا الاحتفال السنوي بالفداء. وتتمثل بنوده في الآتي :

1 – كل الأجيال شعب إسرائيل تحفظ وتُقيم الفصح سنوياً ولا يُستثنى أحد بالطبع [ خروج12: 47]
2 – لا يُسمح لأي غريب خارج العهد أي غير مُختتن أن يأكل من ذبيحة الفصح [ خروج12: 43 – 45 ]
3 – يؤكل الفصح بداخل البيوت، وهو شاة ابن سنة لكل بيت [ خروج12: 46 ]
4 – ينبغي أن تؤكل ذبيحة الفصح بالكامل في ليلة واحدة، ولا يبقى منها شيئاً للصباح [ خروج34: 25 ]
5 – ينبغي أن يعزلوا الخميرة من بيوتهم لمدة سبعة أيام [ خروج13: 6 – 7 ]
6 – ينبغي أن يذبحوا خروف الفصح في عدم وجود خميرة [ خروج34: 25 ]
7 – لا يكسروا عظمة من عظام ذبيحة الفصح [ خروج12: 46 ]
8 – ينبغي أن يذبحوا خروف الفصح – فقط – في المكان الذي يُحدده الرب لهم [ تثنية16: 5 – 6 ]
9 – ينبغي على كل ذكور جماعة بني إسرائيل أن يظهروا أمام الرب في وقت الفصح [ خروج23: 17 / 34 : 23 ]
10 – أولئك الذين هم بداخل حظيرة الإيمان – فقط – يشتركون في احتفال الفصح . وإذا أراد أُممي أو غريب أن يشترك معهم، عليه أن يُختتن ويؤمن بيهوه.

الشكل العام لترتيب الفصح

يلزمنا أن نعرف أولاً أن الفريسيون كانوا في أيام الرب يسوع هم حُراس التقليد الشفوي لحكماء بني إسرائيل القُدامى، والذي يعتبرونه مساوٍ للتوراة أي الشريعة المكتوبة، ويعتقد اليهود الأرثوذكس إلى يومنا هذا أن الله نفسه أعطى هذه الشريعة الشفهية لموسى، وانتقلت من جيل لجيل شفهياً. والذين فسروا التوراة وشرحوها عرفوا باسم [ الرابيين ] والتي تعني [ مُعلمين ]، وقد جمعوا وصنفوا كل المعتقدات الدينية في كتاب واحد أُطلق عليه [ المشناه ] في وقت ما بين 100 ميلادية حتى سنة 250 ميلادية. المشناه تُعطي كافة أوجه الحياة الدينية وتُقدم صورة للعادات والتقاليد والأوامر والشرائع على مر العصور حتى زمن وجود الرب يسوع .
وبخصوص الفصح تقتبس المشناه أقوال رابي غمالائيل Rabbi Gamaliel التي يقول فيها: [ كل من لا يذكر هذه الأشياء الثلاثة التي سنذكرها، في عيد الفصح، يعتبر نفسه إنه لم يُتمم ما ألزمته به الشريعة، وهي :
• ذبيحة الفصح، لأن القدوس عبر على بيوت آباءنا في مصر وفداهم من موت الأبكار
• الفطير، لأن الرب حرر آباءنا من أرض العبودية: مصر
• الأعشاب المُرّة، لأن المصريين مرروا حياة آباءنا في مصر ] Pesahim10: 5

الشكل العام لترتيب الفصح وتنظيمه
من جهة شكل الجلوس حول المائدة: كان المحتفلون يجلسون متكأين حول المائدة وليس في وضع الجلوس العادي، وهذا انحدر من بابل ساعة السبي، ومن عادات بابل أن الأشخاص الأحرار يتكئون على وسائد مُريحة حول المائدة، أما العبيد فيقفون بانتباه شديد لخدمة أسيادهم الذين يأكلون.
وعند جلوس أفراد العائلة حول مائدة الفصح، يُخصص مكان ويُرتب بعناية شديدة لرئيس المائدة، حيث اقتضت العادة أن رب العائلة هو الذي يجلس على رأس مائدة العشاء الاحتفالية. والشخص الأصغر يجلس في الجهة اليُمنى ليقوم بدور خاص في نهاية الطقس التقليدي seder، أما على يسار رب العائلة فيجلس الضيف بكل إجلال واحترام، وأحياناً يُترك هذا المكان فارغاً ويُسمى [ كُرسي إيليا ] حيث يعتقدون أن إيليا النبي سيجيء فجأة ويأكل معهم الفصح، كما كانوا يتوقعون من النبوات أن إيليا سيأتي كما نراهم حينما سألوا القديس يوحنا المعمدان : أإيليا أنت !!!

الجماعة التي ستأكل الفصح
كان اليهود يقسمون أنفسهم في أكل خروف الفصح إلى جماعات، بحيث لا تقل الجماعة عن عشرة أفراد ولا تزيد عن عشرين شخصاً، وإن لم يبلغ سكان البيت الواحد عشرة أشخاص، اشترك بيتان في خروف واحد، وكانت كل جماعة تُنيب عنها واحداً ليحضر الخروف إلى دار الهيكل، ويُساعد أيضاً اللاويين على ذبحه، ثم يُنقل ما يُذبح إلى البيت الذي يقصدون أن يأكلوه فيه حسب الشريعة [ خروج12: 4 – 14 ]، وطبعاً يلزمنا أن نعرف أن اللاويين قاموا ببيع الخرفان في الهيكل لكي ينالوا نصيباً في ثمنه لأنهم يبيعونه أغلى ثمناً من خارج الهيكل، وكانوا يرفضون أي خروف يحضره أحد من خارج الهيكل ويختلقوا له عيوباً فيه ليمنعوا ذبحه لأنهم القائمين على فحص الخروف لسلامة تقديمه حسب الشريعة، لذلك اغتاظوا جداً من الرب حينما طرد الباعة وقلب موائد الصيارفة وقال بيت أبي جعلتموه مغارة لصوص …
عموماً قد قام الرسولان بطرس ويوحنا بذلك الأمر في الهيكل في هذه المرة بالنيابة عن مُخلصنا وتلاميذه، وأعدَّا الفطير والخمر والأعشاب المُرّة وكل ما هو ضروري لإعداد الفصح. فلما أعدا كل شيء، جاء يسوع وتلاميذه إلى المكان الذي أخفاه الرب عن يهوذا، حتى يُتمم ما جاء لأجله، لأن يهوذا لهذه الساعة لم يكن يعلم أين يصنع الرب الفصح لذلك لم يستطع أن يبلغ عن مكانه – حسب ما اتفق مع اليهود – إلا بعدما ذهب وحضر الفصح مع التلاميذ كما سوف نرى؛ وطبعاً نحن نعلم أن اليهود كانوا في خوف من الشعب إذا سلموه، وحاولوا أن يدبروا مكيده لتسليمه بدون هياج الشعب عليهم كمسئولين، وحينما أتاهم يهوذا فرحوا إذ وجدوها فرصة أن تلميذه هو الذي يسلمه، لذلك أرسلوا معه حراس الهيكل وحراس الرومان، وتركوا التلميذ هو الذي يتعرف عليه ويسلمه بيده كما نعرف جميعاً التفاصيل ….

طقس الاحتفال والغسل
الاحتفال بالطبع كان يشمل طقس غسل الأيدي وبعض الصلوات في وضع الجلوس. ويشرب المحتفلون أربعة كؤوس من الخمر، والتقليد الشفوي من المشناه يأمر بأن حتى الأشخاص الفقراء ينبغي عليهم أن يشربوا هذه الكؤوس الأربعة، حتى ولو وصل الأمر به إلى بيع نفسه أو الاستدانة (وطبعاً هذا ما قصده المسيح بتوبيخهم لأنهم أبطلوا وصية الله بتقليد الناس ولا يقدرون أن يعولوا الفقير بل يضعوا عليه أثقال عثرة الحمل) وينبغي أن يكون خمر الفصح من النبيذ الأحمر، ويُخلط بقليل من الماء، كما أن المشناه تأمر بأن يكون النبيذ دافئاً، ومن ثمَّ يجب تسخين الماء قليلاً قبل خلطه بالخمر حتى يُذكَرَهم بدم الخروف الذي ذُبح للتو، فيكون دمه دافئاً.
ما يوضع بجوار الخروف على المائدة
لابد بجوار الخروف المشوي بكاملة بدون كسر عظماً منه، توضع أعشاب مُرة وثلاثة شرائح من الخبز غير المختمر، يُسمى بالعبرية Charoseth، وفي هذا الخليط كانوا يغمسون الأعشاب المُرة وخبز الفطير معاً. ولا يأكلون طبق التحلية بعد أكل خروف الفصح بل قبله، حيث أنه غير مسموح بأكل أي شيء آخر بعد أكل خروف الفصح.

بدء الاحتفال بالفصح
بعد أن يتم كل الأعداد السابق للفصح تبدأ ربة البيت تُعلن عن بدء احتفال الفصح، بإنارة شمعتي الفصح، فتُغطي عينيها بيدها وتتلو صلوات البركة على الشمعتين، شاكرة الله من أجل هذه المناسبة الخاصة ، قائلة: [ مبارك أنت أيها الرب إلهنا، ملك المسكونة، الذي قدستنا بوصاياك. وباسمك نُشعل أنوار الاحتفال ]
وبعد ذلك يتلو رئيس المتكأ (رب العائلة) صلاة التقديس بالعبرية [ קידוש قيدوش ] على الكأس الاستفتاحية وهي الكأس الأولى من الخمر قائلاً: [ مبارك أنت أيها الرب إلهنا، ملك المسكونة، يا من اخترتنا من بين الشعوب لنُقدم لك هذه الخدمة، مبارك أنت أيها الرب إلهنا، ملك الدهور، يا من وهبتنا الحياة، يا من حفظتنا وأتيت بنا إلى هذه المناسبة ] ثم يقول: [ فليكن الرب مباركاً الذي أبدع ثمر الكرمة ] ثم يرتشف منها قليلاً، ويُدار بها على جميع الجالسين فيرتشف كل منهم قليلاً منها كل واحد بدوره، وكان تُدعى كأس المرارة، وهي الكأس المذكورة في إنجيل القديس لوقا: [ ثم تناول كأساً وشكر وقال خذوا هذه و اقتسموها بينكم. لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله ] (لوقا22: 17 – 18) …
ثم يأتي بعد ذلك طقس غسل الأيدي بواسطة رئيس المتكأ، وهذا الاغتسال كانوا يشيرون به إلى عبور أسلافهم البحر الأحمر …

وعند هذا الحد من الطقس قام الرب عن العشاء وخلع ثيابه كما يفعل العبيد، وأخذ منشفة وأتزر بها، ثم صب ماء في مغسل، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متَّزراً بها. يغسل ويُجفف وسخ سيرتنا القديمة التي سلكنا فيها بمسالك غير مستقيمة …

طبعاً أمام هذا الحدث الجليل والرهيب باتضاع الخالق العظيم أمام المخلوق الضعيف يُذهل العقل وتُعقد الألسُن، فالخالق ينحني باتضاع أمام خليقته هذا حقاً لا يستوعبه عقل إطلاقاً أو يصدقه إنسان، فكيف الذي بيده قدر الخليقة ومن فيها والكل له يخضع أمام جلال مجد بهائه، ينحني ليغسل أقدام خليقته. فمن يستطيع أن يحتمل هذا ؟ من منا يحتمل أن يجلس أمام عريس النفس ورب الخليقة ليعطيه قدمه ليغسلها !!!

حقاً كان العذر لبطرس كل العذر عندما قال ليسوع في خجل شديد وحيرة وصدمة من انحناءه أمامه ليغسل قدميه: [ لن تغسل رجلي أبداً ]، ولكن الرب أعلمه أن ما يصنعه معه سرّ لا يستطيع أن يفهمه الآن، ولكنه سيفهمه فيما بعد، وأنه أن لم يغسله فلن يكون له نصيب معهُ في الملكوت، فمصيره في الملكوت مرتبط بغسل رجليه. إذن لم يكن الأمر مجرد غسل قدمين، بل شركة في ملكوت ابن الله وعمل تأهيلي لمن وُضعت عليه الضرورة للكرازة والتبشير. ولما عرف القديس بطرس ذلك قال عن عدم وعي: [ يا سيد ليس رجليَّ فقط بل أيضاً يديَّ وراسي ]، فصحح له الرب فهمه الخاطئ قائلاً: [ الذي قد اغتسل (بالمعمودية) ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه (أي تقويم سيرة حياته بالتوبة) ] (يوحنا13: 10)

ولما أكمل الرب هذا الفعل السرائري العظيم، أخذ ثيابه ولبسها، وعاد واتكأ على المائدة وقال لهم: [ أتفهمون ما قد صنعت بكم ؟ فسكتوا ] لأنهم بالتأكيد لم يكونوا يفهمون شيئاً في تلك الساعة، ولكنهم – بالطبع – فهموا فيما بعد. فقال لهم الرب: [ أنتم تدعوني مُعلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمُعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم، تصنعون أنتم أيضاً بعضكم ببعض. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه ] (يوحنا 13: 13 – 17)

يا أخوتي أخشى أننا إلى الآن لم نفهم بعد ماذا صنع بنا الرب، وأخشى أننا إلى الآن لا نقدر أن نصفح عن أخطاء إخوتنا مع أن الرب قال أن نغسل أقدام بعضنا البعض، فمن يقدر على هذا وإلى الآن يحمل ضغينة في قلبه ولا يقدر على احتمال أخيه، فكم يكون بغسل أقدامه !!!
فهل يا ترى لم نستوعب وصية الله بعد ولا نقدر على أن نحيا بها قط : [ هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم (يوحنا 15: 12)، بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضاً (يوحنا 15: 17)، و هذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح ونحب بعضنا بعضا كما أعطانا وصية (1يوحنا 3: 23)؛ أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً لأن المحبة هي من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله (1يوحنا 4: 7)؛ بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه (1يوحنا 5: 2)، يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق (1يوحنا 3: 18) ]

يا أحبائي لنصغي لكلام القديس بطرس الرسول الذي وعى جداً ما صنعه الرب معه فهو ينادينا عبر الدهور قائلاً لنا نحن أبناء هذا الجيل الصعب قائلاً على مستوى كل واحد الشخصي: [ طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء فأحبوا بعضكم بعضا من قلب طاهر بشدة ] (1بطرس 1: 22) ، ولنصغي للرب محب البشر الذي قال لنا: [ من أراد أن يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما ] (مرقس 10: 43)

مابين العشاء الطقسي اليهودي وعشاء الرب
نجد كما رأينا وشرحنا، أنه بعد أن جلس جميع العائلة حول المائدة الفصحية وبدء الاحتفال ويتلو رئيس المتكأ (رب العائلة) صلاة التقديس وبعدها يُأخذ الكأس الأولى وبعدها يبدأ غسل الأيدي، ثم بعد الانتهاء من غسل الأيدي يُحضر أحد الخدم طبقاً كبيراً عليه الطعام ولا يأكل منه أحد بعد. ثُمَّ يُجرى الغمس الأول، حيث يغمس رئيس المتكأ الأعشاب [ الخس ] في الماء المُملح أو الخل، ويُعطي كل واحد على المائدة جزء، وبعد غمس الأعشاب المُرة يُرفع طبق الطعام من على المائدة ( ويتم رفع طبق الطعام – الذي هو رمزاً لخروف الفصح الذي به تم خروج شعب إسرائيل من مصر – هو إجراء غير عادي القصد منه إثارة السؤال عند الأطفال والأولاد الحاضرين )، عندئذٍ يصب رئيس المتكأ الكأس الثانية من الخمر، ولكن لا أحد يشرب منها. ثم يأتي أحد الأطفال ويُلقى على رب العائلة أربعة أسئلة، وهذا هو دور الطفل (أو أصغر شخص ) الجالس عن اليمين كما قلنا سابقاً، والأسئلة كالتالي :
1 – لماذا هذه الليلة مختلفة عن بقية الليالي ؟
2 – في كل الليالي، نأكل خبزاً مختمراً أو غير مختمر، لكن هذه الليلة نأكل فقط خبزاً غير مختمر ؟
3 – في كل الليالي نأكل جميع أنواع الأعشاب ولكن هذه الليلة نأكل فقط أعشاباً مُرّه. ولماذا نغمس الأعشاب مرتين ؟
4 – في كل الليالي نأكل لحماً مشوياً أو مسلوقاً أو محمراً، لكن هذه الليلة نأكل فقط لحماً مشوياً ؟

حينئذٍ يُقدم رئيس المتكأ لأبنائه عرضاً لتاريخ شعب إسرائيل مبتدئاً من دعوة إبراهيم من أرض أو الكلدانيين ، مُنتهياً بفداء الشعب وتحريرهم من عبودية أرض مصر وإعطاء الشريعة [ خروج 10، 12 ]

ثم يحضر طبق الطعام الكبير مرة أخرى، ويستمر رئيس المتكأ في تقديم شرح خروف الفصح والأعشاب المُرة والفطير. عندئذٍ ينشدون الجزء الأول من ال “هلليل” أي [ مزمور 113، 114 ] ثم يشربون كأس الخمر الثانية. ثم يغسلون أيديهم للمرة الثانية، وذلك واجب احترام للفطير الذي سيأكلونه الذي يرمز لعدم الخطية والبرّ، ثم يكسر رئيس المتكأ شريحة واحدة من الخبز الغير مختمر ويتلو البركة على الخبز، حيث توجد بركتان : الأولى من أجل شكر الله الذي يُعطي الخبز من ثمار الأرض، أما الأُخرى فهي من أجل شكر الله لإعطائه وصية أكل الفطير. وتقليدياً تُعطى هذه البركة التي تُتلى على الخبز الذي يُكسر أولاً، هي لإظهار التذلل والخضوع وتذكُّر أيضاً أن الفقراء لديهم – فقط – كسرة مكسورة من هذا الخبز المكسور، ثم يغمسها في الأعشاب المُرة وخليط التفاح المحلى مع البندق [ Charoseth ] ويُعطيها لكل فرد على المائدة. ولو كان الخروف صغيراً ليأخذ كل واحد كفايته يأكلون بيضة مسلوقة [ Hagigah ] على أن تؤكل البيضة أولاً، حيث ينبغي أن يكون خروف الفصح هو آخر الأطعمة التي يأكلونها تلك الليلة. وبالتالي لا يوجد طبق تحلية.

وبعد العشاء يصب رئيس المتكأ كأس الخمر الثالثة، ويتلون جميعهم البركة التي تُتلى بعد الوجبات، ثم ينشدون بركة خاصة للخمر على الكأس الثالثة، وكل واحد يشرب منها، وبعد الكأس الثالثة ينشدون الجزء الثاني من [ هلليل ] أي [ مزمور 115 حتى 118 ]، ثم يشربون الكأس الرابعة. وبهذا يكون طقس الفصح قد انتهى، ثم يرتلون لحناً في الختام والذي يبدأ بـ [ كل أعمالك تسبحك أيها الرب (يهوه) إلهنا ]، وينتهي بـ [ إلى أبد ألآبدين، أنت هو الله ومعك ليس لنا ملك أو مُخلِّص أو فادي ]

عموماً أهم ما في الموضوع هما ثلاث نقاط ينبغي أن نُركز فيهما :
[1] كان يستحيل أن يؤكل شيئاً إطلاقاً بعد عشاء الفصح، إذ يجب أن يكون خروف الفصح آخر شيء يؤكل، والرب يسوع كسر هذه القاعدة، إذ فاجأهم إذ بارك على الخبز وكسر وأعطاهم قائلاً [ هذا هو جسدي ]، فالرب أسس سرّ الإفخارستيا أثناء هذا العشاء وقبل الكأس الثالثة مباشرة: [ وأخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. أصنعوا هذا لذكري ] (لوقا22: 19)؛ [ أن الرب يسوع في الليلة التي أُسلِمَ فيها (للموت) أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم أصنعوا هذا لذكري ] (1كورنثوس11: 23 – 24)، وطبعاً المسيح الرب لم يكسر قاعدة إلهيه موضوعه بل وضح أنه هو سر الفصح الحقيقي الأخير والذي أبطل الفصح القديم تذكاراً لخلاصاً تم في الماضي كظل لخلاص أخير وأبدي سيقع حالاً بتقدمة ذاته كحمل طاهر رافع خطية العالم معطياً خلاصاً أبدياً، والمسيح الرب هو بذاته [ يهوه ] شخصياً، إذ قد أعلن نفسه سابقاً للجميع قائلاً كاستعلان عن ذاته [ أنا هو الباب ]، [ أنا هو نور العالم ]، [ أنا هو الطريق والحق والحياة ]، [ قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (يهوه) ] (يوحنا 10: 9؛ 8: 12؛ 14: 6؛ 8: 58)

[2] صلاة البركة على الكأس الثالثة، والكأس الثالثة حسب المشناه اليهودي، هي التي تحمل في داخلها كل معاني ورموز [ دم خروف الفصح ] ولذا فهي تُعتبر الأكثر أهمية. ومن هنا جاء اختيار السيد الرب يسوع (يهوه) للكأس الثالثة لتكون هي [ دم العهد الجديد ] وقد أطلق المشناه اليهودي على الكأس الثالثة أسمان:
الاسم الأول: [ كأس البركة ] وذلك لأنها تأتي بعد تلاوة [ البركة بعد الأكل ] – بعد العشاء
الاسم الثاني : [ كأس الخلاص ] وذلك لأنها تحمل كل معاني دم حمل الفصح. وقد استعمل بولس الرسول هذا الاصطلاح عندما قال: [ كأس البركة التي نُباركها أليست هي شركة دم المسيح ] (1كورنثوس10: 16)

فالمسيح الرب عندما أخذ الكأس الثالثة بعد العشاء باركها وقال أن هذا هو دمه: [ كذلك الكأس أيضاً بعد العشاء قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفك عنكم ] (لوقا22: 20)؛ [ وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ] (متى26: 27)؛ [ كذلك الكأس أيضاً بعد ما تعشوا قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. أصنعوا هذا كلما شربتم لذكري ] (1كورنثوس11: 25)

[3] وبعد شرب الكأس الثالثة يتم تلاوة الجزء الثاني من ال [ هلليل ]، ثم تُصب الكأس الرابعة وتُشرب، ثم يأتي اللحن الختامي وهذا ما نراه مكتوب في إنجيل متى: [ ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون ] (متى26: 30)
ومن هنا نرى ما قد أعطانا ربنا يسوع من خلاص وحياة أبدية لا تزول بإعطاء ذاته لنا للاتحاد به كشخص حي، يهوه الذي يشفي النفس بترياق الخلود الذي هو جسده الحقيقي الذي يُبذل عن حياة العالم، ودمه الذي يُراق من أجل شفاء العالم كله وتطهير من الخطية لكل من يؤمن به ويتناول منه، لأنه حقاً يُعطى لنا خلاصاً وغفراناً للخطايا وحياة أبدية لكل من يتناول منه …

عموماً بعد أن سردنا باختصار شديد وإيجاز هذا السر العظيم الذي للتقوى، نتحدث الآن عن صلاة جسثيماني والقبض على يسوع وبدء يوم الجمعة العظيم الذي فيه تم خلاصنا وذبح الحمل الحقيقي …..

تعليقات وبعض التوضيح بالنسبة ليوم الخميس الكبير
قبل أن نضع بعض الملامح العامة للخميس الكبير، نوضح أولاً بعض النقاط التي لم نوضحها في شرحنا السابق، وهو ذكر أنواع الأعشاب المُرة التي توضع على المائدة والخليط الحلو والفطير، لأني لم أذكرهم بالتفصيل لكي لا يتشتت قارئ الموضوع، فقلت أضعها منفصلة تحت هذا العنوان:
[1] أنواع الأعشاب المُرّة : كانت توضع ثلاثة أنواع من الأعشاب، اثنان يُمكن تمييز مرارتهما وهما: جذر الفجل الحار ويُسمى بالعبرية [ Chazereth ]، أوراق فجل عذب وتُسمى بالعبرية [ Maror ]. أما النوع الثالث من الأعشاب المُرة، هو حزمة من الجرجير والمقدونس. وكل هذه الأنواع مع بعضها تُصنف بالعبرية تحت اسم [ Karpas ]. ويقول بعض الرابيين القدماء: [ عند تذوق الجرجير يبدو في البداية حلواً ثم بعد ذلك تكون فيه المرارة. هكذا تعامل المصريون مع أجدانا في مصر: في البداية اسكنوهم في أحسن موقع في مصر وأكرموهم، لكن بعد ذلك مرروا حياتهم ] Talmud Yerushalmi Pesahim 29C
[2] خليط لونه أسمر محمر ، وهو مكون من: تفاح مهروس مع البندق والقرفة والزبيب والخمر وهذا الخليط يُسمى بالعبرية [ Charoseth ] وهذا الخليط، يرمز إلى الطين الأحمر لأرض مصر أو اللبن الذي استخدمه العبرانيون لبناء بيوت ومدن لفرعون مصر، وسأل أحد اليهود مُعلمه قائلاً: لون هذا الخليط يرمز إلى مرارة السُخرة في أرض مصر، لماذا طعمه حلو ؟ فأجاب مُعلمه: لو أننا نعلم أن خلاصنا سيُقدم في هذه الليلة، فوقتئذ حتى مرارة السُخرة تكون حُلوة .
[3] الفطير [ Matzo ]: هذا الخبز كان عبارة عن شرائح رقيقة مُسطحة [ تُشبه خبز الذرة في صعيد مصر ] وتكون مستديرة أو مستطيله [ لا يقل الضلع الصغير عن سبع بوصات ]، وهذه الشرائح عليها صفوف من الثقوب الصغيرة جداً، وهذا الخبز الخالي من الخميرة يُشير إلى طبيعة المسيح الخالي من الخطية، والثقوب الموجودة على شريحة الفطير تُشير إلى إشعياء النبي 53: 5 [ وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا… وبحبره (جراحاته) شُفينا ]

عموماً أحداث هذا اليوم تتلخص في النقاط الآتية :
• وليمة الفصح
• غسل الأرجل
• العشاء الأخير أو العشاء السري
• الخطاب الوداعي الأخير وصلاة الرب يسوع للآب
• الخروج لجسثيماني
• القبض على يسوع
• طبعاً لا ننسى أن في أثناء هذه الأحداث أشار الرب لمُسلمه والذي دخله الشيطان وخرج من وسطهم لكي يرشد اليهود لمكانه فيرسلون حراس الهيكل وجند الرومان معه ويسلمه إليهم بالقبلة المشهورة، وأيضاً لا ننسى إنباء يسوع لبطرس أنه سينكر مُعلَّمه ثلاثة مرات قبل أن يصيح الديك وينتبه لصياحه وذلك رداً على بطرس الذي قال [ إن شك فيك الجميع فانا لا أشُك ]

أقدم العادات التي شاعت عن طقس خميس العهد أو الخميس الكبير
في العصور المسيحية الأولى وحتى القرن السابع الميلادي – وعلى الأخص كنيسة شمال أفريقيا – شاعت عادة أفريقية وهي أكل الشعب يوم الخميس الكبير بعض الأطعمة الشهية بعد أن يكون قد مضى عليهم مُدَّة طويلة وهم لا يذوقون فيها إلا أنواع بسيطة من الطعام كالخبز والماء وبعض الخُضر والحبوب بدون زيت أو خمر، ثم يحتفلون بخدمة القداس الإلهي ويتناولون من الأسرار المُقدسة، وذلك إقتداءً بما فعله يسوع في يوم الخميس الكبير، عندما تناول أولاً العشاء حسب العادة، ثم أعطى الأسرار الإلهية للتلاميذ، ويظهر أن هذه العادة قد شيعت قبل المجمع المسكوني الثاني سنة 381م، لأن مجمع اللاذقية (341 – 381م) الذي عُقِدَ قبله أنتقد هذه العادة بشدة، إذ يقول القانون رقم (50) لهذا المجمع المقدس [ لا يجوز حَلَّ الصيام الكبير يوم الخميس من الأسبوع الأخير، أعني يوم الخميس الكبير المقدس. ففي ذلك احتقار وخرق للصوم كله، بل يجب أن نصوم كل فصل الصيام الكبير … ]، وبالطبع توجد مجامع وكتابات للآباء أكدت على الصوم في هذا اليوم العظيم، وهذه مقتطفات للقديس أغسطينوس بدون أن ندخل في تفاصيل كثيرة أو نعرض كل الكتابات الآبائية حيث يقول متفقاً في ذلك مع كل آباء الكنيسة قائلاً: [ أنه تكريماً لسر عظيم كهذا، يجب أن يُؤخذ جسد الرب قبل كل طعام يتناوله المسيحي بفمه . ] ورجاء مراجعة [ رسالة كورنثوس الأولى 12: 33 – 35 ]

بالطبع بسبب ضيق الوقت لا أقدر أن أفي هذا اليوم العظيم حقه من شرح وتعليق لأنه يوم حافل بالكنوز الروحية العظيمة جداً والتي سنظل أيام عمرنا كله ولكل جيل يأتي نأخذ منه ونشبع ونرتوي ولا نتوقف إلى القبر، لأن فيه كنوز أبدية لا تُقاس مهما ما تحدثنا عنها وتذوقنا منها، لأنها طعام قوي للجميع وفيه شفاء وخلاص لكل من يأتي لهذا اليوم بهيبة واستعداد ليأخذ ويشبع ويعطي للآخرين من الخبرات والكنوز الذي حملها منه …
واعذروني لاختصاري الشديد، لأن الموضوع طويل ولو كتبته باستفاضة سأظل السنة كلها أكتب ولن أنتهي قط، ولو أني لم أذكر صلاة جسثيماني ولم أشرحها لأن ما فيها أعظم من أن يُشرح، ولكن سأشرحها بقدر استطاعتي وحسب كتابات الآباء وخبراتهم فيما بعد لأنها تحتاج لمجهود جبار مع صوم وصلاة ليفتح الله ذهني أكثر ويعطيني نعمة لكي لا أكتب فكر ولا معلومات، بل أكتب خبرة عميقة برؤية واضحة لكي لا يكون كلامي كلام بحكمة إنسانية مقنعة للعقل، بل أكتب ببرهان الروح والقوة…
قوة خلاص النفس ربنا يسوع يعطيكم فهماً وخبرة من كنوز مجده الفائق كل فكر، وسلامه الفائق يملأ قلوبكم آمين

عن aymonded

%d مدونون معجبون بهذه: